Logo

النكبة الفلسطينية ... جرحٌ مفتوحٌ وحلم العودة لا يفارق الذاكرة

الرأي الثالث  

بين نكبة العام 1948 وحرب الإبادة على قطاع غزة ومآسي النزوح المتكررة بفعل انتهاكات جيش الاحتلال الإسرائيلي، يُحيي الفلسطينيون ذكرى النكبة، فيما تتجدد قناعاتهم بأن جوهر القضية لم يتغير، وسط استمرار لجوئهم وحرمانهم من حقّ العودة والعيش الآمن في وطنهم، وتواصل سياسات الاقتلاع والتشريد والتهجير.

يُحيي الفلسطينيون اليوم الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة الفلسطينية التي شهدها العام 1948 حين تعرّض مئات آلاف الفلسطينيين لعمليات تهجير قسري واسعة من مدنهم وقراهم الأصلية على أيدي العصابات الصهيونية، تزامناً مع قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي على أنقاض الأرض الفلسطينية. 

يعتبر الفلسطينيون ذكرى النكبة الحدث الأكثر تأثيراً في تاريخ الشعب الفلسطيني الحديث، إذ لم تكن النكبة مجرد حدث عابر ارتبط بتاريخ محدّد، بل تحوّلت إلى جرح مفتوح ما زال الفلسطينيون يعيشون تداعياته السياسية والإنسانية حتى اليوم، في ظل استمرار اللجوء والحرمان من حقّ العودة، وتواصل سياسات الاقتلاع والتشريد.

ويحمل إحياء ذكرى النكبة هذا العام أبعاداً أكثر قسوة وتعقيداً بالنسبة للفلسطينيين في قطاع غزة، في ظل حرب الإبادة الجماعية التي بدأتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما زالت الانتهاكات مستمرة رغم اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 10 أكتوبر 2025.

 وقد أعادت تلك الحرب إلى الواجهة مشاهد التهجير الجماعي والنزوح القسري، بصورة يعتبرها كثيرون امتداداً مباشراً لمشروع النكبة الأول. 

فكما هُجّرالفلسطينيون عنوةً قبل أكثر من سبعة عقود من قراهم ومدنهم، يجد مئات آلاف الغزيين أنفسهم اليوم مُجبرين على مغادرة منازلهم وأحيائهم تحت وطأة القصف وأوامر الإخلاء العسكرية التي تستهدف مربّعات سكنية كاملة، تمهيداً لتدميرها وتسويتها بالأرض.

ومنذ بداية الحرب، تحوّلت خرائط الإخلاء الإسرائيلية إلى مشهد يومي يلاحق سكان قطاع غزة، حيث صدرت أوامر متكرّرة بإخلاء مناطق واسعة في شمال القطاع وشرقه وجنوبه، ما سبّب موجات نزوح ضخمة ومتواصلة. 

لم تقتصر هذه الأوامر على نقل السكان من مكان إلى آخر، بل رافقها تدمير واسع للبنية السكنية والمرافق المدنية، الأمر الذي جعل العودة شبه مستحيلة إلى كثيرٍ من المناطق، حتى بعد انسحاب القوات العسكرية منها.
 
ويرى فلسطينيون أن ما يجري في غزة اليوم يُعيد إنتاج مفهوم النكبة بصورة جديدة، تقوم على تفريغ المناطق من سكانها ودفعهم نحو مساحات ضيقة ومكتظة تفتقر إلى أدنى مقوّمات الحياة، في محاولة لإعادة رسم الواقع الديمغرافي والجغرافي داخل القطاع، 

ومع استمرار العمليات العسكرية وغياب أي أفق واضح لعودة النازحين، تتعاظم المخاوف من تحوّل النزوح المؤقت إلى واقع طويل الأمد يُشبه إلى حد بعيد ما حدث للفلسطينيين عام 1948.
 
يقول اللاجئ الفلسطيني أبو محمد الصليبي (68 عاماً)، وهو من عائلة هُجّرت من بلدة دير سنيد المحتلة، إنّ النكبة لم تكن مجرد قصة سمعها من والده، بل تحوّلت إلى جزء من تفاصيل حياته اليومية. 

ويضيف أن والده كان يحدّثهم باستمرار عن البيوت الحجرية وأشجار التين والزيتون والسهول الزراعية التي اضطروا إلى تركها تحت وقع المجازر والخوف في العام 1948، معتقدين أن الغياب لن يطول سوى أيام قليلة، 

موضحاً أن العائلة احتفظت لسنوات طويلة بمفتاح المنزل القديم وأوراق الأرض، باعتبارها رمزاً لحقّ العودة الذي لم يسقط رغم مرور عقودٍ. 

ويشير الصليبي إلى أن مشاهد النزوح الحالية في غزة أعادت إلى ذاكرته روايات والده عن رحلة اللجوء الأولى، خصوصاً مع اضطراره إلى النزوح مرات عدّة خلال الحرب الحالية بعد تدمير منزله، 

مؤكداً أنّ الفلسطيني يعيش اليوم نكبة جديدة تتكرّر فيها مشاهد الطرد والخيام وفقدان الأمان، وهي المشاهد ذاتها التي عاشها الأجداد قبل أكثر من سبعين عاماً.

وتتجلى مخاوف الفلسطينيين بوضوح في المناطق الواقعة خلف ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، وهي المناطق التي لا تزال خاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية أو يُمنع الفلسطينيون من العودة إليها رغم نزوحهم منها منذ أشهر، 

ويشمل ذلك أجزاءً واسعة من المناطق الشرقية لقطاع غزة، إضافة إلى مساحات كبيرة في شمال القطاع ومدينة رفح جنوباً، حيث يواجه السكان صعوبات بالغة في الوصول إلى منازلهم أو تفقد ممتلكاتهم، بسبب استمرار التمركز العسكري وخطورة الأوضاع الميدانية.
 
أما الحاجة أم خالد رضوان (74 عاماً) فتقول إنّ جذور عائلتها تعود إلى قرية حمامة المحتلة القريبة من مدينة المجدل، وإنّها نشأت على قصص والدتها التي كانت تتحدث بحنين كبير عن القرية والبحر والآبار الواسعة التي كانت تملأ المكان. 

وتوضح أم خالد أنّ والدتها كانت تصف لهم تفاصيل الحياة اليومية في قرية حمامة، وكأنّها ما زالت تراها أمام عينيها، مؤكدةً أن حلم العودة بقي حاضراً في وجدان العائلة، جيلاً بعد جيل.

 وتضيف أن الحرب الحالية أعادت إحياء مشاعر الخوف والاقتلاع نفسها، بعدما اضطرّت إلى النزوح من منزلها في شمال قطاع غزة إلى خيمة مكتظة جنوباً، لتجد نفسها تعيش الظروف ذاتها التي عاشها أهلها خلال النكبة الأولى. 

وتقول إنّ أكثر ما يؤلمها أن الأطفال الفلسطينيين يكبرون اليوم وسط الخيام والنزوح، كما كبر آباؤهم وأجدادهم من قبل، مؤكدةً أنّ الاحتلال يواصل إنتاج المأساة نفسها، لكن بأدوات أكثر قسوة ودماراً.

وقد سبّب استمرار السيطرة الإسرائيلية على المناطق الواقعة خلف الخط الأصفر تكدُّسَ مئاتِ آلاف النازحين داخل مساحة جغرافية محدودة نسبياً تقع خارج مناطق التوغل العسكري، ما خلق واقعاً إنسانياً كارثياً يتمثل بالاكتظاظ الشديد ونقص الخدمات الأساسية وانهيار البنية الصحية والبيئية. 

وتحوّلت المدارس والخيام ومراكز الإيواء المؤقتة إلى ملاذات مكتظة لعائلات فقدت منازلها ومصادر رزقها، فيما بات كثير من النازحين يعيشون في ظروف قاسية تفتقر إلى المياه النظيفة والصرف الصحي والغذاء الكافي.

من جهته، يؤكد اللاجئ أحمد أبو ستة (61 عاماً)، المتحدّر من عائلة هُجّرت من بئر السبع، أنّ النكبة بالنسبة للفلسطينيين ليست ذكرى تاريخية فقط، بل واقع مستمر يتجدّد مع كل حرب وعدوان. 

ويقول إنّ والده ظلّ حتى وفاته يتحدّث عن أراضي بئر السبع وآبار المياه والحياة البسيطة التي فقدوها قسراً بعد التهجير، موضحاً أن العائلة كانت تؤمن دائماً بأنّ العودة ممكنة مهما طال الزمن.

 ويضيف أن ما يحدث اليوم في غزة من تدمير أحياء كاملة وإجبار السكان على النزوح المتكرّر أعاد إلى الأذهان تفاصيل التهجير الأول، خصوصاً مع اضطرار عشرات آلاف العائلات إلى العيش داخل خيامٍ أو مراكز إيواء تفتقرإلى أبسط مقوّمات الحياة. 

ويشير أبو ستة إلى أنّ الاحتلال يحاول كسر ارتباط الفلسطيني بأرضه عبر التهجير المستمر، إلا أن تمسك الفلسطينيين بحقّ العودة بقي حاضراً رغم كل ما تعرّضوا له من حروبٍ ونزوح وتشريد، وظلّت روايتهم التاريخية ماثلة.
 
لا تقتصر خطورة النزوح الحالي على البُعد الإنساني فقط، بل تمتد إلى أبعاد سياسية عميقة، إذ يرى مراقبون أن سياسات الإخلاء والتدمير الواسع قد تُسهم في فرض وقائع جديدة على الأرض، عبر تقليص المساحات القابلة للحياة داخل القطاع، وتحويل مناطق واسعة إلى مناطق مدمّرة أو عازلة يصعب إعادة إعمارها أو العودة إليها مستقبلاً.

 ويثير ذلك مخاوف فلسطينية متزايدة من أن تكون الحرب مدخلاً لإعادة تشكيل الجغرافيا السكانية في غزة، بصورةٍ تخدم أهدافاً سياسية وأمنية إسرائيلية بعيدة المدى.

وفي مقابل هذه المخاوف، يتمسك الفلسطينيون في غزة بربط حاضرهم بماضيهم، معتبرين أنّ النكبة لم تنتهِ عام 1948، بل استمرّت بأشكالٍ مختلفة عبر الحصار والحروب وسياسات التهجير والحرمان من الحقوق الأساسية.

 لذلك، لا يقتصر إحياء ذكرى النكبة اليوم على استذكار القرى المدمّرة ومفاتيح البيوت القديمة، بل بات يحمل أيضاً استحضاراً لصور الخيام، وأوامر الإخلاء، وقوافل النزوح التي تجوب شوارع القطاع، بحثاً عن مكان أكثر أمناً.

"نكبات جديدة"

ويقول الخبير والمحلل السياسي إبراهيم أبراش إنّ الفلسطينيين ظلّوا لعقود يتحدثون عن نكبة واحدة تتمثل في نكبة الشعب الفلسطيني عام 1948، 

معتبراً أنها جاءت نتيجة "هزيمة الجيوش العربية آنذاك، لكنها في جوهرها لم تكن حرباً بالمعنى الدقيق، بل مغامرة بالشعب الفلسطيني جرت بتنسيقٍ بين الأنظمة العربية السبعة القائمة في ذلك الوقت وبريطانيا، بهدف تسهيل إقامة دولة الاحتلال، وفق قرار التقسيم الصادر عام 1947".

ويوضح أبراش أن تطبيق قرار التقسيم لم يكن ممكناً في المناطق المخصّصة للدولة اليهودية، نظراً إلى وجود مئات آلاف الفلسطينيين الذين كانوا يعيشون في مدنهم وقراهم داخل تلك المناطق.

 لذلك، "كانت الحرب هي المخرج لتسهيل عملية التهجير"، وفق تعبيره. الأمر الذي أدى إلى تهجير ما بين 75 إلى 80% من الفلسطينيين إلى مناطق اللجوء والشتات خارج فلسطين.

 ويضيف أن الاهتمام الفلسطيني بعد النكبة، وحتى السنوات الأولى لانطلاق الثورة الفلسطينية، انصبّ بشكل أساسي على تداعيات نكبة 1948 وسبل مواجهتها،

 إلا أن الفلسطينيين تعرّضوا لاحقاً لـ"نكبات جديدة" غطّت على النكبة الأساسية، وفي مقدمتها الانقسام الفلسطيني الذي أدى إلى فصل الضفة الغربية عن قطاع غزة،

 إلى جانب "النكبة التي تسبّبت بها حرب الإبادة على فلسطين"، ما جعل الفلسطينيين منشغلين بأزماتهم المتلاحقة على حساب التذكير بالنكبة الأصلية.
 
ويشير أبراش، الخبير والمحلل السياسي، إلى أن إحياء ذكرى نكبة 1948 يمثّل تذكيراً بجذور الصراع في المنطقة، موضحاً أن هناك محاولات لتأريخ الصراع، انطلاقاً من حرب الإبادة على غزة أو من حرب عام 1967، 

بينما "النكبة الحقيقية وبداية الصراع كانت عام 1948"، مؤكداً أن إنهاء الصراع يتطلب معالجة ما جرى في ذلك العام، وإيجاد حلّ عادل للقضية الفلسطينية. 

ويشدّد أبراش على ضرورة استحضار النكبة الأساسية والعمل على إحيائها بمختلف الوسائل محلياً وإقليمياً ودولياً، بما يضمن تذكير العالم بالقضية الفلسطينية وعدالتها، وعدم السماح بتراجع حضورها في الوعي السياسي والإنساني العالمي.
 
ومع انطلاق فعاليات إحياء الفلسطينيين لذكرى النكبة، تعود إلى الواجهة مشاهد النزوح القاسية التي يعيشها أهالي قطاع غزة اليوم، حيث ينام الأطفال داخل الخيام المهترئة، فيما تحمل العائلات ما تبقى من مقتنياتها فوق عربات بدائية، متنقلةً بين مناطق النزوح، بحثاً عن الأمان. 

وفي الذاكرة الفلسطينية، تستحضر هذه الصور الروايات التي تناقلها الأجداد عن رحلة اللجوء الأولى عام 1948، حين اضطرّ مئات آلاف الفلسطينيين إلى مغادرة مدنهم وقراهم تحت وطأة الحرب والتهجير القسري.

وتتجدّد لدى الفلسطينيين اليوم قناعة بأن جوهر قضيتهم لم يتغيّر، وأن الصراع ما زال يدور حول الحقّ في الأرض والبيت والعودة، والعيش الآمن في وطنهم، من دون أيّ تهجير أو اقتلاع، فيما تبقى الذاكرة الجماعية حيّة تربط الماضي بالحاضر، وتحمل إصراراً متواصلاً على التمسك بالحقوق الوطنية والتاريخية.

علاء الحلو