مضيق الخوف.. آلاف البحارة عالقون على حافة الخطر في هرمز
في مشهد لم يكن يخطر ببال أكثر البحّارة خبرة، لم يعد البحر ذلك الفضاء الرحب الذي يُغري بالمغامرة والانطلاق، بل تحوّل في مضيق هرمز إلى مساحة خوف مكتومة، تتقاطع فيها أصوات الأمواج مع أصداء الحرب.
ورغم إعلان إيران والولايات المتحدة، الأربعاء 8 أبريل الجاري، التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب في المنطقة، وأحد بنوده فتح مضيق هرمز والسماح بحركة الملاحة فيه، لكن ما زال هناك، على امتداد الأفق الأزرق، مئات السفن الراسية علقت في قلب صراع لا تملك منه فكاكاً إلا إذا أعطت إيران الضوء الأخضر.
وعلى متن هذه السفن، يعيش آلاف البحارة واقعاً استثنائياً، وصفته تقارير دولية بأنه غير مسبوق منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية.
تصاعد المخاطر
في قلب هذا المشهد المعقّد، يشير تقرير للأمم المتحدة إلى أن نحو 20 ألف بحار يعملون على متن نحو ألفي سفينة، تشمل ناقلات نفط وغاز وسفن شحن وسياحة، وجميعها عالقة داخل الخليج، غير قادرة على عبور مضيق هرمز الحيوي بسبب استمرار التهديدات العسكرية.
وبحسب التقرير، انعكس التصعيد المستمر منذ 28 فبراير الماضي بوضوح على حركة الملاحة، إذ تراجع عدد السفن العابرة يومياً من نحو 150 سفينة قبل اندلاع الصراع إلى أربع أو خمس فقط حالياً، في مؤشر على حجم الشلل الذي أصاب أحد أهم شرايين التجارة العالمية.
ومع تصاعد المخاطر، لم تعد الرحلات البحرية مجرد تنقل روتيني، بل مغامرة محفوفة بالتهديد، خاصة بعد تسجيل 21 هجوماً على السفن في مضيق هرمز والخليج العربي، بحسب عمليات التجارة البحرية البريطانية، أسفرت عن مقتل سبعة بحارة وإصابة آخرين، فضلاً عن فقدان خمسة.
ولا يقتصر الخطر على الهجمات المباشرة، بل يمتد إلى حالة الترقب المستمرة، حيث تبقى السفن في حالة حركة داخل مياه الخليج بحثاً عن مواقع أقل خطورة، في وقت لم يعد فيه البقاء في الموانئ خياراً آمناً بالضرورة.
وضع إنساني كارثي
على المستوى الإنساني، تبدو الكلفة النفسية لهذه الأزمة هي الأكثر قسوة، إذ يعيش البحارة تحت ضغط يومي متواصل، في بيئة توصف بأنها "منطقة حرب نشطة".
وتعكس رسائل الاستغاثة التي أرسلها البحارة، والتي تجاوزت الألف رسالة، حجم المعاناة التي يعيشونها، إذ عبّر كثير منهم عن رغبتهم في العودة إلى أوطانهم، بعد أن تحولت رحلات العمل إلى تجربة قاسية من العزلة والخوف.
تحدثت تقارير نشرتها وسائل إعلام دولية أن خطوط المساعدة تلقت أكثر من 1000 رسالة منذ 28 فبراير 2026، تطلب الغذاء والمياه والإجلاء أو التعويضات.
وكشفت تقارير نشرتها "فرانس برس" و"فايننشال تايمز" و"بوليتيكو"، عن مأساة إنسانية كبيرة يعيشها البحارة، مؤكدة أنها ستزداد كلما مرّ الوقت وهم محتجزون في البحر، موضحة ذلك عبر شهادات مختلفة من بينها لبحارة في وسط البحر بمياه الخليج.
- أنوج، بحار هندي على متن سفينة دعم عالقة: كنا عالقين، وكانت الصواريخ تطلق فوقنا والانفجارات في كل مكان. آلاف البحارة يعيشون في بيئة خطرة بلا حماية كافية.
- ستيفن كوتون، الأمين العام للاتحاد الدولي لعمال النقل: الصواريخ والطائرات المسيرة تزيد من التوتر، خصوصاً بين البحارة من الهند، والفلبين، وباكستان، وروسيا، وأوكرانيا (فايننشال تايمز).
- كوبا شيمانسكي، الأمين العام لرابطة مديري السفن الدولية: معظم السفن تمتلك إمدادات كافية حالياً، لكن استمرار الحرب يهدد الغذاء والمياه.
- فيليب بيلشر، المدير البحري في الرابطة الدولية لمالكي ناقلات النفط المستقلة: يصعب ضمان سلامة الملاحة حتى مع إنشاء ممر إنساني.
- محمد عراشدي، منسق شبكة رعاية البحارة الدولية: اتصل بي أحد البحارة وهو في حالة ذعر قائلاً: نحن هنا نتعرّض للقصف. لا نريد أن نموت. أرجوك ساعدني.
- لوتشيان كراتشيون، من فريق الدعم في الاتحاد بلندن، أشار إلى أن 50% من رسائل البحارة العالقين تتعلق بالأجور.
- جوشوا هاتشينسون، المدير التجاري لشركة أمبري للمخاطر البحرية: توجد صعوبة بإيصال الإمدادات بسبب ارتفاع أسعار الوقود وإغلاق مضيق هرمز، وبعض السفن المرتبطة بالولايات المتحدة و"إسرائيل" قد تبقى عالقة، والسفن الأوروبية تواجه قيوداً على التحرك.
شعور بالذعر
الأكاديمي د. واثق عباس، يشير إلى أن تحول البحر من مسار ملاحي إلى ساحة حرب، يضع البحارة في وضع نفسي معقد، لافتاً إلى أن البحر يعدّ بيئة منعزلة، ويتحول إلى "قنبلة موقوتة من الضغوط النفسية" إذا ما أضيف إليه الاحتجاز.
وحول وضع حياة البحّارة عندما يكونون محاصرين في مناطق نزاع مثلما هو الحال في منطقة الخليج العربي بسبب غلق مضيق هرمز، يوضح عباس:
- بخلاف الجندي، يجد البحّار نفسه أعزل، محاطاً بتهديدات غير مرئية من ألغام أو مسيّرات، دون أدوات دفاع أو قدرة على المواجهة.
- تحول السفينة فجأة إلى هدف محتمل أو فخ مغلق، ينسف الإحساس الأساسي بالاستقرار، ما يرفع مستويات التوتر البيولوجي، ويقود إلى إنهاك نفسي وجسدي.
- وعن السبب الذي يدفع البحارة للشعور بالذعر مثلما تبين في رسائلهم، يقول عباس:
- غياب أي أفق زمني واضح يحوّل الوقت إلى عبء ثقيل، ويغذي القلق بشكل مستمر.
- انعدام القدرة على الهروب أو الدفاع أو حتى التفاوض يدفع المشاعر إلى الانفجار في شكل استغاثات حادة.
- داخل السفينة، ينتقل القلق بسرعة بين أفراد الطاقم، ومع غياب المعلومات الرسمية تتضخم الشائعات والسيناريوهات الأسوأ.
وبشأن التداعيات النفسية لهذا الذعر يوضح عباس أنها تدفع إلى:
- نوبات هلع واضطرابات نوم نتيجة التعرض المستمر للتهديد والقصف.
- بدايات اضطراب ما بعد الصدمة مع تكرار مشاهد الخطر.
- قلق انفصالي حاد بسبب انقطاع التواصل مع العائلة.
- تصاعد الاكتئاب تحت وطأة العزلة وفقدان السيطرة.
- صدمة الاقتراب من الموت عند مشاهدة استهداف سفن أخرى.
- تآكل الثقة بالمهنة وتحول البحر من مصدر رزق إلى مصدر خوف.
ونتيجة لما سبق، يرى عباس أن رسائل الاستغاثة التي أرسلها البحارة "تمثل صرخة لإثبات الوجود في واقع يشعر فيه البحّار بأن قيمته اختُزلت في حمولة أو ورقة ضغط".