Logo

عن الخيار الأكثر اتساقا مع مصلحة اليمن

 أعتقد أن الدولة، في البلدان التي تمر بتحولات قاسية وحروب طويلة، لا تعود مفهوماً نظرياً يُقاس فقط بوجود المؤسسات أو النصوص الدستورية، بل تصبح قدرتها على أداء وظائفها الأساسية هي المعيار الأكثر دقة للحكم على بقائها أو تراجعها.

ولذلك تبدو بعض الإجراءات الإدارية والمالية، التي قد يراها البعض تفصيلاً عادياً في سياقات مستقرة، ذات دلالة عميقة في الحالة اليمنية الراهنة.

 فحين تتمكن السلطة في المناطق المحررة من إعادة انتظام صرف المرتبات، أو استعادة جزء من الانضباط المالي، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد عملية محاسبية، بل بإشارة سياسية ومعنوية إلى أن فكرة الدولة نفسها لا تزال تقاوم الانهيار الكامل، وتحاول أن تستعيد موقعها بوصفها الإطار الجامع للمجتمع، لا مجرد سلطة متنازع عليها وسط الفوضى والانقسام.

في الواقع يمكنني القول إن مؤسسات الدولة اليمنية خلال الأعوام الماضية عانت من إنهاك شديد بفعل الحرب والانقسام وتعقيدات الاقتصاد المنهك، 

حتى بدا، في أحيان كثيرة، أن الوظيفة العامة نفسها فقدت معناها التقليدي، وتحولت إلى عبء مؤجل لا تملك السلطة القدرة على التعامل معه بانتظام.

لذلك فإن بدء صرف مرتبات وحدات الجيش في المحافظات المحررة، بعد صرف مرتبات ألوية العمالقة ووحدات أخرى، إلى جانب انتظام نسبي لصرف مرتبات الوحدات المدنية، يمثل في تصوري تحولاً لا ينبغي النظر إليه بمعزل عن السياق العام. 

فالمسألة هنا لا تتعلق فقط بتدفق أموال أو تسوية التزامات مالية، بل بمحاولة لإعادة بناء الحد الأدنى من العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وهي علاقة تضررت بشدة خلال أعوام طويلة من التعثر والاختلال.

إضافة إلى ذلك، أرى أن أهمية هذه الخطوات تكمن في معناها الرمزي بقدر ما تكمن في أثرها العملي.

 فالدولة لا تُستعاد دفعة واحدة عبر الشعارات أو الخطب السياسية، وإنما عبر أفعال يومية متراكمة تعيد للناس شعورهم بأن ثمة مؤسسة لا تزال قادرة على العمل، ولو ضمن حدود ضيقة.

في الواقع إن انتظام المرتبات، حتى بصورة نسبية، يخلق في تصوري قدراً من الطمأنينة الاجتماعية، ويخفف من الإحساس العام بالانقطاع الكامل بين المجتمع والسلطة. 

وهذا الجانب تحديداً بالغ الأهمية، لأن أخطر ما تصنعه الحروب ليس الدمار المادي وحده، بل تفكيك الثقة بفكرة الدولة نفسها، وتحويل الناس تدريجاً إلى أفراد يعيشون خارج أي يقين مؤسسي مستقر.

كذلك من الخطأ اختزال هذه الجهود في بعدها الإداري فقط، لأن الأزمات المركبة تُدار غالباً بمنطق التراكم لا بمنطق القفزات الحادة. 

فالدول التي تخرج من مراحل الانهيار لا تستعيد توازنها عبر حلول سحرية أو قرارات مفاجئة، بل عبر عملية بطيئة ومعقدة من إعادة ترميم الوظائف الأساسية.
 
لذلك، فإن الحكم على أي سلطة في ظروف كهذه ينبغي أن ينطلق من قدرتها على التحرك داخل الممكن، لا من مقارنتها بنموذج مثالي منفصل عن الواقع. 

والحكومة اليمنية، مهما كانت الملاحظات على أدائها، تعمل ضمن بيئة شديدة التعقيد تتداخل فيها الأزمات الاقتصادية والعسكرية والسياسية، الأمر الذي يجعل أي تقدم، مهما بدا محدوداً، جزءاً من مسار واسع لإعادة بناء الاستقرار التدريجي.

النظر الإيجابي إلى هذه الخطوات لا يعني تجاهل أوجه القصور القائمة أو التقليل من حجم الاختلالات التي لا تزال تثقل الواقع اليمني.

 فالنقد الموضوعي يظل ضرورة لأي عملية تصحيح حقيقية، لكن الفرق كبير بين النقد الذي يهدف إلى تحسين الأداء، والخطاب الذي يتحول إلى عملية هدم مستمرة لا ترى في الواقع سوى صورته الأكثر قتامة.

 ذلك أن المجتمعات الخارجة من الحروب تحتاج إلى قدر من التوازن في الوعي العام، توازناً يسمح برؤية الإخفاقات بوضوح، من دون إنكار أي تطور إيجابي مهما كان جزئياً. 

لأن تحويل كل محاولة إصلاح إلى مادة للسخرية أو التقويض لا ينتج إصلاحاً، بل يوسع فقط من دائرة العجز الجماعي وفقدان الثقة.

لذلك تبدو مسألة دعم السلطات المحلية والحكومية، في هذا السياق المشار إليه أعلاه، مرتبطة بفكرة الدولة ذاتها أكثر من ارتباطها بالأشخاص أو الحكومات المتعاقبة. 

فالدولة لا يمكن أن تستعيد حضورها إذا جرى التعامل مع كل مؤسسة قائمة بوصفها عدواً يجب إسقاطه أو إضعافه باستمرار.

لاحظوا معي من فضلكم إن منطق البناء يختلف جذرياً عن منطق الغضب السياسي اللحظي، لأنه ينطلق من إدراك أن الحفاظ على الحد الأدنى من فاعلية المؤسسات يمثل ضرورة وجودية للمجتمع كله.

لذلك، فإن تعزيز قدرة السلطات على القيام بوظائفها، حتى مع استمرار النقد والمساءلة، يبدو أكثر انسجاماً مع فكرة الاستقرار من الانزلاق نحو خطاب عدمي لا يقدم بديلاً قابلاً للحياة.

لاحظوا أيضاً أن الدولة في لحظات الانقسام الحاد تصبح شبيهة ببنية تحاول مقاومة التفكك من الداخل، لا عبر القوة المجردة فقط، بل عبر استمرار الوظيفة. 

فالمواطن لا يشعر بوجود الدولة من خلال الخطاب السياسي وحده، وإنما من خلال قدرتها على الوفاء بالتزاماتها اليومية، مهما كانت بسيطة.

وعليه، فإن انتظام المرتبات وتحسين الإدارة المالية واستعادة جزء من الانضباط المؤسسي، ليست مسائل هامشية كما قد تبدو للبعض، بل عناصر أساسية في إعادة إنتاج فكرة الشرعية العملية.

 فالشرعية لا تُبنى فقط عبر النصوص والقرارات، وإنما عبر القدرة على تحويل السلطة إلى أثر ملموس في حياة الناس.

ولعل ما يمنح هذه الخطوات أهميتها أيضاً هو أنها تأتي في سياق إقليمي ودولي بالغ الحساسية، حيث أصبحت قدرة الدول على الحفاظ على تماسكها الداخلي جزءاً من معادلات الأمن والاستقرار الأوسع.

واليمن، بحكم موقعه وتعقيداته، لا يملك إهدار أي فرصة لتعزيز مؤسسات الدولة أو تحسين الأداء الإداري والمالي. لأن استمرار الانهيار لا يخلق فراغاً محلياً فقط، بل يفتح المجال أمام مزيد من التشظي والفوضى والتدخلات.

ومن ثم فإن أي جهد يسهم في تثبيت الوظيفة العامة وتحسين قدرة المؤسسات على العمل، يكتسب بعداً استراتيجياً يتجاوز أثره المباشر والآني.

ومع ذلك فإن ما يتحقق اليوم قد لا يبدو كافياً إذا ما قورن بحجم التحديات الهائلة التي تواجه اليمن، لكن قراءة التحولات الكبرى لا تتم دائماً بمنطق النتائج الفورية.

 فالدول تُبنى أحياناً من خلال خطوات صغيرة تتراكم بصمت حتى تتحول مع الوقت إلى واقع أكثر رسوخاً.

وما تحتاجه المرحلة الحالية ليس الإفراط في التفاؤل ولا الاستسلام للتشاؤم، بل قدر من العقلانية التي تدرك أن الاستقرار عملية طويلة ومعقدة، وأن الحفاظ على ما تبقى من مؤسسات الدولة، ودفعها نحو مزيد من الفاعلية، يظل في تقديري خياراً أكثر اتساقاً مع مصلحة اليمن من إعادة إنتاج الفوضى أو الارتهان لخطابات الهدم المستمر. 

فالأوطان لا تنهض دفعة واحدة، لكنها أيضاً لا تنهار فجأة، بل تتشكل مصائرها عبر ما يُبنى أو يُهدم كل يوم ولو بدا ذلك صغيراً في لحظته الراهنة.

سامي الكاف
 صحافي وكاتب يمني