في يوم 22 مايو 1990 اختار اليمنيون أن يعودوا كما كانوا شعباً واحداً
لم يكن ما حدث في ذلك اليوم الأغر، يوم 22 مايو 1990م، مجرد توقيع على وثيقة بين دولتين، وإنما كان، بشهادة العالم، إعلاناً تاريخياً أكد أن اليمنيين، بعد قرون من التجزئة والحدود المصطنعة، قرروا بأنفسهم وبإرادتهم أن يعودوا إلى أصلهم الواحد.
وليس هناك من يجهل أن الوحدة كانت ثمرة نضال طويل بواحدية الثورة اليمنية، بدأ بثورة 26 سبتمبر 1962 في الشمال، و14 أكتوبر 1963 في الجنوب، نضالٌ قام على حلم واحد: يمن حر، موحد، يتساوى فيه مواطنوه في كل شيء.
لم تكن الوحدة هبة من حاكم، ولا مجرد صفقة سياسية عابرة، وإنما كانت إجابة الشعب اليمني كله، من أقصاه إلى أقصاه، على سؤال الهوية: من نحن؟
فكان الجواب أننا شعب يمني واحد، مهما اختلفت الإدارة وتباعدت العواصم، وكان فيها من القوة والتصميم ما جعلها تتغلب على كل الصعاب والتحديات الدولية والإقليمية والداخلية التي كانت تستهدف إحباط الإنسان اليمني في أن يحقق حلمه ويعيشه.
لذلك، فإن الاحتفاء بـ22 مايو ليس احتفاءً بتاريخ، بل احتفاءٌ باختيار وطني وجودي لليمنيين كلهم، ملبّياً لرغبتهم وتطلعاتهم، ولا يزال راهناً إلى اليوم، وسيظل بمشيئة وإرادة اليمنيين أنفسهم.
نعم، شابت المرحلة أخطاء لا يجوز نسيانها أو تجاهلها، ومرت البلاد بحرب 1994 وأزمات سياسية متلاحقة، لكن الخطأ في إدارة الوحدة لا يلغي شرعية الوحدة نفسها. فكما يقال: "فشل الدولة لا يعني فشل الفكرة."
ولا ينبغي أن تُستغل المظالم التي حدثت بعد 1994 لتبرير العودة إلى خيار التقسيم، فدعوات المجلس الانتقالي وبعض القوى المناطقية في الجنوب أو الشمال، وإن استند بعضها إلى شعور بالظلم، فإنها تفتقر إلى مشروع وطني جامع بديل. فالانفصال لا يعالج سوء الإدارة، بل يكرر تجربة التجزئة التي عاشها الجنوب، بالذات، قبل الوحدة، ويحول الخلافات إلى حدود جديدة، ويجعل المناطق ساحة للنفوذ الخارجي.
الحل العادل لا يكون بتفكيك الوطن، بل بإصلاح الدولة وبناء نظام اتحادي يضمن المشاركة والعدالة لكل اليمنيين، شمالاً وجنوباً.
وبالضرورة، فحين نتحدث عن الوحدة، لا بد أن نتذكر تلك الصعوبات والتحديات التي اعترضت مسيرتها، فقد قامت الوحدة ضد مشروع الإمامة الذي حكم شمال اليمن قروناً باسم الحق الإلهي، وزعم النسب لابنة النبي، عليه الصلاة والسلام.
كان نظاماً قائماً على التمييز الطبقي، حيث الناس طبقات: سادة وعامة. كما كان نظاماً يرى في التعليم خطراً، والحداثة بدعة، والتطلع لمواطنة يتساوى فيها الناس كلهم جريمة.
ثورة 26 سبتمبر 1962 لم تكن انقلاباً على فرد، بل كانت ثورة شعب على فكرة مرفوضة، لأنها فكرة غبية ومتخلفة، قوامها أن الحكم حق مكتسب بالدم لا بالكفاءة، وأن الشعب اليمني رعية للحكام لا مواطنون أحرار.
ما يحدث اليوم من إعادة إنتاج لهذا المشروع تحت مسمى "الولاية" و"الحق الإلهي" هو نكوص صريح عن مكتسبات الثورة والجمهورية، وجماعة انقلابية تريد فرض نفسها كسلطة فوق الدستور، وعنف بندقيتها فوق شرعية المؤسسات.
لا يمكن لدولة حديثة أن تقوم على تمييز بين مواطن ومواطن بسبب النسب، ولا يمكن لليمن أن يتقدم وهو يحمل على كتفه مشروعاً ثيوقراطياً يقوم على الظلم والطغيان ويلغي المساواة.
التجربة أثبتت أن الإمامة، بأي لبوس كانت، إنما تعني العزلة والجهل والظلم والطغيان والاستبداد. لذلك، فإن نقد مشروع الحوثيين اليوم ليس نقداً لمكون اجتماعي، بل نقد لفكرة رجعية متخلفة، لا أظن أن بيتاً من بيوت اليمن سلم من جور مؤاذاتها، وقد توفق الشعب حين حاول دفنها قبل ستة عقود.
ومن جانب آخر، ومن باب الإنصاف، نؤكد أن الوحدة السياسية لم يرافقها، من بعد عام 1994، عدالة إدارية واقتصادية، وأن المظالم تراكمت في الشمال والجنوب على السواء، غير أنها تحولت في الجنوب إلى غضب عارم تجسد في ظهور الحراك الجنوبي.
لكن، وبكل المقاييس، فالحل لا يكون بتكرار خطأ التقسيم، فالانفصال لا يعالج المظلمة، بل يضاعفها. الانفصال يقسم الوطن إلى كيانات ضعيفة هزيلة، يخلق حدوداً جديدة، ويصنع لاجئين جدداً، ويجعلنا جميعاً لقمة سائغة للتدخلات الخارجية الحاقدة على الكل.
وكلنا نتذكر أن التاريخ القريب للجنوب نفسه، قبل الوحدة، خاض صراعات دموية مرعبة بين فصائله، وانقسم على نفسه أكثر من مرة، فالمشكلة، إذاً، لم تكن في الوحدة، بل في غياب مشروع وطني جامع يدير التنوع ويحقق العدالة بين الناس دون تمييز.
ما يحز في النفس، أننا نحتفي بهذه الذكرى اليوم، ونحن كلنا، في شمال الوطن وجنوبه وشرقه وغربه وأوسطه، على خجل، لعجزنا الفاضح عن مواجهة الضيم، وعن افتقارنا للإرادة الجمعية الشعبية والرسمية الشجاعة في تحدي الطغاة المفسدين والمستبدين، ونعيش، في الوقت نفسه، العجز المذل في أن نكون أمة محترمة بين الأمم الأخرى التي يُنظر لها بإجلال، أمة قادرة على أن تتصدى، بعزيمة الرجال، لتمزيقها برهنها للحروب الأمريكية الإسرائيلية، وعبث الصهيونية بحاضرها ومستقبل أجيالها، طولاً وعرضاً، ومن الماء إلى الماء.
وفي الختام، ما علينا إلا أن نستقبل ذكرى 22 مايو ونحن على يقين أن الأوطان لا تُهزم ما دام في أبنائها نبضٌ حيّ.
لعلنا نعيش إلى أن تعود هذه الذكرى وقد زالت أوجاعنا، وغاب الظلم والطغيان والضيم من واقعنا، ونهض اليمنيون صفًا واحدًا لبناء دولتهم على أساس العدل والمساواة والشراكة.
حينها لن تكون الوحدة ذكرى نتحسر عليها، بل واقعًا نعيشه وفخرًا نورثه لأبنائنا.
وسنكون، بإذن الله، أمةً يحتذى بها، قادرة على صون هويتها، وحماية قرارها، وصناعة مستقبلها بعزيمة لا تلين.
وثقتنا في الله لا حدود لها.
✍️ د. عوض محمد يعيش
كاتب وباحث يمني