Logo

الصحوة العربية في مواجهة «عض الأصابع» الإقليمي

 يمر الشرق الأوسط منذ مطلع مارس 2026 بمنعطف هو الأخطر في تاريخه الحديث؛ حيث تحول الإقليم إلى ساحة مفتوحة لسيناريوهات إمبراطورية متصارعة، لا تقيم وزناً لسيادة الدول العربية. 

وبين «الصلف الصهيوني» الطامح لإسرائيل الكبرى، و»الجموح الإيراني» الساعي للهيمنة، تجد المنطقة العربية نفسها أمام لحظة الحقيقة التي فرضها مؤخرا مؤتمر قمة دول مجلس التعاون الخليجي في جدة (28-29 أبريل 2026) – وإقراره بالإجماع حرية الملاحة في مضيق هرمز، وفق القوانين الدولية المعمول بها – 
 
مع تصاعد وتيرة «حرب الحصار» البحري.بات لزاماً على الدول العربية الموقعة على اتفاقيات السلام بأنواعها، الإسراع إلى إجراء مراجعة شاملة وعميقة لسياساتها وتحالفاتها، وتحديداً مصر والأردن والسودان والمغرب وبعض دول الخليج. 

تلك الاتفاقيات التي ظن البعض واهما أنها تمنح سلاماً، أو حماية من التمدد الإيراني، سقطت أمام التغول الإسرائيلي الوحشي في غزة والضفة ولبنان وسوريا (أي الباحة الخلفية لدول الخليج)، أو حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.

 تلك الاتفاقيات لم تستطع أن تحمي دول الخليج من الهجمات الإيرانية، أو تردعها، ولم تمنع إسرائيل مثلا من تهديد الأمن القومي المصري والأردني في حرب الإبادة على غزة.

فالحرية هي «جهاز المناعة» الحقيقي ضد التوسع والنهب.. إذ لم يبق لدى العرب من خيارات إلا الصحوة – أو الغرق في طوفان فوضى السيناريوهات التوسعية المريضة

التصريحات النارية عن قرب إنشاء «دولة إسرائيل الكبرى» من النيل إلى الفرات ليست مجرد بروباغندا، بل هي سيناريو معلن لنوايا عدوانية تجاه المنطقة العربية بأكملها، ربما تكون المملكة العربية السعودية – أو منطقة الخليج بأسرها- هي التالية على خريطة الاستهدافات الإسرائيلية، بغرض التوسع والنهب. 

إن شهية دونالد ترامب في السطو على موارد الطاقة والمعادن والممرات الاستراتيجية في العالم (ومن ضمنه الشرق الأوسط) باتت واضحة، وتتقاطع مع نوايا نتنياهو في الهيمنة والتوسع، بسجله الدموي الحافل، الذي لا يتورع عن ارتكاب أبشع الجرائم لتحقيق نواياه.

 إن أي تعاون إقليمي أمني أو اقتصادي، يُعرض على دول الخليج، سواء كان إيرانيا -أو إسرائيليا – في ظل «التهديد بالنار» هو تعاون استعلائي كاذب، يهدف لتركيع الإرادة العربية لا دعوة لمشاركتها. 

ففي تصريح مدوٍّ أطلقه مجتبى خامنئي (30 أبريل 2026)، أعلن إصرار طهران على وضع مضيق هرمز تحت «إدارة إقليمية مشتركة» تقودها إيران، في محاولة لفرض سيادة أحادية على أهم شريان طاقة عالمي.

 لكن في مقابل هذا التوجه المزعزع للاستقرار، يبرز موقف عُمان الشجاع والرصين، الذي يتشارك مع إيران بالإطلالة على المضيق؛ حيث أصرت مسقط على أن حرية الملاحة في المضيق، حق مكفول بالقوانين الدولية، 

وقطعت الطريق على المحاولات الإيرانية لتحويل الممرات الدولية إلى أوراق ضغط سياسية، ومهّدت للمقررات الرصينة والحازمة الصادرة عن مؤتمر قمة دول مجلس التعاون الخليجي في جدة.

يعتبر هذا المؤتمر مقدمة للتكاتف العربي-العربي المطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى، ولرفض منطق «الاستجارة من الرمضاء بالنار»؛

 فلا هيمنة طهران مقبولة، ولا أطماع واشنطن في النفط والغاز الإيراني والمعادن النادرة، تبرر تحويل بلادنا لساحة تجاذب ونزاع بين السيناريوهات الإقليمية أيا كانت. 

طبعا من غير أن يلغي ذلك ضرورة الحفاظ ما أمكن على علاقات حسن الجوار. 

إن انتظار من يصرخ أولا في حرب «عض الأصابع» غير مجد، خاصة أنّ هذا الحصار البحري على الموانئ الإيرانية قد يطول،

 إذ تخوض الولايات المتحدة اليوم استراتيجية «الإذعان عبر الخنق البحري» لإجبار طهران على التراجع عن طموحاتها النووية والإقليمية، وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية. 

فيما تشير الأرقام الصادمة الصادرة عن «بلومبرغ الشرق» و»صندوق النقد الدولي» الأحدث (مايو 2026) إلى أن إيران تتكبد خسائر اقتصادية مباشرة وغير مباشرة تبلغ حوالي 850 مليون دولار يومياً، نتيجة توقف صادرات النفط وتعطل سلاسل التوريد في مضيق هرمز. 
 
مكمن الخطر أنّ «العض المتبادل للأصابع»، يضع دول الخليج والمنطقة العربية في فوهة المدفع. فإيران، التي تدرك أنها الأقرب جغرافياً لها، تهدد بتحويل المنطقة إلى «خراب مشترك» إذا ما انهار اقتصادها، وهو ما يفرض على العرب مراجعة عاجلة لمواجهة هذا «الابتزاز تحت دعوى التعاون الأمني الإقليمي في الخليج»، حسب تصريح مجتبى خامنئي،

 فيما تتمادى إسرائيل المتعطشة للدماء في التغول في جنوب لبنان بشكل مروع على غرار ما فعلته – وما زالت تفعله – في غزة والضفة الغربية. 

فضلا عن أنها تتحين فرصة فشل المفاوضات لمواصلة الحرب العسكرية على إيران غير عابئة بتداعيات هذه الحرب على دول الخليج. 

إن العداء التاريخي مع إسرائيل لا يعني التساهل مع سيناريوهات إيران التوسعية أو تأجيل التعامل معها. لقد أثبتت مخرجات قمة جدة الأخيرة أن «الدبلوماسية الهادئة» لم تعد تكفي، 

فالمطلوب هو مشروع عربي تحرري تنموي وأخلاقي يخرج من قمقم الانتظار، ويقوم على ركائز صلبة من مثل:

*بناء القوة الذاتية:عبر الاستثمار في الذكاء الاصطناعي السيادي- على سبيل المثال لا الحصر- وفي البحث العلمي والموارد البشرية، والتمكين العسكري التقني الذي لا يرتهن للخارج.

 فالسيادة في 2026 تُقاس بالقدرة على حماية البيانات والممرات والموارد ببرمجيات وطنية.

*التكامل مع الجار التركي: رغم الحذر من الأطماع «العثمانية الجديدة»، إلا أن تركيا (الدولة العلمانية الديمقراطية في جوهرها الأتاتوركي) تظل شريكاً إقليمياً ضرورياً لخلق «توازن ردع» أمام التطرف الديني المزدوج (الصهيوني والفارسي).

*العدالة الاجتماعية كحصن منيع: فالخوف من الشعوب هو الثغرة التي يدخل منها الطامعون. إن بناء ديمقراطيات تعزز السيادة وتضمن كرامة الإنسان هو «جهاز المناعة» الذي سيمنع تكرار سيناريوهات التفتيت التي بدأت في اليمن (2014 ـ 2015) بعد تغلغلها في العراق وسوريا ولبنان.

لذا، هناك حاجة لوضع خريطة طريق للإنقاذ العاجل، فأمام خسائر إيران يومياً جراء الحصار البحري، وحالة «عض الأصابع» المتبادل، يزداد الوضع خطورة، وتفجرا، وربما على الكتلة العربية (بقيادة دول الخليج ومصر) الدعوة لمؤتمر طارئ لجامعة الدول العربية يتبنى الخطوات التالية:

*الضغط لإنهاء الحرب على إيران وما تحمله من تداعيات أمنية واقتصادية مرعبة، فضلا عن مخاطر تحويل إيران لدولة فاشلة، إن لم ترضخ للإذعان، وهو ما سيعرض أمن المنطقة لمخاطر هائلة.

*سحب العراق واليمن من التبعية: عبر استعادة العراق لبيته العربي ووقف التدخل الإيراني في مفاصله السياسية، ودعوة الحوثيين لمصالحة وطنية يمنية تنهي ارتهانهم للولي الفقيه.

*إنقاذ لبنان: عبر دعم الدولة اللبنانية للتخلص من الهيمنة التي أقحمتها في «حرب إسناد إيران»، وعدم تركه وحيدا.

*النهضة السيادية: امتلاك ذكاء اصطناعي سيادي يحمي الموارد والممرات، بعيداً عن صراعات القوى العظمى التي تضع عينها على ممرات الشمال القطبية (غرينلاند وسفالبارد) ومواردها من النفط والغاز والمعادن النادرة. 

إذ بينما تتصارع السيناريوهات التوسعية في منطقتنا على «أوهام أيديولوجية»، تمضي واشنطن في صمت بالسعي من أجل تحقيق أطماعها في الشمال، وتجهيز «طرق التجارة القطبية» (التي تختصر 40% من زمن الشحن)، ما يعني استنزاف نفط وغاز منطقتنا الآن قبل أن تفقد الجغرافيا العربية قيمتها اللوجستية.

أياً كان المنتصر في الحرب القائمة بين إسرائيل وأمريكا أو إيران، فإن الهدف المشترك للطرفين هو تحويل العرب إلى مجرد «عبيد» في إمبراطوريات أيديولوجية سادية. 

المخرج الوحيد هو «صحوة المارد العربي»، عبر تنويع التحالفات الدولية والابتعاد ما أمكن عن العباءة الأمريكية، بما يخدم المصلحة العربية، والتمسك بالنموذج الديمقراطي التنموي، الذي يحترم حرية الشعوب؛ فالحرية هي «جهاز المناعة» الحقيقي ضد التوسع والنهب. 

إذ لم يبق لدى العرب من خيارات إلا الصحوة – أو الغرق في طوفان فوضى السيناريوهات التوسعية المريضة. إن التحدي الأكبرهو في «التقاط الأنفاس» وتجنب أي تصعيد غير محسوب مع أي طرف، لبدء صحوة عربية تنتج المعنى الحقيقي للحياة والحرية.

 إن أي تأخير في هذه المراجعة الاستراتيجية يعني التحول لعبيد في إمبراطوريات أيديولوجية سادية، والوقت لا ينتظر المترددين.

 سامية عيسى
كاتبة فلسطينية