Logo

ترامب… اللغز الذي يربك العالم

  منذ عودته إلى الرئاسة مطلع العام الماضي، يبقي دونالد ترامب العالم واقفاً على ساق ونصف ساق يخمّن ما خطوته التالية، وهل يفي بتهديد أصدره أو وعيد أطلقه، أم تراه يتراجع في لحظة حاسمة؟ 

مؤيّدو ترامب يقولون إنّ المطالب القصوى التي يضعها ترامب جزء من تكتيك تفاوضي ذكيّ لإرغام الطرف المقابل على الخضوع أو التنازل عن موقف مبدئيٍّ لديه،

 ثمَّ يبدأ هو (ترامب) بالتراجع عن مطالبه القصوى بشكل مدروس ومحدود إلى النقطة التي كان يريد الوصول إليها أصلاً. 

لكنّ طرفاً ثانياً معارضاً لترامب يرى أنّ تراجعاته المتكرّرة، رغم محاولاته تبريرها، تشير إلى بلطجيٍّ جبان لا يلبث أن يتقهقر عندما يتجرّأ خصم ذو قوة على الوقوف في وجهه والتصدّي له. 

وهناك طرف ثالث، وهو معارض أيضاً، يرى في "عنتريات" ترامب وتهديداته الصارخة ووعيده المجلجل لغويّاً، ثمَّ النزول عن سلم التصعيد في اللحظات الأخيرة، دليل فوضى عند الرجل وانعدام كفاءة وذكاء محدود.

تهديد ترامب بحدّ ذاته يمثّل جريمةً ضدّ الإنسانية حسب التكييف القانوني الدولي ومواثيق جنيف، إذ إنّه دعوة صريحة للإبادة

يوم الأحد الماضي صدم ترامب العالم بمنشور في منصّة تروث سوشال يتوعّد فيه إيران: "يوم الثلاثاء سيكون يوم محطّات الكهرباء ويوم الجسور، وذلك كلّه في ‌يوم واحد في إيران. لن تروا له مثيلاً". 

وأضاف: "افتحوا المضيق اللعين أيّها الأوغاد المجانين، وإلا ستعيشون في الجحيم... سترون"، في إشارة إلى مضيق هرمز، الممرّ الملاحي الحيوي الذي تبقي عليه إيران في حكم المغلق منذ بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل في شنِّ عدوان عليها قبل أكثر من شهر.

 معلوم أنّ ترامب استخدم لغةً بذيئةً جدّاً في منشوره، يمنعنا الحياء والأدب أن نكررها، أثارت سخط كثيرين في الولايات المتحدة وخارجها، إذ إنّها لغة توصف بأنّها دون مستوى مؤسّسة الرئاسة.

 لكن هذا هو ترامب والذي هو دون مستوى الرئاسة وقيمها، حتى ولو كانت تَزَلُّفاً، كما أنّه أصلاً دون مستوى الأناس المحترمين. 

وفي يوم الثلاثاء الماضي، وقبيل انقضاء المهلة، التي كان ترامب قد حدّدها، بساعات (الثامنة مساء بتوقيت الساحل الشرقي الأميركي، 3 صباحاً يوم الأربعاء بتوقيت مكّة المكرّمة)، نشر ترامب رسالةً أخرى أكثر خطورةً في "تروث سوشال": 

"حضارة بأكملها ستفنى الليلة (في إيران)، ولن تعود أبداً. لا أريد أن يحدث ذلك، لكنّه سيحدث على الأرجح". 

وقفت المنطقة والعالم كلّه على ساق ونصف الساق، فمثل هذا التهديد بحدّ ذاته يمثّل جريمةً ضدّ الإنسانية حسب التكييف القانوني الدولي ومواثيق جنيف، إذ إنّها دعوة صريحة للإبادة، خصوصاً مع تكهّن بعضهم أنّها قد تشمل استخدام أسلحة نووية تكتيكية.

في تلك الساعات الأخيرة، حبس العالم أنفاسه ترقّباً لما قد يأمر به ترامب، وتعالت الأصوات في الولايات المتحدة المطالبة لنائب الرئيس جي دي فانس بتفعيل التعديل الدستوري الخامس والعشرين لعزل الرئيس، على أساس انعدام قدرته العقلية على الحكم، 

وهو الأمر الذي يتطلّب موافقة أغلبية الحكومة، وثلثيّ مجلسيّ الشيوخ والنواب، وهو ما يعني أنّ الأمر شبه مستحيل في ضوء معطيات الخريطة السياسية الراهنة، وموازين القوى الحالية، في واشنطن. 

آخرون طالبوا القيادة العسكرية الأميركية برفض أيّ قرارات غير دستورية تصدر عن ترامب في حال سعى إلى تنفيذ وعيده، في حين دخلت دول إقليمية وعالمية كثيرة في خطِّ الوساطة على أمل إيجاد طريقة تعين واشنطن وطهران على التراجع عن حافّة الهاوية.

خلال ساعات الترقب تلك سألني أحد الأصدقاء: ماذا تتوقّع أن يحدث مع مهلة ترامب لإيران الليلة؟ 

قلت له: الاحتمالات مفتوحة. تمديد المهلة بذريعة حدوث تقدّم في المفاوضات... أو تعديل وتخفيض مستوى تهديده ليقتصر على ضرب منشآت حسّاسة في إيران، وربّما اغتيالات لقيادات في النظام، من دون المضي في مسار تدمير شامل لمحطّات الطاقة والجسور.. أو الوفاء بتهديده وشنّ هجمات شاملة على البنية التحتية في إيران، وربّما محاولة احتلال جزيرة خارج وسواحل إيرانية في مضيق هرمز. 

باختصار، لا أحد يعرف ما الذي سيقرّره ترامب، لأنّي شخصياً، أظنّ أنّه هو نفسه في أحيان كثيرة لا يعرف إلى ماذا سينتهي قراره، إذ إنّه أحياناً يصدر قرارات انفعالية، ثمَّ يصبح أسيرها، مع ضرورة التنبيه إلى أنّ الرجل ماهر في خلق واقع وهميٍّ موازٍ يقنع نفسه به في حال ما أراد الانسحاب أو التراجع عن موقف سابق له، ثمَّ يحاول أن يسوّقه للآخرين على أنّه الحقيقة. 

وأضفت: باختصار، الأمر مع ترامب هو كـ"الفْنِّة" أو إلقاء العُمْلَة للاحتكام، إذ إنّه هو نفسه قد يكون يَتَحَزَّرُ ويخمّن، وكلّ من يتحدّث عن دولة المؤسّسات في أميركا، أقول: هذا كان قبل ترامب.
 
النتيجة معروفة. قبل ساعة ونصف الساعة من انتهاء المهلة التي كان ترامب حدّدها، خرج علينا بمنشور آخر في تروث سوشال معلناً التوصّل إلى اتفاق وقف إطلاق نار مؤقّت مدّة أسبوعَين بوساطة باكستانية، وتنفّست المنطقة والعالم الصعداء. 

وبعيداً من الخوض في تفاصيل الاتفاق واختلاف الطرفَين في تفسيره وشروطه، فإنّ تراجع ترامب هنا أعاد النقاش مجدّداً حول خلفيات تراجعاته المتكرّرة.

 قال البيت الأبيض إنّ هذا تكتيك تفاوضيٌّ ذكيٌّ يَتَّبِعُهُ الرئيس، فيرفع حجم مطالبه إلى أقصى حدٍّ لإرغام الخصم على تقديم تنازلات جوهرية هي نفسها التي كان الرئيس يتوخّاها. 

سنتجاوز هنا عن الاستطراد في ما إذا كانت إيران قد قدّمت بالفعل التنازلات الجوهرية التي طلبها ترامب، لأنّها ليست موضوع المقال، ولكن بكلمة، لا يبدو ذلك. 

الطرف المعارض الأول لترامب، اعتبر تراجعه هنا مجرّد حلقة جديدة في سلسلة طويلة، مثل "ريفييرا الشرق الأوسط" في قطاع غزّة، والسعي إلى ضمّ كندا، ومحاولة الاستحواذ على جزيرة غرينلاند، ورفع التعرفات الجمركية بنسب عالية جدّاً قبل تخفيضها بشكل حادٍّ... الخ، 

محيلين على وصف يطلق على ترامب في أميركا: TACO، واختصار لـ"Trump Always Chickens Out"، 
 
بمعنى أن "ترامب يجبن دائماً". أمّا الطرف المعارض الثاني لترامب، فأعاد التذكير بأنّنا نتحدّث عن رجل فوضويٍّ وانفعاليٍّ ومحدود الذكاء والقدرات. شخصياً، أؤمن أنَّ الأمر مزيج من التفسيرات الثلاثة، 

مضافاً إليها أنّه مصابٌ بــ"الكذب المَرَضيّ"، فضلاً عن تَلَبُّسِهِ طبائع رجال العصابات والمافيا.

أسامة أبو ارشيد
كاتب وباحث فلسطيني