Logo

الوحدة اليمنية بين الحلم الوطني وإخفاقات الواقع

 قبل الحديث عن مستقبل الوحدة اليمنية التي أعلنت في الثاني والعشرين من مايو 1990م، وعن المسارات والإجراءات التي قادت إلى قيامها، لا بد من الإشارة إلى حقيقة اجتماعية وسياسية كانت ماثلة في الواقع آنذاك، 

وهي أن الشعب اليمني في شطري البلاد كان، في وجدانه الجمعي، أكثر وحدة وانسجاما من النظامين اللذين حكماه.

 فقد ظل اليمنيون، رغم اختلاف البنيتين السياسيتين وتباين المرجعيات الأيديولوجية، محتفظين بروابطهم الاجتماعية والثقافية والتاريخية، وبشعورهم العميق بالانتماء إلى كيان وطني واحد.

غير أن النظامين السابقين دخلا مشروع الوحدة مثقلين بإرث الحرب الباردة وصراعاتها، ومحملين بحسابات سياسية آنية وأجندات متباينة، جعلت كلا منهما ينظر إلى الوحدة بوصفها مكسبا سياسيا أو مخرجا اضطراريا من أزمات داخلية وخارجية.

 وقد أسهمت الموجة العاطفية الجارفة، التي صاحبت الحماس الشعبي والزخم الوحدوي غير المسبوق، في تسريع إعلان الوحدة الإندماجية دون استكمال الترتيبات الضرورية لبناء دولة قادرة على استيعاب التحولات الكبرى التي أفرزها الحدث.

لقد سبقت إعلان الوحدة، وأعقبته أيضا، سلسلة من الإجراءات المرتبكة وغير المدروسة بالقدر الكافي، إذ اتخذت خطوات مصيرية في غياب رؤية واقعية شاملة تأخذ بعين الاعتبار التعقيدات الجيوسياسية والخلفيات السوسيوثقافية لكلا المجتمعين. 

وكان يفترض أن تتم عملية الانتقال بصورة متدرجة وعقلانية، تسمح بتمرحل الخطوات، وتؤسس لبناء مؤسسي متين، يحقق قدرا من التوازن بين مقتضيات الوحدة السياسية وتطلعات القوى الاجتماعية والسياسية المختلفة.

إلا أن الاندفاع العاطفي، مقرونا بالاستعجال السياسي، قاد لاحقا إلى سلسلة من الإخفاقات والانتكاسات التي تفاقمت مع تصاعد النزعات الإقصائية والتعنت السياسي، 

وصولا إلى حرب صيف 1994م، التي مثلت لحظة فارقة أعادت طرح الأسئلة الجوهرية المتعلقة بطبيعة الوحدة ذاتها: هل كانت وحدة اندماجية حقيقية أم عملية ضم وإلحاق؟ وهل جرى بناء شراكة وطنية متوازنة، أم أعيد إنتاج مركزية الهيمنة بصورة جديدة؟

ومنذ تلك اللحظة برزت مصطلحات وقضايا مثل “القضية الجنوبية”، و”فك الارتباط”، و”إعادة بناء الوحدة”، بوصفها تعبيرا عن اختلالات عميقة لم تقرأ بجدية في حينها، رغم أن بعض القيادات السياسية كانت قد أبدت تحفظاتها مبكرا تجاه التسرع في اتخاذ خطوات مصيرية دون ضمانات كافية. 

وكان بالإمكان احتواء كثير من تلك التداعيات لو أخذت الهواجس المطروحة آنذاك بقدر أكبر من المسؤولية والواقعية السياسية.

ومن هنا يمكن القول إن الوحدة اليمنية، رغم مشروعيتها التاريخية والجغرافية والاجتماعية، قد أنجزت سياسيا بصورة نخبوية وارتجالية إلى حد بعيد، حتى وإن اتخذت شكلا رسميا ومؤسساتيا عبر الاتفاقيات والزيارات المتبادلة وعمليات الدمج الإداري والعسكري وتوحيد السياسات العامة. 

إذ إن معظم تلك الإجراءات ظلت أقرب إلى الترتيبات البروتوكولية منها إلى بناء مشروع وطني عميق قائم على أسس مدروسة ومستدامة.

ومع ذلك، تظل الوحدة في الوعي التاريخي اليمني هي الأصل، فيما يبقى التشظي والانفصال حالة استثنائية فرضتها ظروف الصراع والتحولات السياسية. 

غير أن الواقع الراهن، بما يحمله من انقسامات حادة وصراعات مسلحة وتدخلات إقليمية ودولية، وضع مستقبل الوحدة أمام احتمالات مفتوحة ومعقدة، تتراوح بين إعادة إنتاج الدولة الموحدة بصيغة جديدة، وبين الفدرلة أو التشظي أو حتى الانفصال.

وقد تعززت هذه المخاوف بفعل الحرب المستمرة، وما أفرزته من ثقافات متطرفة وخطابات أيديولوجية مغلقة تستند إلى سرديات ماضوية، وتتعامل مع الصراع بوصفه معركة وجودية مقدسة لا تقبل التسوية أو الاعتراف بالآخر.

 كما أن ارتباط القوى المتصارعة بأجندات إقليمية متباينة جعل من الأزمة اليمنية أكثر تعقيدا، وأسهم في إطالة أمد الحرب وتعميق الانقسام المجتمعي والسياسي.

وأمام هذا الانسداد التاريخي، يبدو أن الخيار الأكثر عقلانية وواقعية يتمثل في بناء نظام سياسي مدني حديث، منبثق من خصوصية الواقع اليمني لا من نماذج مفروضة أو مستنسخة، وقائم على الشراكة الوطنية والتعددية والعدالة السياسية، بما يسمح باستيعاب الجميع دون إقصاء أو احتكار.

وفي هذا السياق، يظل التساؤل قائما حول مخرجات الحوار الوطني الشامل: هل ما تزال تمثل الصيغة التوافقية القادرة على الحفاظ على الدولة والوحدة معا؟

 أم أن التحولات التي شهدتها البلاد خلال سنوات الحرب تستدعي مراجعة بعض مضامينها وآلياتها بما يتلاءم مع الواقع الجديد؟

إنها أسئلة مفتوحة يفرضها منطق السياسة، وتستدعي قراءة وطنية جادة لمستقبل اليمن، بعيدا عن الانفعالات والشعارات، وقريبا من ضرورات التاريخ ومقتضيات البقاء الوطني.

✍️ أ . أمين الجبر
     كاتب وباحث يمني