متى يبدأ اليمن خروجه الحقيقي من نفقه الطويل؟
بإمكان المرء أن ينظر إلى التجارب التي تنهار فيها الدولة تحت وطأة الجماعات العقائدية المسلحة، ليجد أن الاقتصاد لا يعود وظيفة مرتبطة بالإدارة أو التنمية أو تحسين شروط الحياة، بل يتحول بالتدرج إلى أداة لإعادة تشكيل المجتمع وفق منطق السيطرة.
وحين يحدث ذلك، تتغير طبيعة العلاقة بين السلطة والناس، إذ لا تصبح السلطة مسؤولة عن حماية المجال العام، بل عن احتكاره وإخضاعه.
واليمن اليوم يقدم واحداً من أكثر النماذج قسوة وتعقيداً في هذا السياق، لأن ما جرى فيه لم يكن في تصوري مجرد انهيار اقتصادي نتج من حرب طويلة، بل عملية تفكيك ممنهجة لفكرة الدولة ذاتها.
فالمجاعة هنا ليست أثراً جانبياً للفوضى الناتجة من انقلاب مسلح على الدولة، وإنما نتيجة لبنية سياسية ترى في إنهاك المجتمع وسيلة لضمان بقائه خاضعاً.
ولذلك تتبدى لي الكارثة اليمنية أعمق من مجرد أزمة معيشية عادية، إنها تعبير عن انتقال القوة من مفهوم الدولة إلى مفهوم الجماعة المسلحة التي تدير الخوف بوصفه نظام حكم كاملاً.
وعليه، وفق ما هو موضح أعلاه، يمكن فهم الكيفية التي تحولت بها معاناة الناس في مناطق سيطرة الميليشيات الحوثية من نتيجة للحرب إلى جزء من آلية الحكم نفسها.
فحين تصادر الرواتب، وتفرض الجبايات، وتغلق مساحات العمل الطبيعي، ويدفع المجتمع إلى حال احتياج دائم، فإن المسألة في تصوري لا تعود مرتبطة بسوء إدارة اقتصادية فحسب، بل ببناء منظومة إخضاع طويلة الأمد.
لأن الإنسان الذي يُستنزف يومياً في البحث عن الحد الأدنى من البقاء يفقد مع مرور الوقت قدرته على التفكير بالمواطنة والحقوق والدولة.
تكمن هنا خطورة التجويع السياسي، فهو لا يقتل الأجساد فحسب، بل يرهق الوعي الجمعي ويعيد تشكيل علاقة الناس بالحياة نفسها. تتحول "الحاجة"، في هذا المستوى تحديداً، إلى أداة أكثر فاعلية من السلاح، لأن الجائع لا يطلب منه أن يقتنع، بل يكفي أن يعجز عن المقاومة.
لاحظوا معي من فضلكم أن أخطر ما في هذه المعادلة أن الجماعات العقائدية المسلحة لا تنظر إلى الاقتصاد باعتباره مساحة إنتاج وتنمية، بل باعتباره مورداً دائماً للهيمنة.
ولهذا لم يكن تدمير الاقتصاد اليمني نتيجة جانبية للانقلاب على الدولة بقوة السلاح، بل امتداداً طبيعياً لبنية فكرية مغلقة ترى في المجتمع مصدراً للجباية لا شريكاً في الوطن.
فمنذ اللحظة التي سيطرت فيها الحوثية على مؤسسات الدولة، تحولت الموانئ والمعابر والأسواق إلى نقاط استنزاف مفتوحة، وغدت الجمارك والإتاوات والضرائب المتعددة جزءاً من الحياة اليومية للتجار والمواطنين.
في مقابل ذلك، لم تتجه هذه الموارد نحو بناء الخدمات أو حماية العملة أو تحسين الواقع المعيشي، بل ذهبت إلى تمويل الحرب وتعزيز شبكات النفوذ وإثراء المشرفين.
وبالطبع يظهر هنا الفرق الجوهري بين الدولة والجماعة، فالدولة تبني اقتصاداً كي يعيش المجتمع، بينما تبني الجماعة اقتصاداً كي تستمر هي.
فضلاً عن ذلك، لم يكن غريباً أن يتحول ميناء الحديدة، الذي مثل لعقود شرياناً حيوياً لليمنيين، إلى مساحة صراع عسكري وسياسي مفتوح.
فالموانئ في منطق الدولة أدوات للتواصل الاقتصادي مع العالم، أما في منطق الجماعات المسلحة فإنها تتحول إلى منافذ احتكار ومصادر تمويل للحرب.
وعليه، وفق ما هو موضح أعلاه، يمكن فهم كيف أسهم تحويل الحديدة إلى ساحة صراع في تعميق الكارثة الإنسانية، ليس فقط بسبب تضرر البنية التحتية، بل لأن تعطيل الميناء مثل خنقاً تدريجاً لحركة الحياة نفسها.
فحين يختزل الاقتصاد في منطق السيطرة، تصبح حتى الجغرافيا جزءاً من معركة الإخضاع، ويتحول البحر الذي يفترض أن يكون منفذاً للحياة إلى حدود إضافية للحصار والخوف والابتزاز.
لاحظوا معي أيضاً أن ما حدث للقطاع المصرفي والعملة الوطنية يكشف جانباً أكثر عمقاً من طبيعة مشروع الحوثية، لأن العبث بالنظام المالي لا يؤدي فقط إلى انهيار الأسعار أو فقدان الاستقرار النقدي، بل يضرب فكرة الثقة التي يقوم عليها أي مجتمع حديث.
فالدولة الحديثة لا تبنى بالسلاح وحده، وإنما ببنية قانونية ومالية تجعل الناس يثقون بالمؤسسات وبمستقبلهم الاقتصادي. وحين تتفكك هذه الثقة، يدخل المجتمع في حال قلق دائم تدفعه إلى الانكفاء على البقاء الفردي بدل التفكير بالمصلحة العامة.
ولذلك فإن تدمير الاقتصاد اليمني لم يكن في تقديري مجرد عملية نهب، بل كان تفكيكاً بصورة متدرجة لفكرة الاستقرار نفسها، وكأن المطلوب إبقاء المجتمع في حال هشاشة مستمرة تمنعه من استعادة توازنه الطبيعي.
ولذلك يمكن أيضاً فهم موجة هجرة رجال الأعمال وإغلاق الشركات وتراجع النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثية.
فالاقتصاد بطبيعته يحتاج إلى حد أدنى من القانون والاستقرار والثقة بالمستقبل، بينما تقوم الجماعات العقائدية المسلحة، كالميليشيات الحوثية على منطق مغاير تماماً، إذ ترى في الاستقلال الاقتصادي خطراً على هيمنتها.
ولهذا يصبح التاجر الناجح أو المؤسسة المستقلة هدفاً محتملاً للابتزاز أو المصادرة أو التضييق، لأن أي قوة اقتصادية خارج إطار الجماعة تمثل تهديداً ضمنياً لاحتكارها المجال العام.
ومن ثم يتحول الانهيار الاقتصادي من أزمة عابرة إلى عملية تفريغ ممنهجة للمجتمع من طبقته المنتجة، بما يجعل المجال مفتوحاً أمام اقتصاد الحرب بوصفه الشكل الوحيد الممكن للبقاء.
بيد أن المأساة اليمنية لا تتوقف عند حدود الانهيار الاقتصادي، بل تتجاوز ذلك إلى التحول النفسي والاجتماعي الذي يصيب الناس مع الزمن.
فالمجتمع الذي يعيش طويلاً تحت ضغط الخوف والعوز يفقد مع مرور الوقت قدرته على الحلم، ويتحول اهتمامه من التفكير بالمستقبل إلى مجرد النجاة اليومية.
وفي هذه اللحظة تحديداً تنتصر الجماعات المسلحة بأكثر الطرق خطورة، لأنها لا تسيطر على الأرض فحسب، بل تعيد تشكيل وعي المجتمع نفسه.
فالإنسان حين يعتاد الفقر بوصفه قدراً، ويتعامل مع انقطاع الراتب والجوع وغياب الخدمات كأمر طبيعي، يصبح الانهيار جزءاً من الوعي الجمعي لا مجرد حال موقتة.
وهذا في تصوري أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي كارثة سياسية، أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وأن يصبح غياب الدولة أمراً مألوفاً في نظر الناس.
ولذلك يمكنني المجادلة بأن جوهر الأزمة اليمنية يتجاوز كثيراً فكرة الصراع العسكري التقليدي.
لأن المعركة الحقيقية ليست فقط مع جماعة مسلحة سيطرت على العاصمة صنعاء بقوة السلاح، بل مع مشروع يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والدولة على أساس "الطاعة" و"الخضوع" لا "المواطنة" و"الحق".
ولهذا فإن استعادة الجغرافيا، على رغم أهميتها، لا تكفي وحدها إذا لم تترافق مع استعادة مفهوم الدولة باعتبارها إطاراً وطنياً جامعاً للعدالة والقانون والكرامة الإنسانية.
فالدولة ليست مجرد سلطة تدير الحدود، بل فكرة أخلاقية وسياسية تضمن للناس حقهم في الحياة الآمنة والمستقرة. وحين تغيب هذه الفكرة، تملأ الفراغ مشاريع القوة والفوضى والسلالة، لأن الفراغ السياسي لا يبقى فراغاً طويلاً في المجتمعات المنهكة.
وعليه، أرى أن أخطر ما يمكن أن يواجه اليمن مستقبلاً ليس فقط عدم استعادة الدولة ممن انقلب عليها بقوة السلاح، بل ترسخ نموذج الانهيار باعتباره الشكل الطبيعي للحياة،
لأن الأجيال التي تنشأ في ظل الفوضى الطويلة قد تفقد مع مرور الوقت قدرتها على تصور الدولة بوصفها واقعاً ممكناً.
وعندما يحدث ذلك، تصبح استعادة المؤسسات أكثر صعوبة من استعادة المدن نفسها، لأن التحدي في تقديري لا يعود عسكرياً فحسب، بل حضارياً وثقافياً ونفسياً في آن معاً.
فالدولة في النهاية ليست مباني ومقار حكومية فحسب، بل منظومة ثقة مشتركة بين الناس تقوم على الإحساس بالعدالة والانتماء والمستقبل. وإذا انهارت هذه الثقة بالكامل، فإن إعادة بنائها تحتاج إلى ما هو أكثر من اتفاقات سياسية أو تسويات موقتة.
ومن ثم، تتبدى معركة اليمن الحقيقية معركة تتعلق بمعنى الدولة قبل أي شيء آخر. لأن الجوع في تقديري لا يهزم الإنسان وحده، بل يهزم فكرة المواطنة حين يتحول المواطن إلى مجرد كائن يبحث عن البقاء بأي ثمن.
ولذلك، كخلاصة، فإن مواجهة مشروع الحوثية لا ينبغي أن تُختزل في بعدها العسكري فحسب، بل في ضرورة استعادة الفكرة التي قامت عليها الدولة الحديثة، أن الإنسان ليس تابعاً لجماعة أو سلالة أو قوة مسلحة، بل مواطن يمتلك حقه الطبيعي في "الكرامة" و"الحياة" و"الأمان".
في الواقع يمكنني القول - على نحو واثق - بأنه في اللحظة التي تستعيد فيها الدولة هذا المعنى، يصبح الاقتصاد مجالاً للحياة لا أداة للإخضاع، وتتحول السياسة من إدارة للخوف إلى إدارة للأمل، وربما - وقتئذ - يبدأ اليمن بالخروج الحقيقي من نفقه الطويل، وهذا هو بيت القصيد.
سامي الكاف
صحافي وكاتب يمني