Logo

هل العلاقة بين لبنان وإسرائيل ممكنة الآن؟

 وإذ اجتمع مسؤولون لبنانيون مع دبلوماسيين إسرائيليين في واشنطن تحت إشراف وزارة الخارجية الأميركية في إطار "تفاوض" من أجل إعلان وقف إطلاق نار عبر الحدود وتبادل الأفكار حول الخروج من الحرب وربما تطبيع بين البلدين في المرحلة الأخيرة. 

ولكن الغائب الأكبر هو "حزب الله"، عدو إسرائيل والممانع لأية علاقة مع ما يصفه "بالكيان الصهيوني". فلنستعرض آلية المفاوضات الحالية ومواقف الأطراف المشاركة وتموضع "حزب الله" والجمهورية الإسلامية.

الولايات المتحدة تهدف إلى "إضعاف وتحجيم" "حزب الله" حتى أبعد الحدود حتى انتهاء "الحروب الإيرانية" في الشرق الأوسط وبداية محادثات السلام الشاملة. إسرائيل تريد إبعاد الحزب بعيداً من حدودها الشمالية، ومن ثم دخلت حرب "تفكيك" للميليشيات وتمشيط مناطق سيطرته من الحدود إلى نهر الليطاني على الأقل. 

الدولة اللبنانية من رئاسة ورئاسة وزراء وقيادة جيش تتموضع مع تطور موازين القوى، فمن تضامن مع الحزب قبل السابع من أكتوبر (تشرين الأول) إلى حياد في المواجهة بعد حرب الـ12 يوماً إلى إعلان رمادي حول "لا قانونية سلاح الحزب" إلى القبول أخيراً بالجلوس مع الإسرائيليين في واشنطن لمناقشة وقف إطلاق النار "كمرحلة أولى". 

إدارة الرئيس دونالد ترمب يهمها فك ارتباط الملف اللبناني عن الملف الإيراني، فبينما ربطت طهران الملف اللبناني، أي مصير الحزب، بمصير المحادثات الأميركية - الإيرانية لكي تحمي قوتها العسكرية في لبنان، 

ضغطت واشنطن على الدولة اللبنانية لتشارك في اجتماع الدبلوماسيين في العاصمة الأميركية تحت شعار وقف النار والبدء بخطوات السلام. السلطة في لبنان مكونة من طبقة سياسية أمنية تتشارك فيها المصالح العسكرية والمالية والسياسية حتى في أوقات الصدامات. 

فمنذ اتفاق الطائف في 1989-1990 وانكسار ما كان يعرف "ببيروت الشرقية" بسبب الحرب الأهلية المسيحية بين الزعيمين ميشال عون وسمير جعجع، انتقلت الدولة المركزية من الشراكة بين الجيش والقوات اللبنانية وقتها إلى شراكة بين القوات السورية و"حزب الله" و"الجيش الجديد". 

وتحت ضغط نظام الأسد والجمهورية الإسلامية على مؤسسات الدولة اللبنانية الجديدة، انتقلت العقيدة الرسمية لهذه الأخيرة من منطق الالتزام بهدنة 1949 مع إسرائيل إلى منطق العداء لإسرائيل ورفض التفاوض بأوامر إيرانية. 

من هنا ومنذ 1990-1991 انقطعت الاتصالات بين "الشرقية" وإسرائيل وتعاظم نفوذ النظام الإيراني على سياسة لبنان الخارجية، 

فانتفى أي خيار لفتح محادثات رسمية بين الدولة وإسرائيل، وتمت مناقشات عبر وسطاء حول ملفات تقنية واقتصادية كملفات ترسيم الحدود البحرية وشؤون اقتصادية أخرى، ولكن محاولات التوصل إلى محادثات إيقاف الحرب لم تنجح. 

وأضاف الانقلاب الميليشياوي للحزب ضد حكومة ثورة الأرز في السابع من مايو (أيار) 2008 تهديداً لأي مسيرة سلام بين البلدين.

 فالقيادة الإيرانية أرادت الإمساك بالملف، ولكنها رفضت مسيرة السلام، وانهيارت الأوضاع الإقليمية منذ حرب غزة والحروب المنبثقة عنها وصولاً إلى إيران والعراق واليمن وبالطبع لبنان بسبب انفجار الصراع العسكري بشكل مستمر. 

عندما دخل الحزب المعركة في بداية حرب الـ12 يوماً شعرت قيادته بأنها قد تنهك إسرائيل على الرغم من خسائرها البشرية الكبيرة في القيادات والعديد والعدة. 
 
الدولة المركزية من حكومة وجيش استمرت في علاقتها العضوية مع ما يسمى "المقاومة"، ولكنها بدأت تشعر بأن إيران لن تربح الحرب وأن هناك احتمالاً أن الحزب قد لا ينتصر. 

انطلاقاً من هكذا فهم للدولة اللبنانية لاحتمال ألا يتمكن الحزب من الانتصار، وبعد إعلان محادثات واشنطن، وافقت السلطة اللبنانية على إيفاد السفيرة اللبنانية لدى الولايات المتحدة للمشاركة، وتم إيفاد السفير الإسرائيلي إلى اللقاء. 

وحضر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وسفير واشنطن لدى بيروت.

 هكذا تمثيل أميركي من أعلى ما يمكن دبلوماسياً بالنسبة للبنان منذ اتفاق 17 مايو 1983، وهو آخر وثيقة وقعت بين لبنان وإسرائيل تحت عهد ريغان، 

لكن الاتفاق قد أسقط من قبل القوى المؤيدة لنظام حافظ الأسد وميليشيات إيران، "حزب الله" و"أمل". إلا أن اجتماع واشنطن يعكس ميزان القوى الجديد في لبنان. 

إسرائيل أقوى عسكرياً، أميركا منتشرة بكثافة في المنطقة، والأهم أنها أعطت ضوءاً أخضر لإسرائيل في لبنان.

 إيران غير قادرة على الوصول إلى لبنان بسبب الحكم الجديد في دمشق. "حزب الله" محاصر في لبنان، ولكنه يحاصر الدولة في وزاراتها.

 الحزب لديه قوة قادرة على الاشتباك مع الدولة اللبنانية، ولكنه غير قادر على هزيمة إسرائيل أو أميركا.

والسؤال يبقى: هل ممكن أن يُقام تواصل بين إسرائيل ولبنان عبر واشنطن؟ في الشكل نعم، وقد حدثت بدايته هذا الأسبوع في واشنطن.

 إلا أن السؤال يبقى: هل ستعترف الجمهورية اللبنانية بالدولة العبرية إذا مال التوازن أكثر لمصلحة الجيش الإسرائيلي؟

 أم إن نخبة لبنان الحاكمة ستتراجع عن السلام إذا تضعضع موقفها السياسي أو تراجع الرئيس ترمب؟ 

لا ندري، ولكن هذه التجربة الواشنطونية ستتحكم بمصير اللبنانيين للأشهر القادمة حتى الانتخابات النصفية. سنتابع...

وليد فارس
 الأمين العام للمجموعة الأطلسية النيابية