عالمٌ جديدٌ شجاع: اليوم التالي لأوروبا بعد تغيّر المظلّة الأمريكية
تستيقظ القارة العجوز اليوم على وقع ارتطام عنيف بجرعات متراكمة من الحقيقة المرّة، بعد عقود طويلة عاش فيها العقل السياسي الأوروبي داخل دفيئةٍ زجاجية مكيّفة، مستنداً إلى أريكة مريحة من الضمانات العابرة للأطلسي،
ومطمئناً إلى أن المظلة الأمريكية قادرةٌ على امتصاص الصدمات الكبرى، وتحييد المخاطر الوجودية، وتوفير الزمن السياسي الكافي كي تنصرف العواصم الأوروبية إلى بناء نموذجها الاجتماعي والحقوقي والاقتصادي – دولة الرفاه –
ثم جاءت التطورات المتسارعة في العهد الترامبي لتكشف، على نحوٍ متزايد، عن تحوّلٍ بنيويٍ عميقٍ يعيد تشكيل خارطة القوة في العالم القديم،
ويدفع أوروبا إلى مواجهة الفراغ الناشئ عن تراجع الحضور العسكري الأمريكي التقليدي، واتجاه واشنطن نحو إعادة تموضعٍ استراتيجيٍ أشد تركيزاً في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
إننا إزاء ولادة مشهد جيوسياسيٍ مغاير يتجاوز البث السياسي التلفزيوني العابر إلى تبدّلٍ في قواعد اللعبة نفسها، تخرج فيه القارة من زمن الطمأنينة إلى زمن الصفقات،
حيث تبدو الخيارات الوجودية المطروحة أمامها محصورةً بين مسارين بالغَي القسوة: الانزلاق نحو عسكرة نووية شاملة تجعل الردع عنواناً آخر للخوف الدائم، أو الغرق في مستنقع العجز الاستراتيجي الذي يحوّل أوروبا إلى هامش مزدهر اقتصادياً ومكشوف أمنياً في آنٍ واحد.
أفول نموذج الهيمنة التقليدية
إن متابعة مسرح العلاقة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين في السنتين الأخيرتين تكشف ملامح تبدّلٍ بنيوي في طبيعة الالتزام الأمريكي بأمن القارة، مجسّداً في قرارات واتجاهات وإجراءات كان أحدثها سحب آلاف الجنود من قواعد حيوية في ألمانيا،
وإعادة النظر في نشر صواريخ «توماهوك» بعيدة المدى، الأمر الذي يمكن قراءته بوصفه نهايةً رمزيةً للحقبة الكلاسيكية التي قام فيها الردع الأطلسي على كثافة الوجود البشري الأمريكي، وعلى افتراض مستقر بأن أمن أوروبا جزءٌ عضويٌ من أمن الولايات المتحدة ذاته.
لكن واشنطن الجديدة اليوم تبحث عن صياغة معادلةٍ تتيح لها التخفف من الأعباء التقليدية لمظلة الحماية المكلفة مالياً وبشرياً، مع الحفاظ على قدرة الردع العليا عبر أدوات تكنولوجية مكثفة ومرنة،
بما في ذلك توسيع نطاق مجموعة الدول المستضيفة للقنابل النووية التكتيكية الموجّهة جوياً ضمن مناورةٍ استراتيجيةٍ تطمئن الحلفاء القلقين، وتأكيد استمرار الضمانة النووية الأمريكية.
يتقاطع هذا التوجه مع الرؤى المعاصرة لإعادة هيكلة القوة الاستراتيجية داخل المعسكر الغربي،
ومع أطروحات منظّرين من أمثال إلبريدج كولبي ضمن الفضاء الفكري لما يعرف بمشروع «الناتو 3.0»، الذي يقوم على فكرة محورية مفادها أن الحلفاء الإقليميين مطالبون بتحمل العبء الأكبر من مواجهة المخاطر التقليدية المباشرة،
فيما تحتفظ الولايات المتحدة بوظيفة الضامن النووي الأعلى، أي الملجأ الأخير في مواجهة احتمالات الفناء الشامل؛ ومن شأن هذه الصيغة أن تضع الدول الأوروبية أمام إلزامية تاريخية لتطوير ترساناتها التقليدية الذاتية بسرعة وانضباط مؤسسيٍ يوازي حجم التحول.
جغرافيا الرعب: توسيع الشراكة النووية
ارتبطت ترتيبات استضافة الطائرات المزدوجة القدرة والأسلحة النووية التكتيكية داخل أوروبا، تاريخياً، بدائرة محدودة من الدول التي مثّلت العمود الفقري للمشاركة النووية الأطلسية، ومن بينها بريطانيا وبلجيكا وتركيا وإيطاليا وألمانيا وهولندا،
وهي ترتيباتٌ تعود في جذورها إلى ذروة الحرب الباردة، وتخضع في بنيتها التشغيلية والقرارية لقرار أمريكي صارم تجعل السلاح موجوداً على الأرض الأوروبية، ومشدوداً في اللحظة الحاسمة إلى توجه سياسي صادر من خارجها.
تلوح في الأفق اليوم رغبةٌ متزايدةٌ لدى دول خطوط المواجهة الأمامية مع روسيا، وفي مقدمتها بولندا ودول البلطيق، في الاقتراب من هذا النادي النووي المصغّر، وهو اندفاعٌ يعكس حالة من الهلع الوجودي المتراكم لدى الأنظمة السياسية في شرق القارة،
حيث تتحول الذاكرة التاريخية للغزو والاحتلال والابتلاع الجغرافي إلى قوة سياسية ضاغطةٍ على الحكومات، وإلى حجة شعبية تسند خيار التسلح الاستثنائي بوصفه تعويضاً عن هشاشة الجغرافيا.
تتميز هذه الأسلحة التكتيكية، المخزّنة بعناية فائقة داخل قواعد محمية، بأنها مصممةٌ للاستخدام الميداني المباشر في ساحات المعارك، وتختلف في وظيفتها وحجمها ورسالتها عن الصواريخ الاستراتيجية العابرة للقارات القادرة على محو مدن كاملة من خرائط الحياة؛
وهنا تكمن المعضلة الفلسفية الأخطر،
إذ إن خفض عتبة الاستخدام النووي يجعل الحرب النووية المحدودة خياراً قابلاً للتفكير، وموضوعاً لخطط العمليات، وسيناريو يدخل غرف النقاش العسكري بوصفه احتمالاً قابلاً للإدارة،
فتتحول أوروبا، بفعل هذه الاستراتيجية، إلى حقل اختبار محتمل لصراعات القوى العظمى، وتغدو أراضيها خط الدفاع الأول وخط الانفجار الأول في اللحظة نفسها.
النزعات المتطرفة وبدائل الاستقلال الذاتي
يتجلى المأزق الأوروبي الراهن في صعود تيارين متطرفين يتنازعان الوعي الجمعي للقارة؛ يتبنى التيار الأول نزعة قومية انعزالية تدعو إلى التحلل الكامل من الالتزامات الدولية، والانكفاء وراء الحدود الوطنية الضيقة، والتعامل مع الأمن بوصفه شأناً داخلياً قابلاً للضبط المحلي،
متجاهلاً طبيعة التهديدات العابرة للحدود، وتشابك الطاقة والتكنولوجيا والهجرة والحروب السيبرانية وسلاسل الإمداد في بنية الأمن المعاصر؛
أما التيار الثاني فيدفع نحو نزعةٍ عسكريةٍ راديكاليةٍ تسعى إلى تحويل أوروبا إلى قلعة مدججة بالسلاح النووي، ضمن سباق تسلح قادر على ابتلاع المكتسبات التنموية والحقوقية التي منحت النموذج الأوروبي فرادته خلال عقود طويلة.
وسط هذا التباين، تابعنا عبر الشاشات محاولاتٌ فرنسيةٌ جادةٌ لصياغة بديلٍ استراتيجيٍ أوروبيٍ خالص، يقودها الرئيس إيمانويل ماكرون خلال محادثاتٍ مع قادة ألمانيا والسويد وبولندا تناولت إمكان توسيع الدور الردعي الفرنسي،
وبحث صيغٍ جديدةٍ لنشر أو تقاسم قدراتٍ نوويةٍ تكتيكيةٍ فرنسية الصنع على أراضي الحلفاء الأوروبيين، في خطوة جريئة تمثل تحوّلاً راديكالياً في العقيدة العسكرية الفرنسية التقليدية، التي قامت تاريخياً على حصر الردع ضمن نطاق الدفاع عن الأمن القومي الفرنسي،
لتبادر إلى تقديم نفسها مركزَ ثقل مستقبلياً لمظلة أمنية أوروبية بديلة، وقوة قادرة على تحويل الاستقلال الاستراتيجي من شعار سياسيٍ أنيق إلى بنية دفاعية قابلة للاختبار.
عن الليبرالية الدفاعية المستهلكة
أثبتت الأحداث المتلاحقة تهافت الأطروحات الليبرالية الساذجة التي سادت في المرحلة اللاحقة لسقوط جدار برلين، حين بشّرت النخب الأوروبية بنهاية التاريخ،
وجرى اختزال العلاقات الدولية في شبكات التجارة الحرة، والاعتماد المتبادل، والقوانين الدولية، والرهان على أن كثافة المصالح الاقتصادية المشتركة قادرةٌ على تهذيب الغرائز الإمبراطورية للدول الكبرى؛
ويُظهر الواقع كما نتابعه يومياً عبر نشرات الأخبار من جهات العالم الأربع أن القوة المحض تظل الصك الحاسم في بورصة السياسة العالمية،
بينما تبدو الخطابات التلفزيونية والتصريحات السياسية المكررة حول «القيم المشتركة» و»المجتمع الدولي» أشبه بأدوات تخديرٍ رمزيٍ تفقد فعاليتها عند أول اختبارٍ ميدانيٍ جاد.
أوروبا: اليوم التالي
تؤكد التصريحات الأخيرة للأمين العام لحلف شمال الأطلسي، «مارك روته»، ثبات مفهوم الردع العام داخل الخطاب الرسمي للحلف، مع الاعتراف الضمني بالتحول الأمريكي نحو جبهاتٍ أخرى،
وفي هذا التدوير الذكي للمفاهيم تقف أوروبا أمام المرآة مباشرةً، إذ إن المظلة النووية الموسعة التي تعرضها واشنطن كبديلٍ عن قواتها التقليدية قد تمنح القارة حماية من الاجتياح الشامل، لكنها تجعلها،
في الوقت ذاته، رهينة دائمة للحسابات الأمريكية العليا، ومسرحاً محتملاً لتوازنات تدار من خارج المجال السياسي الأوروبي.
يبقى الخيار الحقيقي لأوروبا كامناً في قدرتها على تحويل هذه الأزمة الوجودية إلى فرصة تاريخية لبناء قطب استراتيجيٍ مستقل، يمتلك القدرة على حماية نفسه، وصوغ شروطه، وفرض حضوره على مسرح التاريخ الحديث؛
فالعالم الجديد الشجاع الذي يتشكل أمام أعيننا يحتاج من أوروبا – إن هي أرادت أن تبقى ذات صلة – إلى خيال سياسي أوسع من إدارة الخوف، وإلى شجاعة تتجاوز الحنين إلى أزمنة الحماية المستوردة.
ندى حطيط
إعلامية وكاتبة لبنانية