واشنطن وطهران تعلنان النصر.. قراءة فيما وراء التصريحات
الرأي الثالث
تكشف المواجهة المحتدمة بين الولايات المتحدة وإيران عن مواجهة أخرى ميدانها البيانات الرسمية والخطابات السياسية، التي يتشكل من خلالها "النصر" بوصفه قصة تُروى، لا واقعاً يُقاس؛ حيث يعلن الطرفان الفوز في حرب ما تزال تداعياتها تتسع.
في قلب هذا التناقض، يقف مضيق هرمز شاهداً على واقع مغاير، إذ تحوّل من ممر آمن مؤقتاً بعد هدنة قصيرة، إلى ساحة توتر مفتوحة تهدد الاقتصاد العالمي، وتكشف هشاشة أي حديث مبكر عن نهاية الصراع.
عودة تهديدات هرمز
ما كاد العالم يتنفس الصعداء بخبر إعلان التهدئة في 8 أبريل الجاري، وما ترتب عليها من فتح إيران مضيق هرمز، الجمعة (17 أبريل 2026)، حتى عاد إليه الشعور بالقلق، حيث لم يستمر فتح المضيق سوى ساعات حتى عادت طهران لإغلاقه، ما أعاد التوتر من جديد.
تفيد تقارير إعلامية غربية أن الحرس الثوري الإيراني شن عدداً من الهجمات ضد سفن تجارية صباح السبت (18 أبريل 2026)، عقب إعلان طهران إعادة إغلاق المضيق، متهمة واشنطن بانتهاك التفاهمات المتعلقة بحرية الملاحة.
لكن الأمر شهد تطوراً أكبر باحتجاز القوات الأمريكية سفينة شحن إيرانية مساء الأحد (19 أبريل الجاري).
هذا التطور لم يكن مجرد حادث أمني عابر، لا سيما مع إصرار إيران على ترجمة نفوذها الميداني إلى ورقة ضغط استراتيجية، في حين تسعى أمريكا لإضعاف هذا النفوذ.
أسباب إيران في إعلان الانتصار
يرى المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني أن طهران حققت انتصاراً استراتيجياً من خلال دفع الولايات المتحدة إلى القبول بمقترحها ذي النقاط العشر، معتبراً ذلك تحولاً في ميزان التفاوض.
وفي قراءة أوسع، قدّمت وكالة تسنيم سردية تفصيلية ترجمت الأحداث إلى نصر إيراني، أبرزها:
- تداخل المصالح بين واشنطن وتل أبيب شكّل أحد أبرز نقاط الضعف في إدارة الحرب، وأربك أولويات القرار الأمريكي.
- لم تقتصر كلفة المواجهة على الخسائر العسكرية، بل طالت صورة الإدارة الأمريكية وشرعيتها الأخلاقية في الساحة الدولية.
- واشنطن باتت تواجه تداعيات خياراتها، إذ كشفت الحرب حدود القوة التقليدية أمام معادلات أكثر تعقيداً.
- وفي تفصيل هذه التداعيات، تبرز جملة من الاستنتاجات التي تروّج لها الرواية الإيرانية:
- بنية القوة في إيران مؤسسية وقادرة على التكيّف، ولم يضعفها استهداف قياداتها.
- تحوّل مضيق هرمز من ورقة ضغط إعلامية إلى واقع ميداني مؤثر في حركة التجارة العالمية.
- ابتعاد بعض الدول الغربية عن النهج الأمريكي، وتصاعد مواقف إقليمية حادة تجاه "إسرائيل".
- لم تحقق الحرب أهدافها السياسية المعلنة، وانعكست سلباً على الداخل الاقتصادي الأمريكي.
أحاديث ترامب عن النصر
في المقابل أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أكثر من مرة، في تصريحات صحفية ومنشورات عبر منصة "تروث سوشيال" انتصار الولايات المتحدة على إيران، من بينها قوله:
- اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران يُمثل انتصاراً كاملاً وشاملاً للولايات المتحدة، بنسبة 100%.
- الولايات المتحدة انتصرت عسكرياً على إيران، وجرى تدمير نحو 150 سفينة إيرانية.
- الحرب انتهت بالفعل وستشهد إيران تغييراً في النظام.
- لقد انتصرنا في هذه الحرب. هذه الحرب حسمت.
- لا يفضل أحد إعلان النصر مبكراً، لكننا فزنا. لقد انتهى الأمر في الساعة الأولى.
- لقد انتصرنا بالفعل بعدة طرق، لكننا لم ننتصر بما يكفي.
- سنمضي قدماً بتصميم أكبر من أي وقت مضى لتحقيق النصر النهائي الذي سينهي هذا الخطر طويل الأمد مرة واحدة وإلى الأبد.
لم ينتصر أحد
المحلل السياسي مسار عبد المحسن راضي، يرى أن إيران انتصرت لحدِّ هذه اللحظة، مستشهداً بتعبير الخبير الاستراتيجي الأمريكي روبرت بيب حول النظام الإيراني "أثبت أنه مصفوفة تستطيع تعويض خسائرها من القادة".
النصر السياسي الأهم لهذا النظام - بحسب راضي - هي أنه استطاع "إنقاذ ماء وجهه" أمام أذرعه المسلَّحة من صنعاء مروراً بحارة حريك وصولاً إلى بغداد، مضيفاً: "بتعبيرٍ مجازي نستطيع القول بأن عقارب الساعة عادت للتوقف عند 7 أكتوبر 2023".
من جانب آخر يرى راضي، أن انتصار النظام الإيراني لا يعني فوز إيران، لافتاً إلى دمار الكثير من بناها التحتية وأصولها العسكرية، مبيناً: "لولا الصواريخ والدرونات وجغرافيا البلاد، لعادت بالفعل إلى العصر الحجري على حد تعبير الرئيس ترامب".
أما عن الهدف الأساسي من إعلان طهران النصر، فيقول راضي: "هو لترميم علاقاتها الدبلوماسية في المرحلة القادمة مع الدول العربية، خاصة دول الخليج العربي بأثمان متواضعة".
ويتابع المحلل السياسي مشيراً إلى أن "سردية النصر على محور أمريكا إسرائيل" تعني أنه إذا اتخذت دول الخليج العربي مواقف دبلوماسية وسياسية حازمة معها فذلك يعني وقوفها مع "إسرائيل" على وجه التحديد.
وهذه السردية -على حدّ قوله- تستخدمها طهران في "تنشيط الدورة الدعائية لإيديولوجيتها المذهبية".
أما إعلان الرئيس ترامب الانتصار فهو أيضاً "يافطة دعائية"، يقول عبد المحسن راضي، مضيفاً أن الهدف الأهم من خطاب النصر لديه، هو الخشية على مصير حزبه السياسي.
يرجح راضي أن الحزب الجمهوري "لن يخسر أغلبيته في مجلس النواب فقط، وإنما حتى داخل مجلس الشيوخ. علماً بأنه من المعروف تاريخياً أن حزب الرئيس دائماً ما يخسر أغلبيته في مجلس النواب في كل انتخابات نصفية".
راضي يرى أن "أزمة مضيق هرمز" هي من دفعت ترامب أيضاً لأن يُكثر من الحديث عن النصر.
وعلى الرغم من أن إعلان ترامب المتكرر عن النصر، كان من أجل تخفيف حِدَّة ارتفاع أسعار الطاقة، لكن "اللطيف أن أسواق الطاقة وقبل بداية المفاوضات الأخيرة مع طهران (7 أبريل) لم تستجب بشكلٍ إيجابي بل ارتفعت حينها"، على حدّ قول راضي.
وينتهي المحلل السياسي إلى القول: "لم ينتصر أحد، ولن تنتهيَ هذه الحرب إذا لم تتوصل طهران وواشنطن إلى صفقة شاملة، من النووي إلى المليشيات، وإلا فسيكون القادم أسوأ لإيران ولكل المنطقة".