حرب إيران تفضح أوروبا: هشاشة الموقف والنفط
"حرب إيران ليست حربنا". قد يكون هذا هو الموقف الجماعي الذي أشاعته الدول الأوروبية منذ بداية الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران، في 28 فبراير/شباط الماضي،
لا سيما بعد الضربة الأولى الإسرائيلية على مقر المرشد الإيراني علي خامنئي، والتي أدّت إلى مقتله صباح السبت في 28 فبراير، من دون أن تحدث الأثر المرجو غربياً وإسرائيلياً بإسقاط النظام دفعة واحدة.
وبينما لم تُستَشر هذه الدول، وعلى رأسها فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا، أميركياً وإسرائيلياً قبيل الحرب، ولم تدع للمشاركة، تسير الدول الأوروبية اليوم على خيط رفيع، لمواكبة الحرب،
محاولةً في اجتماعات متلاحقة، بلورة تصور واضح لليوم التالي، في ما له علاقة بموقفها من إيران، وعلاقاتها بدول الخليج التي تتعرض لاعتداءات إيرانية، ومنطقة الشرق الأوسط،
ومع إدارة دونالد ترامب، بانتظار الكلمة الفصل في الميدان، وما ستقف عليه الدقائق الأخيرة من الحرب.
وبينما تتربع أزمة النفط العالمية التي أحدثتها الحرب على اهتمامات القارة العجوز، مع إحساسها بالهشاشة النفطية، وبدء سحبها من الاحتياطات، تنشغل دولها الكبرى في محاولة رسم خريطة تموضع تمهيداً لبروز نتائج الحرب، التي يبدو أنها وضعت إدارة ترامب في موقف دفاعي، بعدما كان يعتقد أنه سيقطف ثمارها منذ الدقائق الأولى.
هذا الوضع سمح حتى الآن لبعض أوروبا، بأن تشعر بأنها تقف على الجانب الصحيح من الأزمة، لا سيما أن علاقتها بترامب شابها الكثير من التوتر قبيل بدء العدوان، رغم أنها لا تزال ترى أن أي فشل للحملة سيشكّل فشلاً للغرب الجماعي.
مواقف أوروبية من حرب إيران
وفي حين أن الموقف الإسباني من حرب إيران كان مبدئياً منذ اللحظة الأولى، ومنسجماً مع سياسات حكومة بيدرو سانشيز اليسارية الخاصة بالشرق الأوسط، تتشابه المواقف الفرنسية والإيطالية والألمانية من العدوان على إيران، في أنها حمّلت جميعها المسؤولية لطهران لفظياً منذ اليوم الأول للحرب،
في التصعيد الجاري، مطالبةً بأن تتخلى إيران نهائياً عن برنامجها الصاروخي وطموحاتها النووية ودعم من تسميهم وكلاءها في المنطقة.
وهذه المطالب، ظلّت أوروبية بامتياز منذ توقيع إيران الاتفاق النووي عام 2015، وأبدت فرنسا في ذلك الوقت امتعاضاً ضمنياً من الاتفاق، فيما كان مطلب تقييد برنامج إيران الصاروخي على رأس أولويات خصوم طهران.
ومع بداية العدوان الحالي، حمّلت إيران على لسان مسؤوليها، الدول الأوروبية، المسؤولية عن تهيئة الأرضية للعدوان.
وبعد مرور نحو أسبوعين على حرب إيران الثانية، تبدو الدول الأوروبية الكبرى اليوم، أكثر قناعةً بضرورة عدم الانخراط فيها،
في وقت تحاول فرنسا بلورة خطط لحماية السفن المبحرة في مضيق هرمز، لم تجد بعد لها ترجمة على الأرض، رغم تكثيف الانتشار الحربي البحري الفرنسي في المنطقة.
وإذا ما تمّ تحييد الدعم الاستخباري المُمكن لتل أبيب وواشنطن، فإن هذه الدول، تتخذ موقف المتفرج من الحرب، و"الدفاعي" غير المتقدم،
وهو ما تبدّى مع اعتبار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أول من أمس الأربعاء، أنه "لا يملك أي تأكيد" بشأن زرع إيران ألغاماً بحرية في هرمز،
معتبراً في اتصال مع قادة مجموعة السبع، أن الضربات الجوية "لم تقض تماماً" على القدرات العسكرية الإيرانية، داعياً ترامب إلى "توضيح أهدافه النهائية والوتيرة التي يريد أن يمنحها للعمليات".
واعتبر أن "أضراراً جسيمة" قد تكون لحقت بقدرات إيران العسكرية البالستية، إلا أنه أكد أن "طهران تواصل مهاجمة العديد من الدول بالمنطقة".
من جهتها، أكدت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، الأربعاء، في كلمة أمام البرلمان، أن بلادها لا تشارك ولا تنوي المشاركة في حرب إيران.
وأضافت: "أتذكر أننا استضفنا محادثات نووية (إيرانية أميركية) مرتين في روما، ومنذ البداية دعمنا كل مجهود لتسهيل ذلك، وأبقينا لوقت طويل على خط تواصل مع طهران".
وكانت ميلوني أكدت قبل ذلك، أن بلادها لم تتلقَ أي طلب أميركي لاستخدام القواعد الموجودة في إيطاليا لشنّ هجمات على إيران.
وتعدّ ميلوني حليفة وثيقة لترامب، وممثلة عن تيار اليمين المتطرف في بلادها، إلا أن أي انخراط في الحرب سيعيد إلى الأذهان في البلاد الغضب الشعبي من الموقف الإيطالي من حرب غزة،
كما أن أي استثمار في مجهود الحرب قد يقود ميلوني للغرق في مستنقع لا يشكّل أولوية لمصالح بلادها الأمنية القومية.
وتعدّ روما منذ خمسينيات القرن الماضي أقرب إلى طهران من دول أوروبية أخرى، ولطالما حافظ البلدان على خطوط تواصل جيّدة. وكانت إيران أبدت رغبة في أن تكون إيطاليا جزءاً من الاتفاق النووي.
وإثر توقيع الاتفاق، كانت أول زيارة أوروبية للرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني إلى روما (يناير/كانون الثاني 2016،
وكانت أول زيارة لرئيس إيراني إلى أوروبا منذ 16 عاماً)، حيث أثارت زيارته جدلاً بسبب تغطية تماثيل عارية من أجله، فضلاً عن توقيع البلدين حينها اتفاقات استثمارية كبيرة.
وبحسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز نشر أمس الخميس، فإنه بينما لم يطلع ترامب أياً من حلفائه الغربيين على خطط الهجوم قبل بدئه، تلقى عدد منهم "اتصالات مجاملة" قبل وقت قصير من شنّ الحرب،
ما عدا الإيطاليين، ما عرّض ميلوني لسخرية من خصومها الداخليين، بعدما اضطر وزير الدفاع غيدو كروسيتو لأن يتم إجلاؤه مع عائلته من دبي مع بداية الحرب.
وكان كروسيتو أكد أن الهجوم على إيران تخطى كل حدود القانون الدولي.
وذكّرت الصحيفة بأن ميلوني لا ترغب أن تفقدها الحرب شعبيتها، واصفة رغم ذلك موقفها من الحرب بأنه متناقض لأنها لم تدنها صراحةً.
وبحسب ماريانجيلا زابيا، سفيرة إيطاليا السابقة في الولايات المتحدة، فإن ميلوني تتفق مع ترامب حول مسألة الحرب الثقافية والهجرة أكثر من السياسة الخارجية.
وتبقى حكومة سانشيز الإسبانية، الأكثر انسجاماً مع سياساتها الخارجية، وهو ما عبّرت عنه خلال العدوان على غزة، ومع إيران اليوم،
علماً أنها أنهت أول من أمس، رسمياً مهام سفيرتها لدى إسرائيل أنا ماريا سالومون بيريز، بعدما استدعتها إلى مدريد منذ سبتمبر/أيلول الماضي على خلفية توتراتها مع تل أبيب.
وساد خلال الأيام الماضية التوتر بين مدريد وبرلين، على خلفية الحرب على إيران.
واعتبرت نائبة رئيس الوزراء الإسباني يولاندا دياز، أول من أمس، أن المستشار الألماني فريديرتش ميرز واحد من عدد من القادة الأوروبيين "الذين لا يملكون أدنى فكرة عن كيفية إدارة هذه اللحظة التاريخية"،
مضيفة أن "ما تحتاجه أوروبا اليوم هو قيادة لا أتباع يُظهرون الولاء لترامب".
وكان مجلس العلاقات الخارجية البحثي الأميركي اعتبر في 6 مارس/آذار الحالي، أن الحرب على إيران قسّمت أوروبا.
ووجد أن ردات الفعل الأوروبية على الحرب تبقى منقسمة بشدّة حول مسائل التدخل العسكري واستخدام القوة، فيما يُظهر عدم قدرة القارة على توحيد موقفها حقيقة أنها "تملك وزناً استراتيجياً محدوداً وعلاقة تزداد توتراً مع أميركا".