Logo

أهمية الوحدة اليمنية لليمن والإقليم

 لا يمكن لأي يمني ينبض قلبه بحب هذا الوطن الكبير أن يجد مصدرًا للفخر الحقيقي إلا في منجزين تاريخيين عظيمين: قيام النظام الجمهوري، وتحقيق الوحدة اليمنية. فالحركات الثورية المتعاقبة في شمال اليمن منذ أربعينيات القرن الماضي، وحركة التحرر الفدائية في جنوبه، لم تكونا سوى مسارين لنهر وطني واحد صب في اتجاه تحقيق هذين المنجزين؛ إذ إن الجمهورية والوحدة يكمل أحدهما الآخر، وضياع أحدهما يعني بالضرورة ضياع الثاني، وهو ما نشهده ونكابده اليوم في واقع اليمن الممزق.

لا يمكن إنكار الصعوبات والتعقيدات والتضحيات الجسام التي رافقت قيام الجمهورية اليمنية الموحدة في الثاني والعشرين من مايو 1990. لكن الآباء المؤسسين الذين صنعوا هذا الحدث التاريخي قدموا تنازلات كبرى من أجل فكرة "اليمن الكبير"، ومضوا إلى الخلود تاركين للأجيال اللاحقة اختبارًا وجوديًا حقيقيًا: إما الحفاظ على إرثهم الوطني، أو التفريط به وترك اليمن نهبًا للتشظي والانقسام.

ولسوء الحظ، تعاقبت بعدهم قوى وجماعات جاءت لتقويض كل شيء، متدثرة بشعارات متعددة، لكنها أثبتت في النهاية أنها لا تتنازع على اليمن الكبير إلا من أجل سلطة ضيقة ومصالح محدودة لا تتسع إلا لأصحابها. وهكذا تحول المشروع الوطني الجامع إلى ساحة صراع بين مشاريع صغيرة متناحرة، تتغذى على الانقسامات المناطقية والأيديولوجية.

لقد قامت الوحدة اليمنية على التفاهمات والتنازلات المتبادلة، لا على منطق الغلبة المجردة. وإذا كانت القوة قد فرضت نفسها في بعض اللحظات التاريخية الاستثنائية، فإن ما نشهده اليوم من تعدد الميليشيات شمالًا وجنوبًا هو تعبير عن انهيار فكرة الدولة نفسها، واستبدالها بمنطق القوة العارية وقهر إرادة المجتمع المنهك.

إن التصلب الراهن في مواقف قطاعات من أبناء المحافظات الجنوبية لم يتبلور بهذا الشكل إلا في ظل هيمنة جماعة الحوثي على شمال اليمن ومصادرتها للدولة والجمهورية. وفي المقابل، لم يعد لدى كثير من أبناء المحافظات الشمالية ما يلتفون حوله سوى فكرة الوحدة باعتبارها الرمزية الوطنية الأخيرة، في وقت بات فيه النظام الجمهوري ـ بوصفه بوابتها الأساسية ـ يمر في أكثر مراحله هشاشة وانكسارًا.

وحين ننظر اليوم إلى رحيل المؤسسين الكبار، وإلى الجنائز التي تودع رموز الجمهورية والوحدة كل يوم، نشعر وكأن اليمن نفسه يسير نحو مشهده الأخير. يخالجنا شعور بالغصة ونحن نقول في دواخلنا: "تمهلوا قليلًا… كأنكم تسبقوننا إلى نعش اليمن الكبير".

إن إنقاذ اليمن والمنطقة يقتضي العودة إلى روح التنازلات الوطنية الكبرى، وإدراك أن تفتيت اليمن لن يورث سوى كيانات هشة وكانتونات متناحرة تهدد الاستقرار الإقليمي وأمن الملاحة الدولية. فاليمن الموحد ليس مجرد شعار عاطفي، بل ضرورة سياسية وجيوسياسية وأمنية.

لقد مثّلت الوحدة اليمنية إحدى الثمار القليلة التي تحققت من المشروع القومي العربي ودعوات العروبة الحديثة. كما أنها جاءت تتويجًا لمسار نضالي مشترك خاضه أبناء الشمال والجنوب معًا، بدءًا من ثورة السادس والعشرين من سبتمبر في الشمال، ووصولًا إلى الاستقلال في الجنوب.

وبقيام الوحدة، وترسيم الحدود مع السعودية وسلطنة عمان، استطاع اليمن أن يرسم شخصيته القانونية والسياسية والجغرافية بشكل واضح ومستقر، وأن ينتقل من حالة الصراعات الحدودية المزمنة إلى مرحلة أكثر استقرارًا في علاقاته الإقليمية. فقد شهدت مرحلة ما قبل الوحدة مواجهات حدودية متكررة بين جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وكل من السعودية وعمان، قبل أن تُغلق هذه الملفات تدريجيًا في إطار الدولة اليمنية الموحدة.

كما منحت الوحدة اليمنَ وزنًا جيوسياسيًا كبيرًا؛ فالدولة الموحدة تمتلك سواحل طويلة تمتد على البحر الأحمر غربًا وخليج عدن والبحر العربي جنوبًا وشرقًا، فضلًا عن ثقل ديمغرافي يقترب اليوم من أربعين مليون نسمة، يشكل عنصر قوة استراتيجيًا في محيط إقليمي شديد الحساسية.

وقبل الوحدة، كانت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ترتبط أيديولوجيًا بالمعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفييتي حتى عام 1990، بعد تاريخ طويل من السيطرة البريطانية على السلطنات والمشيخات الجنوبية.

كما أن مركز الثقل السياسي للحركة الجنوبية تركز تاريخيًا في مناطق الضالع ويافع وأبين، بينما ظلت محافظات الشرق، كحضرموت والمهرة وأجزاء من شبوة، أقل اندماجًا في الهوية السياسية الجنوبية التي صاغها الحزب الاشتراكي خلال مراحله، وهو ما انعكس لاحقًا على التباينات الداخلية في المواقف من مشاريع الانفصال منذ عام 2007 وحتى اليوم.

إن اليمن الكبير، بتنوعه الثقافي والجغرافي والديمغرافي، يشكل عامل توازن يمنع احتكار السلطة والثروة من قبل جغرافيا أو جماعة بعينها، ويخلق تكاملًا طبيعيًا بين موارده المختلفة: الثروة النفطية والغازية شرقًا، الموانئ والمنافذ البحرية جنوبًا وغربًا، و الكثافة السكانية والأسواق شمالًا ووسطًا.

أما اليمن المجزأ، فإنه يعني عمليًا أن كل كيان سيعاني نقصًا قاتلًا، وسيؤدي إلى تعدد السلطات المسلحة، واتساع التهديدات الأمنية، وخلق بيئة دائمة لعدم الاستقرار والتدخلات الخارجية.

والأخطر من ذلك أن الانفصال يعني ـ بصورة غير مباشرة ـ شرعنة سلطة الحوثي في الشمال، وتحويل الجنوب إلى كيان هش محدود الشرعية والقدرة. وهذا النموذج قد يقود إلى وضع مشابه لبعض الكيانات غير المعترف بها دوليًا، والتي تتحول مع الوقت إلى ساحات للتوظيف الإقليمي والدولي والصراعات الجيوسياسية.

إن الحفاظ على وحدة اليمن وسيادته وشرعيته القانونية ليس مجرد موقف سياسي، بل هو موقف أخلاقي يعزز مبادئ النظام الدولي الرافض لتفكيك الدول وإنتاج الكيانات الهشة التي تتحول لاحقًا إلى عبء أمني وإنساني على المجتمع الدولي.

كما أن الحفاظ على وحدة اليمن وشرعية دولته يرسخ البعد القانوني والأخلاقي للتحالف العربي بقيادة السعودية، الذي تدخل دعمًا للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا. فموقف الرياض من تمرد الحوثيين، وكذلك رفضها لمشاريع التشطير والانفصال، يعكس ـ من منظورها ـ التزامًا بمبدأ حماية الدولة الوطنية ووحدة أراضيها، استنادًا إلى حق الدفاع عن النفس وطلب المساعدة وفق أحكام ميثاق الأمم المتحدة.

في النهاية، تبقى الوحدة اليمنية، رغم كل ما أصابها من تشوهات وأزمات، آخر فكرة كبرى قادرة على إنقاذ اليمن من التحول إلى جغرافيا مفتوحة للحروب الأهلية والتدخلات الخارجية. فإصلاح الوحدة يظل أقل كلفة بكثير من دفن اليمن إلى الأبد.

✍️  د. عمر منصر
         كاتب وباحث يمني