Logo

رسالة إلى الوحدة في عيدها السادس والثلاثين

 في عيدها السادس والثلاثين، تبدو الوحدة اليمنية أقل حاجة إلى الاحتفاء وأكثر حاجة إلى إعادة تعريف موقعها في مستقبل اليمن. 

فهي ليست مناسبة عابرة في الذاكرة السياسية، ولا شعاراً يصلح لتغطية أخطاء السلطة، بل المكسب الاستراتيجي الأكبر الذي امتلكه اليمنيون في تاريخهم المعاصر.

 قيمتها لا تأتي من أنها أنجزت دولة كاملة فور إعلانها، بل من أنها منحت اليمنيين إطاراً سيادياً أوسع: سكاناً أكثر، وسوقاً أكبر، وموقعاً بحرياً موحداً، ووزناً سياسياً لا يمكن لأي كيان صغير أن يملكه منفرداً.

التفريط بهذا المكسب في زمن الميليشيات والوصايات ليس حلاً لمشكلات اليمن، بل مضاعفة لها.

 فالكيانات الصغيرة، حين تنشأ في بيئة سلاح وانقسام وارتهان للخارج، لا تتحول غالباً إلى دول مستقلة بالمعنى الحقيقي، بل إلى مناطق نفوذ تتنازع الموانئ والموارد والاعتراف والحدود. 

لذلك، فإن السؤال الجاد ليس: هل كانت الوحدة خطأ؟ بل: لماذا لم تتحول الوحدة إلى دولة عادلة؟ وكيف يمكن إصلاحها بحيث تصبح إطاراً للمواطنة لا غطاءً للمركزية والغلبة؟

لم تكن الوحدة خطأ اليمنيين؛ كانت الفرصة التي عجزت السلطة عن تحويلها إلى دولة. قبلها كان اليمن موزعاً بين دولتين محدودتي القدرة: 

شمال هش الدولة، مثقل بصراعات المركز والأطراف؛ وجنوب أنهكته تجربة حزبية صارمة وصراعات داخلية دامية. 

جاءت الوحدة لتفتح إمكاناً مختلفاً: مجالاً وطنياً أوسع، وقدرة أكبر على تمثيل مصالح اليمنيين في محيط عربي وإقليمي لا يعترف إلا بالقوة المنظمة.

لكن هذا الإمكان لم يُحمَ بمؤسسات كافية. جرى التعامل مع الوحدة كحدث سياسي مكتمل، لا كمشروع طويل لبناء دولة. 

ومن هنا بدأ الانحراف: مركزية متغطرسة، دولة غنيمة، اقتصاد ولاء، ومؤسسات تعامل المواطن بوصفه تابعاً لجماعة أو منطقة أو حزب، لا بوصفه صاحب حق. 

من يهاجم الوحدة بسبب أخطاء السلطة يخلط بين الأصل والانحراف، ومن يدافع عنها بتبرئة المركز القديم يسيء إليها من حيث يريد حمايتها.

اليمن لم يفشل لأنه توحّد. فشل لأن الوحدة لم تتحول إلى دولة مواطنين.

حرب 1994 لا تصلح أن تكون قاموساً للكراهية بين اليمنيين. 

لم تكن شمالاً صافياً ضد جنوب صافٍ، بل حرب سلطة داخل مشروع وحدة هش، شاركت فيها قوى من الشمال والجنوب، وعارضتها قوى من الشمال والجنوب. 

تحويلها إلى ثأر جغرافي يزوّر التاريخ، ويبرئ شبكات مصالح استفادت من كل الجهات، ويظلم يمنيين رفضوا الغلبة أياً كانت مناطقهم.

ثم إن معظم الفاعلين الذين صنعوا حرب 1994، أو استثمروا نتائجها، أو بنوا سردياتهم عليها، غادروا مركز المشهد السياسي أو تراجعت قدرتهم على تمثيل المستقبل.

 لم يعد من المعقول أن يبقى اليمن أسيراً لمعركة يدفع ثمنها جيل لم يقررها. المطلوب ليس محو الذاكرة، بل إخراجها من وظيفة التعبئة والثأر إلى وظيفة التصحيح والإنصاف. 

تُعاد الحقوق لأصحابها، وتُراجع ملفات الأراضي والوظائف والتمثيل، وتُحاسب شبكات المصالح، ثم يُفتح أفق جديد لا تصنعه نخب الحرب القديمة ولا ورثتها.

ولهذا يحتاج اليمن إلى نخب جديدة تعيد لفكرة الوحدة جوهرها ومعناها.

 نخب لا ترى الوحدة غطاءً للمركزية، ولا ترى الجنوب بوابة للانفصال، ولا ترى الشمال قدراً حوثياً، ولا تتعامل مع الدولة كغنيمة. فالنماذج الإقصائية التي صعدت بعد انهيار الدولة أثبتت عجزها: 

الحوثي قدّم نموذجاً لسلطة مسلحة مغلقة تبتلع الجمهورية باسم الجماعة، والمجلس الانتقالي قدّم نموذجاً لهوية سياسية تضيق حين تحاول احتكار الجنوب وتمثيله. 

كلاهما، وإن اختلفت الخلفية والأدوات، يعبّر عن أزمة واحدة: مشروع سلطة يسبق مشروع الدولة.

ولا يجوز، في المقابل، دفن اختلالات ما بعد 1994 تحت شعار الوحدة. 

فقد تركت تلك المرحلة ملفات حقيقية: أراضٍ، وظائف، تمثيل، موارد، مركزية مالية، وتعامل أمني مع احتجاجات لاحقة. 

غير أن هذه الملفات لا تُسلّم للخطاب الانفصالي، ولا تُدفن في خطاب وطني كسول. تُفتح بالأسماء والوقائع والحقوق. 

الحق يعود إلى صاحبه، لا إلى الخطاب الذي يصرخ باسمه. 

وشبكات المصالح تُحاسب بوصفها شبكات مصالح، لا بوصفها جهة جغرافية.

والأهم أن الانفصال، في الحالة اليمنية، ليس طريقاً قانونياً سالكاً ولا مشروعاً سيادياً مضموناً. 

القانون الدولي لا يمنح جماعة سياسية داخل دولة قائمة حقاً تلقائياً في إقامة دولة منفصلة، والأمم المتحدة تقوم في جوهر نظامها على احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها. 

وحتى الحالات الاستثنائية في العالم لم تتحول إلى قاعدة عامة يمكن إسقاطها على اليمن. لذلك فإن الركض خلف الانفصال يشبه الركض خلف السراب: 

يستهلك الوقت والدم والموارد، لكنه لا يقدّم دولة معترفاً بها، ولا اقتصاداً مستقراً، ولا ضمانة لأمن الجنوب نفسه.

الجنوب ليس كتلة واحدة، كما أن الشمال ليس كتلة واحدة. عدن ليست حضرموت. حضرموت ليست المهرة. شبوة ليست الضالع. وسقطرى ليست تفصيلاً بحرياً في دفتر أحد. 

من يرفض مركزية صنعاء ثم يبني مركزية عدن يبدل عنوان الغلبة ولا يهدمها. 

وكذلك فإن صنعاء ليست كل الشمال، والحوثية ليست قدراً شمالياً.

 لقد استولت الحوثية على شقوق الجمهورية القديمة، ثم حوّلتها إلى سلطة أيديولوجية مغلقة: جباية، تعبئة، سلاح، وتعطيل لمعنى الدولة.

لا يمكن إنقاذ الوحدة مع بقاء صنعاء خارج الدولة، ولا يمكن استعادة الدولة بالعودة إلى مركزية قديمة صنعت جزءاً من الخراب. كما لا يمكن بناء مستقبل اليمن بعقل الميليشيا أو الفصيل أو المنطقة.

 الماضي انتهى كصيغة حكم، والمستقبل يحتاج نخبة مختلفة: 

أقل ارتباطاً بثارات الحرب، وأكثر انحيازاً للدولة؛ أقل ارتهاناً للخارج، وأكثر ثقة بالداخل؛ أقل استخداماً للهويات، وأكثر قدرة على تحويل التنوع اليمني إلى عقد سياسي عادل.

المشكلة، في جوهرها، ليست في اليمنيين. اليمنيون لم يولدوا ضد الدولة. دُفعوا خارجها. حين لا تمنح الدولة المواطن حقه بالقانون، سيبحث عن شيخ. 

وحين لا تحميه المحكمة، سيبحث عن قائد. وحين لا تصله الوظيفة إلا بالولاء، سيتعلم لغة الولاء.

 وحين تأتي الدولة إلى قريته أو مدينته كجباية أو حملة أمنية أو وعد انتخابي مؤجل، لا كمدرسة ومستشفى وقاضٍ وشرطة محترمة، سيذهب الناس إلى الجماعة التي تمنحهم حماية، ولو كانت حماية ناقصة ومكلفة.

اليمنيون ليسوا مشكلة اليمن؛ المشكلة أن اليمن لم يُحكم كدولة مواطنين، بل كمساحة نفوذ تتناوب عليها مراكز القوة:

 مرة باسم الثورة، ومرة باسم الوحدة، ومرة باسم الشرعية، ومرة باسم الجنوب، ومرة باسم الجماعة. 

كل سلطة طلبت الطاعة قبل أن تمنح المواطنة. كل مركز أخذ من الأطراف أكثر مما أعطاها. كل فصيل تحدث باسم الناس ثم جعلهم رهائن لخطابه.

هنا تظهر قيمة الوحدة الحقيقية. فهي ليست علماً ونشيداً وحدوداً، بل الإطار الوحيد القادر، إذا أُصلح، على تحويل التنوع اليمني إلى قوة. 

اليمن بلد متعدد، وهذا ليس عيباً. فيه جبال وسواحل وصحارى وجزر، قبائل ومدن وموانئ وأقاليم، زراعة وتجارة وبحر وممرات. 

هذه الجغرافيا قاسية، بل ظالمة أحياناً في شروطها، لكنها تمنح الدولة المنظمة وزناً استثنائياً.

قدر اليمن أنه على بوابة الجزيرة العربية، عند باب المندب، بين البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب، قريباً من القرن الأفريقي، ومفتوحاً على مطامع الإقليم والعالم. 

هذه الجغرافيا لا تغفر للضعفاء؛ لكنها تمنح القوي المنظم مكانة لا تملكها دول أكثر هدوءاً وأقل أهمية. 

اليمن الموحّد يستطيع أن يكون دولة ممرات وموانئ وزراعة وموارد وبشر. أما اليمن المتشظي، فيتحول إلى ساحات انتظار: ميناء هنا، جماعة هناك، جزيرة تحت عين الخارج، ومحافظة تفاوض على بقائها.

في عالم يلتهم فيه الكبار الصغار، لا يجوز لليمنيين أن يتعاملوا مع الوحدة كترف سياسي. الخارج قد يمول، يضغط، يفاوض، يعاقب، يساوم؛ لكنه لا يبني وطناً بدلاً عن أهله.

 الداخل وحده هو الرهان الذي يصنع بلداً. والداخل يعني أن يقبل الحضرمي والتعزي والعدني والصنعاني والمأربي والصعدي والمهري والسقطري بأنهم لا يستطيعون إلغاء بعضهم. 

يعني أن التنوع لا يُحل بالقهر ولا بالانفصال، بل بالقانون، واللامركزية، وتوزيع الثروة، واحترام الخصوصيات داخل سيادة واحدة.

ليست التباينات اليمنية لعنة. دول أشد تنوعاً بقيت موحدة لأنها بنت مؤسسات تضبط الخلاف وتجعل التعايش أكثر ربحاً من الاحتراب. 

أما اليمن، فمشكلته أن السلطة تركت الخلاف بلا حكم رشيد، ثم استغربت حين لجأ الناس إلى الجماعة والمنطقة والسلاح. اليمنيون لا تنقصهم قابلية العيش المشترك؛ ينقصهم نظام سياسي يجعل الولاء للدولة أكثر جدوى من الولاء للجماعة.

الوحدة الجديدة ليست مركزاً يبتلع الأطراف. هي سيادة واحدة، وحكم محلي واسع، ومال عام تحت رقابة الناس. الدفاع، والخارجية، والعملة، والقضاء الدستوري، والمعايير الوطنية، تبقى في يد الدولة الواحدة. 

أما التعليم، والصحة، والأمن المدني، والأراضي، والاستثمار، والخدمات، ونصيب معتبر من الإيرادات، فيجب أن تكون قريبة من الناس وتحت رقابتهم. اللامركزية التي لا تغيّر يد المال والخدمة العامة والأمن المحلي ليست إصلاحاً؛ إنها ديكور فوق المركز القديم.

سيظهر صدق أي مشروع وحدوي عند المال: من يجمعه، ومن يراقبه، ومن يستفيد منه. النفط والغاز والموانئ والجمارك ليست ملكاً للعاصمة، ولا غنيمة للمحافظة المنتجة وحدها.

 الثروة العامة يجب أن تُدار بقانون واضح: حصة للمناطق المنتجة، وحصة لصندوق وطني يعالج فجوات التنمية، وحصة للخزينة العامة.

 كل رقم منشور. كل عقد قابل للمراجعة. كل ميناء تحت سلطة الدولة، لا تحت مزاج جماعة أو فصيل أو ممول.

المال يفضح التشظي قبل السياسة. حين يكون للبلد بنكان، وسعران، وجمارك متعددة، ورواتب بحسب منطقة السيطرة، فالوحدة لا تكون مهددة سياسياً فقط؛ تكون مهددة في خبز الناس وكرامتهم اليومية. 

المواطن لا يعيش داخل عبارة “الوحدة” أو “الاستقلال”. يعيش في سعر الخبز، ووثيقة السفر، ونقطة التفتيش، والمدرسة، والمستشفى، والقاضي الذي إما ينصفه أو يخاف من القائد.

يظل ملف السلاح هو الاختبار الحاسم لأي حديث عن الدولة. فلا معنى لدستور أو انتخابات أو شراكة سياسية ما دامت جماعات مسلحة تحتفظ بقوتها الخاصة خارج المؤسسة الوطنية. 

من يريد السياسة يدخلها بلا جيش. ومن يرفض السلاح الواحد لا يريد دولة؛ يريد اعترافاً رسمياً بمنطقة نفوذه. 

وهذا ينطبق على الحوثي كما ينطبق على أي تشكيل مناطقي أو حزبي أو قبلي في أي جهة من اليمن.

لا تبدأ استعادة الوحدة من منصة خطابية، بل من طريق مفتوح، وراتب منتظم، وميناء لا يُدار كرهينة، ونفط يدخل موازنة يعرفها الناس، وقضاء يعود إلى وظيفته، وجبايات تتوقف عند حدود القانون. 

طريق تعز، ميناء الحديدة وعدن، نفط مأرب وشبوة وحضرموت، أمن عدن، وضع المهرة وسقطرى، وعودة الدولة إلى صعدة وصنعاء؛ هذه ليست تفاصيل هامشية. هذه هي الوحدة حين تترجم إلى حياة يومية.

الجوع في اليمن ليس قدراً طبيعياً. إنه نتيجة سياسية: سلاح قبل القانون، ومال عام بلا مساءلة، وقرار وطني موزع بين عواصم وميليشيات وسلطات أمر واقع. 

حين ينهار جهاز الدولة، يتحول الخبز إلى ملف تفاوض، والراتب إلى ورقة ضغط، والميناء إلى رهينة، والمريض إلى شاهد على سلطة لا ترى المواطن إلا رقماً في نشرات الأزمة.

ولا يستطيع العرب عزل أمنهم عن بلد يطل على باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن. اليمن الموحّد ليس مصلحة يمنية فقط؛ هو ضرورة عربية. 

حين تغيب الدولة اليمنية، يتحول البحر إلى منصة ضغط، والموانئ إلى رهائن، والجزر إلى مطامع، والميليشيات إلى أدوات تفاوض في يد الآخرين. 

دعم وحدة يمنية عادلة ليس مجاملة لليمنيين؛ إنه دفاع عن الأمن القومي العربي من خاصرته البحرية والبرية.

معالجة أخطاء الوحدة لا تكون بتفكيك اليمن، بل بإعادة بناء الدولة التي أخفقت في إدارة الوحدة بعد 1990. 

لا يحتاج اليمن إلى تقليص حجمه السياسي والجغرافي، بل إلى دولة قادرة على إدارة هذا الحجم بعدالة وكفاءة.

 يحتاج أن يقول اليمنيون: لن نعود إلى مركزية تبتلع الأطراف، ولن نقبل انفصالاً يصنع مراكز قهر جديدة، ولن نسلّم صنعاء للحوثية، ولا عدن للفوضى، ولا حضرموت للقلق، ولا المهرة وسقطرى لمطامع الخارج، ولا تعز للحصار، ولا مأرب للابتزاز.

الوحدة اليمنية ليست خطأ التاريخ. الخطأ أن اليمنيين لم يُمنحوا بعد دولة تليق بها. والتفريط بها في زمن الميليشيات والوصايات ليس خلاصاً، بل تصغير لليمن في عالم لا يحترم الصغار. 

الدولة لا تُقاس بالرموز، بل بقدرتها على حماية الحقوق، واحتكار السلاح، وإدارة المال العام، وإنفاذ القانون على الجميع.

وفي عيدها السادس والثلاثين، لا تحتاج الوحدة إلى من يرفعها شعاراً ثم يتركها نهباً للمركزية والميليشيات والفساد. تحتاج إلى من ينقذ معناها: دولة عادلة، سيادة واحدة، حكم محلي واسع، ثروة مراقبة، وسلاح لا يعلو على الدستور.

عندها فقط يعرف المواطن في عدن وصنعاء وحضرموت وتعز ومأرب وصعدة والمهرة وسقطرى أن حقه لا يمر عبر بندقية، وأن المال العام لا يختفي باسم النصر، وأن القاضي لا يخاف القائد.

اليمن ليس ملكاً للمنتصرين ولا للمنفصلين ولا للميليشيات. إنه وطن لا ينجو إلا موحداً، عادلاً، وسيداً على قراره.

✍️ أ . أحمد الزرقة
     كاتب وباحث يمني