Logo

وساطة "المثلث الإقليمي".. هل تنجح في تهدئة الحرب الجارية؟

 تتسارع التحركات الإقليمية لاحتواء الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، مع تداخل الضغوط العسكرية بالمساعي الدبلوماسية لفتح قنوات اتصال غير مباشرة بين واشنطن وطهران عبر وساطة متعددة الأطراف لوقف التصعيد.

وتأتي هذه الجهود في ظل مؤشرات متباينة بين مرونة أمريكية متزايدة تجاه التفاوض، وتمسك إيراني بمواقف نافية لأي محادثات، ما يجعل نجاح الوساطة مرهوناً بقدرتها على تحويل الاتصالات إلى اتفاق فعلي يوقف المواجهة ويمنع توسعها.

قنوات الاتصال

وتتحرك الوساطة الإقليمية على خط موازٍ للعمليات العسكرية، بهدف كسر الجمود وخلق مسار تواصل غير مباشر بين الأطراف المتحاربة.

وفي هذا السياق كشف موقع "أكسيوس"، في 24 مارس، عن أن تركيا ومصر وباكستان نقلوا، خلال اليومين الماضيين، رسائل غير مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران،

 فيما أجرى وزراء خارجية هذه الدول محادثات منفصلة مع المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في إطار جهود لإنهاء الحرب ومعالجة القضايا العالقة.
 
وتتزامن هذه التطورات مع ما أوردته صحيفة "واشنطن بوست" في التاريخ ذاته، حول تكثيف الاتصالات غير المباشرة، التي دفعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى وصف المحادثات بـ"المكثفة للغاية" و"البناءة" 

 مرجحاً إمكانية التوصل إلى اتفاق خلال 5 أيام أو أقل، بالتوازي مع تأجيل استهداف شبكة الطاقة الإيرانية لإفساح المجال أمام المسار الدبلوماسي.

وكانت صحيفة "يديعوت أحرونوت" قد كشفت، في 24 مارس، أن وزير الخارجية الإيراني نقل سراً إلى المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف موافقة المرشد الإيراني، مجتبى خامنئي، على الانخراط في التفاوض.

تحركات إقليمية

وتتوزع أدوار الوساطة بين عدة عواصم إقليمية، يسعى كل منها لتوظيف علاقاتها لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع.

وفي هذا الإطار أفاد بيان للخارجية الإيرانية، في 24 مارس، بأن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أجرى اتصالاً مع نظيره عباس عراقجي، تناول تطورات الحرب وتداعياتها،

 حيث استعرض الجانب المصري المشاورات الجارية مع أطراف إقليمية ودولية لخفض التوتر، مع الاتفاق على استمرار التنسيق خلال المرحلة المقبلة.

كما نقلت وكالة "نوفوستي"، في 24 مارس، عن مصدر دبلوماسي تركي أن أنقرة عرضت رسمياً الوساطة بين واشنطن وطهران، 

في حين أشار موقع "ميدل إيست آي" إلى مقترح تركي بوقف مؤقت لإطلاق النار لتهيئة أجواء الحوار، دون صدور ردود فعل رسمية من الطرفين حتى الآن.

وعلى صعيد متصل برزت باكستان كطرف داعم للمسار الدبلوماسي، حيث أعلن رئيس الوزراء شهباز شريف، في 24 مارس، استعداد بلاده لاستضافة محادثات بين واشنطن وطهران، مؤكداً دعم إسلام آباد الكامل لأي حوار يفضي إلى إنهاء الحرب.

وتزامنت تصريحات شريف مع اتصالات أجراها مع القيادة الإيرانية، شدد خلالها على الحاجة المُلحّة إلى خفض التصعيد والحلول الدبلوماسية.

وتعكس هذه التحركات اعتماد الوساطة على شبكة اتصالات متوازية تقودها الدول الثلاث، إلى جانب أطراف إقليمية أخرى، لفتح قنوات تفاوض غير مباشرة وتثبيت مسار تهدئة تدريجي رغم استمرار العمليات العسكرية.
 
ملفات شائكة

وتمنح مشاركة تركيا ومصر وباكستان جهود التهدئة فرصة للنجاح، كما يؤكد أستاذ العلوم السياسية الدكتور إبراهيم دشتي؛ نظراً لقبولها لدى طرفي النزاع، لا سيما أن طهران التي تجد في جارتيها (تركيا وباكستان) ضمانة سياسية في ظل انعدام الثقة التام مع الإدارة الأمريكية و"إسرائيل".

ويوضح أن الثقة بين واشنطن وطهران أصبحت معدومة تماماً بسبب استمرار الهجمات أثناء التفاوض، مشيراً إلى أن وجود وسطاء إقليميين يساهم في إدارة الحوار المعقد، رغم السوابق التي تؤكد عدم احترام الجانب الأمريكي للضمانات والاتفاقات الدولية السابقة.

ويشير دشتي إلى أن أطراف الصراع تعيش حالة استنزاف، حيث تواجه إدارة ترامب إشكالية ارتفاع أسعار الطاقة وتأثيرها المباشر على المواطن الأمريكي، خاصة أن الغلاء يصيب كافة القطاعات الحيوية والسلع.

ويرى أن اللجوء للمخزونات الاستراتيجية يظل حلاً محدوداً مع توقع وصول أسعار النفط لمستويات قياسية، مما يجعل البحث عن مخرج سياسي ضرورة لترامب لإعلان انتصار شكلي، بعد الإخفاق في تحقيق أهداف الحرب المعلنة كإسقاط النظام أو تدمير القدرات الصاروخية.

ويعتقد دشتي أن طهران تخوض مفاوضات سرية رغم النفي الرسمي، سعياً لتقديم تنازلات محدودة تضمن لها خروجاً بصورة المنتصر، مع تمسكها الصارم بحماية برنامجها الصاروخي والملف النووي كخطوط حمراء لا تقبل المساومة في أي اتفاق قادم.

كما لفت إلى أن الواقع الميداني يثبت فشل الرهانات على تحجيم القوة الإيرانية التي لا تزال تحتفظ بقدرات عسكرية قوية، مما يضع الإدارة الأمريكية أمام ملفات داخلية شائكة ومراجعات قاسية تنتظر الحسم فور توقف هذه المواجهات العسكرية.

ويبين دشتي أن حاجة العالم لاستقرار الطاقة ستجبر واشنطن في النهاية على الخضوع للضغوط، لافتاً إلى أن المواجهة تحولت إلى حرب اقتصادية شاملة تستخدم فيها أوراق الابتزاز والرسوم الجمركية، بعيداً عن مجرد الصراع العسكري المباشر في المنطقة.

ويؤكد أن دور الوسطاء ينحصر في "نقل الرسائل" دون امتلاك أدوات ضغط حقيقية على واشنطن، بالنظر إلى السلوك الأمريكي الذي يتجاوز القوانين الدولية، مما يجعل مهمة الوسطاء مقتصرة على تيسير القنوات الدبلوماسية بانتظار توافق الإرادات الكبرى.
 
مسار التهدئة

وتتجه الجهود الدبلوماسية نحو بلورة إطار عملي لوقف الحرب عبر خطوات مرحلية تبدأ بتهدئة ميدانية وتنتهي باتفاق شامل.

وذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال"، في تقرير بـ19 مارس، أن وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان عقدوا اجتماعاً في الرياض لبحث مخرج دبلوماسي للأزمة، في ظل صعوبة تحديد طرف تفاوضي واضح داخل إيران بعد استهداف قيادات بارزة خلال الحرب.

وكشفت الصحيفة أن مسؤولين في الاستخبارات المصرية نجحوا في فتح قناة اتصال مع الحرس الثوري الإيراني، وطرحوا مقترح وقف إطلاق نار لمدة 5 أيام "لبناء الثقة"، وهو ما ساهم في تحقيق تقدم دبلوماسي محدود.

وبحسب التقرير، فإن هذه الاتصالات كانت من بين العوامل التي دفعت الرئيس الأمريكي إلى التراجع عن تهديداته بتوجيه ضربات فورية لمنشآت الطاقة الإيرانية، بعد إنذار سابق مدته 48 ساعة لإعادة فتح مضيق هرمز، حيث أفسحت هذه القنوات المجال أمام انخراط واشنطن في مسار تفاوضي غير مباشر.
 
كما أشارت الصحيفة إلى أن فتح مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من صادرات النفط العالمية، يمثل محوراً رئيسياً في هذه المفاوضات، إلى جانب مقترحات باستضافة لقاء مباشر بين الجانبين، وسط مؤشرات على قبول مبدئي بالفكرة رغم استمرار التباينات.

استعدادات لمحادثات أميركية إيرانية مباشرة في باكستان

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول إن هناك استعدادات لعقد لقاء مباشر بين ممثلين عن إيران والولايات المتحدة في إطار الجهود الرامية لإنهاء الحرب. 

وأضاف فاديفول، في تصريحات لإذاعة "دويتشلاند فونك": "من المقرر على ما يبدو أن يتم ذلك قريباً، خلال فترة قصيرة، في باكستان" 

مشيراً إلى أنه على حدّ علمه، كانت هناك اتصالات غير مباشرة في السابق، واصفاً ذلك بأنه "بوادر أولى للأمل والثقة".

وأشار فاديفول إلى أنه "من الواضح أنه تم بالفعل تبادل مواقف أولية بشكل مكتوب عبر أطراف ثالثة"، مضيفاً أنه لا يعلم على وجه الدقة "من الذي قام بتيسير كل ذلك". 

كما أشار الوزير الألماني إلى أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد "يقدّم ربما اليوم أيضاً مزيداً من التفاصيل"، مؤكداً أنه من غير المفيد مناقشة مثل هذه الأمور بشكل بالغ العلانية.

ومن المقرر أن يلتقي فاديفول اليوم الجمعة مع وزراء خارجية مجموعة السبع في فو دو سيرناي في فرنسا، لبحث سبل الخروج من حرب إيران، ويشارك روبيو أيضاً في اليوم الثاني من هذه المشاورات. 

كما جدد فاديفول تأكيد انفتاح ألمانيا على تأمين حركة الملاحة في مضيق هرمز بين إيران وشبه الجزيرة العربية بعد انتهاء الحرب، 

وقال: "ما قلناه دائماً هو أنه إذا انتهت هذه الحرب، فإن ألمانيا مستعدة، من حيث المبدأ، للنظر في ما إذا كان بإمكاننا المساعدة في تأمين حركة الملاحة في مضيق هرمز، لكن علينا أولاً أن نصل إلى تلك المرحلة".
 
وقال فاديفول إنه يسعى خلال الاجتماع الحالي لتحالف "مجموعة السبع"، الذي يضم إلى جانب ألمانيا كلاً من فرنسا، وبريطانيا، وإيطاليا، واليابان، وكندا، والولايات المتحدة، إلى مناقشة كيفية الوصول إلى إنهاء الأعمال القتالية، وكذلك معرفة المزيد عن نهج الولايات المتحدة ومصالحها. 

وأضاف الوزير: "سنحرص بالطبع أيضاً على إبراز مصالحنا هناك"، موضحاً أن من بين هذه المصالح الحد ّمن التداعيات الاقتصادية للحرب 

 مشيراً إلى ارتفاع أسعار الوقود مثالاً، مضيفاً أن ذلك لا يمكن الحدّ منه عبر إجراءات قانونية، "بل فقط من خلال إنهاء هذا النزاع".

وكان وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار قد أكد، يوم أمس الخميس، أن محادثات غير مباشرة بوساطة من إسلام أباد تُجرى بين الولايات المتحدة وإيران في مسعى لوضع حد للحرب في المنطقة. 

وكتب دار، وهو أيضاً نائب رئيس الوزراء، على منصة إكس، أن التكهنات حول "محادثات سلام" هي "غير ضرورية". وأضاف: "في الواقع، تجرى محادثات غير مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران عبر رسائل تنقلها باكستان". 

وأوضح أنه "في هذا السياق، قدّمت الولايات المتحدة 15 نقطة يجري التداول بشأنها من جانب إيران. كذلك فإن الدول الشقيقة، تركيا ومصر وغيرهما، تقدّم دعمها لهذه المبادرة". 

وهذه التصريحات أول تأكيد رسمي من إسلام أباد لدور باكستاني في نقل الرسائل بين طهران وواشنطن بشأن الحرب التي أشعلتها الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة قبل شهر.