Logo

حين يتحول التطبيل إلى وعيٍ زائف: خطر يهدد تماسك الدولة في اليمن

 لماذا تُحجب المرآة الصادقة أحياناً عن صانع القرار
 بينما يُفسح المجال للصدى الذي يكرر ما يُقال لا ما يجب أن يُقال؟
وهل يمكن لعبارات المديح مهما بلغت بلاغتها أن تسند واقعاً يختل
 أو أن تعوض غياب المعالجة الحقيقية؟  
المتأمل في واقعنا يدرك أن التحديات التي تواجه اليمن لا تقف عند حدود الموارد أو الإمكانات
 بل تمتد إلى ما هو أعمق: 
بيئة خطابية تُعيد توصيف الإخفاق على أنه فضيلة
 وتُربك بوصلة الوعي حين تُلبس النقد ثوب الاتهام
 وتُقدّم الصمت باعتباره حكمة.
وقد حذّر النبي ﷺ من هذا النمط حين قال: 
«إنَّ أخوفَ ما أخافُ على أمتي كلُّ منافقٍ عليمِ اللسان».
فالمشكلة هنا ليست في الاختلاف
 بل في توظيف الخطاب لتزييفه؛ 
حيث يتحول الخلل إلى “ابتلاء” لا يُراجع
 وتُدفع الأصوات الصادقة إلى زوايا الشك أو التخوين
 لا لشيء إلا لأنها لم تُجامل.  
وحين يُستدعى الدين لتبرير هذا المسار
 لا يكون ذلك دفاعاً عن قيمه
 بقدر ما هو إفراغ لها من مضمونها؛ مصداقاً لقوله تعالى:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ}.
هذا النمط من الخطاب لا يكتفي بتزييف الوعي
 بل يُنشئ فجوة صامتة بين الواقع كما هو
 وصورته كما تُراد له أن يُرى؛ فيضعف بذلك تدفق الحقيقة
 وتتآكل القدرة على التصحيح من الداخل.  
الأخطر من ذلك أن بعض الخطابات لا تكتفي بالدفاع
 بل تعمل ( بقصد أو بغير قصد ) على تحريف مسار المطالب العادلة
 بنقلها من سياقها الحقوقي إلى مساحات أخرى مشحونة بالتخوين أو التوجس
 الأمر الذي لا يخدم الاستقرار بقدر ما يعقّد الوصول إلى حلول واقعية ومتوازنة.
والتاريخ في هذا الباب واضح:
 من يربط موقفه بالمصلحة لا بالمبدأ
 يبدّل موقعه بتبدل الظروف؛ فيكون صدى في لحظة
 وناقداً في أخرى دون أن يتغير جوهر الواقع نفسه.  
إن بناء الدول لا يقوم على تضخيم الأصوات
 بل على وضوحها؛ ولا على إقصاء النقد
 بل على استيعابه ضمن إطار مسؤول يوازن بين الاستقرار والإصلاح.
 فالقيمة الحقيقية لأي منظومة لا تُقاس بمدى ما يُقال عنها
 بل بقدرتها على تصحيح نفسها من داخلها.

✍️ * أ . حميد القهالي  
كاتب وباحث يمني