لقاء مباشر بعد 43 عاماً.. لبنان و"إسرائيل" أمام مفاوضات صعبة
تستعد الدولة اللبنانية اليوم الثلاثاء 14 أبريل الجاري لعقد أول لقاء تفاوضي مباشر مع "إسرائيل" بوساطة أمريكية في العاصمة واشنطن، وذلك بعد 43 عاماً على آخر مفاوضات مباشرة بين الطرفين، والتي أفضت إلى اتفاق 17 أيار 1983، في تطور سياسي وأمني لافت يعكس حجم التحرك الرسمي اللبناني لوقف العدوان الإسرائيلي ضد بلادهم.
يأتي هذا اللقاء في إطار مساع دبلوماسية تهدف إلى بحث وقف العمليات والهجمات العسكرية على الأراضي اللبنانية، حيث يمثل لبنان في الجلسة السفيرة ندى حمادة معوض، فيما يحضر عن الجانب الإسرائيلي السفير يحيئيل لايتر
بينما يتولى السفير الأمريكي لدى لبنان ميشال عيسى دور الوسيط الميسر، مع مشاركة رمزية لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في جزء من الاجتماع، في إشارة إلى اهتمام أمريكي خاص بهذا المسار التفاوضي.
وبحسب المعطيات الدبلوماسية، فإن اللقاء سيستمر قرابة ساعة واحدة داخل قاعة على شكل حرف "U"، حيث يجلس الوفدان اللبناني والإسرائيلي متقابلين، يفصل بينهما الوسيط الأمريكي.
وستلتقط صورة رسمية للوفدين، في حين لن يصدر بيان مشترك، رغم طلب الجانب الإسرائيلي ذلك، مقابل رفض لبناني، على أن يصدر بيانان منفصلان عن الرئاسة المعنية بكل طرف.
وسيركز الطرح اللبناني على معادلة "السيادة مقابل الأمن"، حيث يسعى لبنان إلى المطالبة بانسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب اللبناني مقابل ضمان أمن الشمال الإسرائيلي،
مع إدراك صعوبة التوصل إلى وقف إطلاق نار فوري في المرحلة الحالية، واحتمال العودة إلى تفاهمات سابقة أو التوجه نحو اتفاق جديد.
وجاءت ترتيبات هذا اللقاء بتنسيق مباشر بين الرئاسة اللبنانية والسفير الأمريكي، في حين لم يكن رئيس الحكومة نواف سلام على علم مسبق بكامل تفاصيل التحضير
بينما أبدى رئيس مجلس النواب نبيه بري موافقة ضمنية دون إعلان رسمي، في وقت أعلن فيه الأمين العام لـ "حزب الله" نعيم قاسم رفضه القاطع لأي مفاوضات مباشرة مع "إسرائيل"، واصفاً إياها بأنها "عبثية".
وقد قال قاسم في تصريح متلفز: إن "الحزب يرفض هذه المفاوضات ويدعو إلى إلغائها"، مؤكداً أن أي اتفاق قد ينتج عنها لن يكون ملزماً له، في موقف يعكس حجم الانقسام الداخلي حول جدوى هذا المسار التفاوضي وتوقيته.
في المقابل، قال وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة إن اجتماع واشنطن هو لقاء تحضيري يهدف بالأساس إلى خفض التصعيد ووقف الهجمات العسكرية، مشيراً إلى وجود التزامات أولية بخفض التوتر، رغم استمرار غياب ضمانات قوية على الأرض.
وتشير التقديرات السياسية إلى أن هذا الاجتماع قد يشكل خطوة أولى في مسار تفاوضي طويل، لكنه يبقى محفوفاً بالتحديات، سواء من حيث المواقف الداخلية اللبنانية أو من حيث التعقيدات الإقليمية المرتبطة بطبيعة العلاقة مع "إسرائيل"، ما يجعل نتائجه مرهونة بتطورات المرحلة المقبلة.
مفاوضات تحت النار
الخبير في الشأن الإسرائيلي عصمت منصور، أكد أن من الصعب توقع الوصول إلى نتائج جدية وذات مغزى من هذه المفاوضات الجارية، مشيراً إلى أنها جاءت أساساً نتيجة ضغط أمريكي مباشر،
في حين أوضح أن "إسرائيل" كانت في السابق تستخف بالدعوات اللبنانية إلى مفاوضات مباشرة.
وأوضح منصور، أن التحول في الموقف الإسرائيلي جاء بعد ضغط الولايات المتحدة بهدف خلق مناخ مناسب لمفاوضاتها مع إيران، الأمر الذي دفع رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الاستجابة، لكنه وضع شروطاً مسبقة حصرها في مسألة نزع سلاح حزب الله، في حين أن المطالب اللبنانية تختلف جذرياً عن ذلك.
وأضاف منصور أن هذه المفاوضات تدار في ظل التصعيد العسكري واستمرار العمليات في الجنوب اللبناني، ما يجعل من الصعب توقع أي نتائج ملموسة،
لافتاً إلى أن طبيعة الحكومة الإسرائيلية الحالية وأجندتها الأيديولوجية والأمنية تجعلها غير جادة في تقديم تنازلات حقيقية، بل تسعى إلى استثمار هذه النافذة الدبلوماسية لتفادي التصادم مع الولايات المتحدة،
إضافة إلى محاولة توجيه الرأي العام نحو فكرة وجود مسار سياسي موازٍ للمسار العسكري.
ويشير إلى أن رفض "حزب الله" لهذه المفاوضات كان متوقعاً وطبيعياً، نظراً لطبيعة موقفه الأيديولوجي والسياسي القائم على عدم الاعتراف بدولة الاحتلال واعتبارها كياناً غير شرعي، فضلاً عن ارتباط مواقفه بالقضية الفلسطينية والتطورات الإقليمية، مؤكداً أن هذا الرفض يتسق مع نهجه العام.
وقال منصور إنه في حال خرجت هذه المفاوضات بنتائج تتعلق بسلاح "حزب الله"، فقد يؤدي ذلك إلى صدام مع الدولة اللبنانية، أو ربما إلى تفاهمات أوسع تشمل أطرافاً إقليمية ودولية، بما قد يفتح نقاشاً داخلياً حول هذا الملف داخل لبنان.
واعتبر أن الحزب، في كل الأحوال، لن يلتزم بأي صيغة تمسّ سلاحه، إلا في سيناريوهات افتراضية بعيدة جداً تتضمن تسوية شاملة تشمل انسحاب "إسرائيل" وتثبيت الحدود وغيرها من القضايا العالقة، وعندها فقط قد يجد نفسه أمام موقف سياسي أكثر تعقيداً يستوجب تفسيراً لموقفه من أي اتفاق محتمل.