هل يوجد مشروع سياسي حقيقي في جنوب اليمن؟
أعتقد أن التحولات الجارية في جنوب اليمن يمكن قراءتها من زاوية لغوية قبل أن تكون سياسية، إذ إن اللغة ليست مجرد أداة تعبير، بل هي بنية كاشفة عن طبيعة الوعي الذي ينتجها.
لكن هذا الخطاب بدأ يتآكل مع تطور الأحداث، خصوصاً خلال محطات مفصلية كأحداث "حضرموت والمهرة" عندما حاول المجلس الانتقالي الجنوبي فرض أمر واقع بقوة السلاح، حيث اصطدمت الشعارات بالواقع، واختُبرت الادعاءات في سياق عملي. في تلك اللحظة
لم يعد بالإمكان الحفاظ على الصيغة اللغوية نفسها دون تعديل، لأن الواقع فرض تعقيداته، وكشف حدود الخطاب الأحادي.
وعليه بدأت تظهر ملامح التحول، ليس فقط في اللغة، بل في المواقف أيضاً، حيث تراجع استخدام المصطلحات الإقصائية لمصلحة خطاب أقل حدة، وإن لم يكن بالضرورة ناضجاً بالمعنى المكتمل.
هذا التحول لا يمكن فصله عن لحظة الهرب عبر البحر، التي مثلت نقطة انعطاف حادة، ليس فقط على مستوى قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي، بل على مستوى الوعي السياسي أيضاً.
إذ إن هذه اللحظة كشفت عن فجوة بين الخطاب والقدرة على الفعل، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة المشروع السياسي ذاته وما إذا كان يوجد فعلاً مشروع سياسي حقيقي في جنوب اليمن؟
لم يعد من الممكن في هذا السياق، المشار إليه أعلاه، الاستمرار في إنتاج خطاب يقيني مغلق، لأن الوقائع أظهرت أن اليقين المعلن لم يكن سوى بناءٍ هش، سرعان ما انهار تحت ضغط الواقع.
ومع ذلك، فإن التراجع عن بعض المصطلحات لا يعني بالضرورة التخلي عن المنطق الإقصائي الذي أنتجها، إذ لا يزال هناك إصرار على إعادة إنتاج "الصوت الواحد الذي لا يعلو فوق صوته صوت"، وإن بصيغ مختلفة،
وهو ما يعكس بتصوري استمرار أزمة في فهم طبيعة العمل السياسي. فالتعدد ليس تهديداً، بل هو شرط من شروط الفعل السياسي السليم، وأي محاولة لإلغائه لن تؤدي إلا إلى مزيد من الانقسام.
ومن ثم، فإن المشكلة لا تكمن في المصطلحات بحد ذاتها، بل في البنية الذهنية التي تنتجها.
وفي هذا السياق، لا يمكن الحديث عن تحالف حقيقي بين أطراف لا تمتلك الحد الأدنى من التكافؤ السيادي، أي بين مكونات سياسية ودول.
ولذلك، فإن إعادة النظر في هذا المفهوم ليست مجرد مسألة لغوية، بل هي ضرورة لفهم طبيعة العلاقات السياسية.
أما سياسة النبذ الاجتماعي، فهي في جوهرها تعبير عن عجز سياسي، لأنها تستبدل الحجة بالإقصاء، والنقاش بالإدانة.
هذه السياسة قد تنجح موقتاً في فرض نوع من الانضباط القسري، لكنها لا تستطيع بناء شرعية حقيقية، لأن الشرعية تقوم على القبول، لا على الخوف.
ومع مرور الوقت، تتآكل هذه الآليات، لأن المجتمع بطبيعته أكثر تعقيداً من أن يُختزل في خطاب أحادي، وأكثر مقاومة لمحاولات التوجيه القسري.
ولذلك أرى، وفق ما هو موضح أعلاه، أن المشهد السياسي في جنوب اليمن يبدو أكثر تعقيداً مما يتبدى على أرض الواقع أو يُختزل في ثنائية المكونات السياسية.
فهو لا يتكون فقط من أحزاب ومجالس، بل من شبكة واسعة من الشخصيات الاجتماعية والسياسية المستقلة، التي تلعب دوراً مؤثراً في تشكيل الوعي العام.
وهي بطبيعتها تمثل تنوعاً في الرؤية والموقف، وهو ما يجعل أي محاولة لفرض صوت واحد في هذا المشهد المعقد عبارةً عن تكرار لأخطاء الماضي.
وعليه تبرز أهمية أي جهد يسعى إلى إعادة الاعتبار لمنطق التوافق، لا بوصفه خياراً مثالياً، بل كضرورة عملية.
فالتوافق لا يعني غياب الخلاف، بل "إدارة هذا الخلاف" ضمن إطار يحفظ الحد الأدنى من الوحدة التي تحول دون نشوب صراع مسلح من جديد.
وفي هذا السياق، يكتسب مؤتمر الحوار الجنوبي - الجنوبي أهمية خاصة، لأنه يمثل محاولة لإعادة فتح المجال أمام تعددية حقيقية، بعد مرحلة من الانغلاق.
في الواقع لا يمكن النظر إلى هذا المؤتمر كإجراء سياسي تقني وحسب، بل كفعل تصحيحي يعيد ترتيب العلاقة بين الفاعلين السياسيين على أساس أكثر توازناً.
بعبارة أخرى أدق وأوضح: لا بد من السعي إلى كسر منطق الاحتكار، وإعادة الاعتبار للأصوات التي عانت الإقصاء والتهميش، بما يسهم في حماية القضية الجنوبية من الاختطاف.
إذ إن أي قضية تفقد تعدديتها، تفقد بالضرورة قدرتها على الاستمرار، لأنها تتحول إلى مشروع مغلق، لا يعبر إلا عن جزء من الواقع.
وفي هذا السياق، يكتسب الدور الذي تقوم به السعودية أهمية خاصة، ليس فقط من حيث الرعاية، بل من حيث "الفهم العميق لتعقيدات المشهد".
فالدعم السعودي لهذا المسار لا يبدو دعماً شكلياً، بل يعكس إدراكاً بأن استقرار جنوب اليمن لا يمكن تحقيقه عبر فرض طرف على آخر، بل من خلال خلق توازن يسمح بتعايش مشترك، ففي نهاية المطاف مشكلات جنوب اليمن جزء من مشكلات اليمن كله.
هذا الفهم العميق، المشار إليه أعلاه، يتجاوز المقاربة التقليدية التي ترى في التحالفات مجرد أدوات نفوذ، ليقترب من رؤية أكثر نضجاً تعتبر أن الاستقرار الإقليمي مرتبط بقدرة الفاعلين المحليين على إدارة خلافاتهم بأنفسهم.
ومن ثم، فإن الرعاية السعودية للحوار تمنحه بعداً إضافياً، لأنه يوفر ضمانات سياسية تسهم في بناء الثقة بين الأطراف كافة، وهو عنصر أساس في أي عملية توافقية.
في نهاية المطاف كمحصلة، فإن ما نشهده اليوم ليس مجرد تحول في الخطاب في جنوب اليمن، بل بداية إعادة تشكل في الوعي السياسي، وإن كان هذا التشكل لا يزال في مراحله الأولى.
فالتخلي عن بعض المصطلحات لا يكفي، ما لم يصاحبه تحول أعمق في طريقة التفكير.
والسياسة، في جوهرها، ليست صراعاً بين خير وشر، بل إدارة لمصالح متشابكة في واقع معقد. ومن لا يدرك هذه الحقيقة سواء في جنوب اليمن أو شماله، سيظل أسير خطاب ينهار مع أول اختبار حقيقي.
سامي الكاف
صحافي وكاتب يمني