هل القضية الجنوبية في اليمن ملكية خاصة؟
أتصور أن إشكالية القضية الجنوبية تبدأ، في تقديري، من نقطة تتبدى للوهلة الأولى بدهية، لكنها في عمقها تحمل قدراً معتبراً من التعقيد، إذ لا يمكن فهمها بوصفها مجرد مطالبة سياسية قابلة للإدراج ضمن العملية السياسية التفاوضية الشاملة في اليمن، بل هي في جوهرها سؤال مفتوح حول: طبيعة التمثيل، وحدود المشروعية، وإمكانات إعادة تعريف الذات في سياق "متغير" وواقع "مأزوم".
القضية الجنوبية هنا لا تتعلق فقط بما حدث في الماضي، بل بكيفية استحضار ذلك الماضي في الحاضر، وبالقدرة على تحويله إلى معنى سياسي لا ينغلق على ذاته ولا يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج أزمات سابقة تحت عناوين جديدة حتى وإن تبدت براقة.
دعوني أدخل في صلب الموضوع مباشرة وأقول: القضايا الكبرى حين تطرح في حياة الشعوب، فإنها لا تقاس بمدى انتشارها في الخطاب العام أو بقدرتها على تعبئة المشاعر، بل بمدى قدرتها على إنتاج إطار جامع يوازن بين الحق والتعبير عنه.
بعبارة أخرى أدق: أية قضية لا تنجح في بناء هذا التوازن تظل عرضة لأن تتحول إلى ساحة تنازع بين نخب تدعي تمثيلها، بينما هي في الواقع تعيد تشكيلها وفق مصالحها الخاصة.
وعليه فإن الخطر هنا لا يكمن في تعدد الأصوات بحد ذاته، بل في غياب القواعد التي تضبط هذا التعدد وتحوله بالقدر الكافي من حال صراع إلى حال إثراء سياسي.
يصبح من الضروري، في هذا السياق، التمييز بين عدالة القضية في ذاتها وبين أنماط التعبير عنها، لأن هذا التمييز يمثل نقطة الفصل بين ما هو مبدئي وما هو إجرائي.
فالحق، بوصفه مفهوماً أخلاقياً وسياسياً، لا يكتسب مشروعيته من الخطاب الذي يرفع باسمه، بل من قدرته على أن يكون قابلاً للتعميم من دون إقصاء.
أما حين يتحول الخطاب، أياً كان هذا الخطاب، إلى أداة لاحتكار هذا الحق، فإنه يفقد جزءاً كبيراً من شرعيته، لأن الاحتكار يتناقض مع الطبيعة الجماعية لأية قضية عامة.
هذا التداخل بين الحق والخطاب في اعتقادي يفسر جانباً من الإشكال القائم، إذ يميل بعض النخب السياسية، خصوصاً ممن يتحدثون باسم المجلس الانتقالي الجنوبي سواء الذين قاموا بحله بمن فيهم من صاروا وزراء في الحكومة الجديدة، أو الذين ما زالوا متمسكين به، أو حتى ممن يناصرونه،
إلى إعادة تعريف القضية الجنوبية بطريقة تجعلها أقرب إلى ملكية رمزية، بحيث يمنح حق الحديث عنها لمن ينتمي إلى إطار محدد سلفاً، ويسحب - بكل ببساطة - ممن يختلف معه.
يتبدى التحول هنا من "الدفاع عن قضية" إلى "امتلاكها"، وهو تحول لا يحدث دفعة واحدة، بل يتشكل تدريجاً عبر تراكم ممارسات لغوية وسياسية تعيد رسم حدود الانتماء على نحو ضيق ونافر.
إن فكرة "الملكية السياسية" للقضايا العامة تحمل في داخلها تناقضاً بنيوياً لا يمكن إغفاله، لأن ما هو عام بطبيعته لا يمكن في اعتقادي أن يختزل في إرادة فرد أو جماعة أو حزب أو مجلس من دون أن يفقد معناه.
وحين تختزل القضية الجنوبية في كيان أو قيادة أو خطاب بعينه، فإنها تتحول من فضاء مفتوح إلى بنية مغلقة، تتعامل مع الاختلاف بوصفه تهديداً لا باعتباره مكوناً طبيعياً. وهذا التحول لا يضر فقط بالمستبعدين، بل يضعف أيضاً قدرة القضية نفسها على الاستمرار.
لاحظوا معي من فضلكم أن التناقض الأكثر وضوحاً يظهر حين يرفع شعار الشمول في الظاهر، بينما ترسم حدوده مسبقاً في المضمون، إذ يصبح الحديث عن تمثيل جميع أبناء الجنوب مشروطاً بالانخراط في تعريف محدد للهوية، لم يخضع لتوافق تاريخي أو سياسي شامل.
بعبارة أخرى أدق وأوضح: المثال الذي يطرحه ساسة المجلس الانتقالي حين يقولون إن "الجنوب لن يأتي إلا بجميع أبنائه وقياداته من مختلف المحافظات وفق عقد سياسي اجتماعي جديد"، ثم يعودون في الوقت نفسه ليحددوا مسبقاً الإطار الهوياتي باعتباره "الجنوب العربي"، لأنهم لا يعتبرون أنفسهم يمنيين إنما يكشف عن تناقض منهجي لا يمكن تجاهله.
دعونا نتوقف هنا لنفكر ونتأمل: كيف يستقيم الحديث عن شمول جميع أبناء الجنوب اليمني بينما تفرض مسبقاً تسمية وهوية ليست موضع اتفاق تاريخي أو حتى سياسي؟
وعليه لا يعود الشمول هنا سوى صيغة لغوية تعتبر نفسها حاذقة لكنها تخفي وراءها نزعة إقصائية بائسة، لأن الشمول الحقيقي - ببساطة شديدة - لا يفرض تعريفاً مسبقاً، بل يترك المجال مفتوحاً لتشكله عبر التفاعل بين مكوناته المختلفة.
هذا الخلل المنهجي، لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد اختلاف في وجهات النظر، لأنه يمس الأساس الذي تقوم عليه فكرة التمثيل ذاتها، وهو أمر في غاية الخطورة.
فحين يختزل التعدد في إطار واحد، فإن ذلك لا يعني تنظيمه بقدر ما يعني إلغاءه، وهو ما يحول القضية من مساحة مشتركة إلى مجال مغلق. ومن ثم فإن الإشكال لا يكمن في طرح هوية معينة، بل في فرضها بوصفها الشرط الوحيد للانتماء.
وعند العودة للوقائع التاريخية، تتضح حدود هذا الطرح بصورة أكثر جلاء، إذ إن الكيانات السياسية التي تشكلت في اليمن لم تقم على أساس تعريفات هوياتية مجردة، بل على مسارات تاريخية معقدة أنتجت واقعاً سياسياً محدداً.
لنتذكر أن الوحدة اليمنية، بكل ما ارتبط بها من إشكالات وتعقيدات، جاءت نتيجة اندماج كيانين سياسيين واضحين، الجمهورية العربية اليمنية في الشمال وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الجنوب، وليس نتيجة إعادة إحياء مسمى تاريخي بعينه،
مما يجعل القفز على هذه الحقيقة نوعاً من إعادة تشكيل التاريخ وفق حاضر متنازع وغير متفق في شأنه.
ولذلك فإن استخدام التاريخ هنا، كأداة لإضفاء الشرعية على تصورات آنية، لا يمثل فقط قراءة انتقائية، بل يعكس توجهاً نحو تحويله إلى "مادة للصراع" بدلاً من أن يكون "مرجعاً للفهم".
والتاريخ حين يعاد تشكيله وفق الرغبات، يفقد قدرته على تفسير الواقع، ويصبح في تصوري مجرد وسيلة بائسة لتبرير مواقف مسبقة، وهو ما يفاقم من حال الانقسام بدلاً من أن يسهم في معالجتها.
فضلاً عن ذلك، هذا الاستخدام الأداتي للتاريخ يتقاطع مع نزعة أخرى تتمثل في تبسيط الواقع إلى حد الإخلال بطبيعته، إذ يتم اختزال الجنوب في صورة واحدة، على رغم أنه في حقيقته فضاء متنوع تشكل عبر عقود من التفاعلات المختلفة.
وهذا التنوع لا يمكن تجاوزه أو تجاهله من دون أن يؤدي ذلك إلى إقصاء مكونات أساسية، مما يعيد إنتاج الأزمات ذاتها التي نشأت في ظلها القضية، وكأن هناك من يريد إعادة عجلة التاريخ للوراء، إلى زمن صوت الحزب الديكتاتوري الذي لا يعلو فوق صوته صوت.
لاحظوا من فضلكم أن تجاهل التعدد لا يؤدي فقط إلى إضعاف التمثيل، بل يعيد إنتاج أنماط من المركزية سبق أن أثبتت فشلها، لأن المركزية المستندة إلى الصوت الواحد اللاغي لما عداه، مهما اختلفت شعاراتها، تقوم على الفكرة ذاتها: احتكار تعريف الواقع من موقع واحد.
وهذا الاحتكار في يقيني لا يمكن أن ينتج استقراراً، لأنه ببساطة شديدة يتعارض مع طبيعة المجتمعات المركبة التي لا يمكن اختزالها في صوت واحد.
ولهذا فإن الدفاع الحقيقي عن القضية الجنوبية في جنوب اليمن لا يكون عبر تبني "خطاب إقصائي مضاد"، بل عبر حماية معناها من الانغلاق، لأن القضية التي تفقد قدرتها على استيعاب التعدد تتحول تدريجاً إلى إطار ضيق يفقد مبرراته الأخلاقية والسياسية،
ولذلك فإن التحدي لا يكمن في مواجهة الخصوم بقدر ما يكمن في الحفاظ على اتساع الفضاء الذي تنتمي إليه القضية.
في هذا السياق، المشار إليه أعلاه، يصبح الاعتراف بالتعدد ضرورة لا مفر منها قبل أن يكون خياراً سياسياً، لأنه يعيد تعريف القضية بوصفها فضاء مفتوحاً لا كياناً مغلقاً،
فضاء رحباً تتقاطع فيه الهويات والتجارب من دون أن يلغي أحدها الآخر، وهو ما يمنحها القدرة على الاستمرار بوصفها إطاراً جامعاً لا مجرد عنوان لصراع جديد.
من هذا المنطلق، الموضح أعلاه، يمكن القول إن الجنوب سيرورة تاريخية واجتماعية مفتوحة، تتشكل باستمرار عبر التفاعل بين مكوناته المختلفة.
وهذا ما يجعل أية محاولة لاحتكاره، سواء من المجلس الانتقالي الجنوبي أم غيره من الكيانات أو الأحزاب أو المجالس، لا تعبر عن قوته، بل عن هشاشة الفكرة التي تستند إليها.
ولذلك أقولها مجدداً بصفتي جنوبياً ومسقط رأسي "كريتر" قلب "عدن" النابض: الاعتراف بتعدد الجنوب ليس مجرد موقف سياسي، بل شرط أخلاقي وفلسفي لأي مشروع يدعي تمثيله،
لأن الجنوب - في نهاية المطاف - ليس تنظيماً ولا حزباً ولا قيادة بعينها، بل فضاء مفتوح تتقاطع فيه الهويات والمصالح والتجارب، وأية محاولة لاختزاله في صوت واحد لا تفقره فحسب، بل تحوله إلى أداة لإقصاء كل مختلف ومغاير.
وعليه فإن الجنوب لا يمكن أن يكون ملكية خاصة، لأن ملكية القضايا العامة تعني نهايتها. وما يبقي القضية حية هو قدرتها على أن تظل مفتوحة، قابلة للنقاش الإيجابي، ومحمية من كل محاولة للاحتكار أياً كان مصدرها أو مبررها.
سامي الكاف
صحافي وكاتب يمني