الدولة حين تُدار بعقلٍ وأحد !!
الأحادية الفكرية وأزمة إدارة التنوع في المجتمع اليمني
ليست مشكلة المجتمعات في وجود الاختلاف
بل في الطريقة التي يُدار بها هذا الاختلاف.
فالتنوع في الاجتهادات والمذاهب ظاهرة طبيعية في تاريخ الفكر الإسلامي
نتجت عن اختلاف العقول والبيئات وطرق فهم النصوص.
وقد عاش المجتمع الإسلامي قرونًا طويلة وهو يحتضن مدارس فقهية متعددة دون أن يتحول هذا التنوع إلى أزمة.
لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الاختلاف الفكري إلى مشروع أحادي يسعى لفرض تفسير واحد للدين
ثم يجعل من هذا التفسير أساسًا لإدارة الدولة ومؤسساتها.
وفي واقعنا لم يعد الخلاف المذهبي مجرد نقاش علمي بين مدارس فقهية
بل أصبح في كثير من الأحيان مدخلًا لإعادة تشكيل السلطة نفسها.
حينها لا يعود الدين مصدرًا للقيم التي تضبط عمل الدولة
بل يتحول إلى إطار أيديولوجي تُدار من خلاله المؤسسات العامة وفق رؤية فكرية واحدة.
القرآن حين تحدث عن الاختلاف لم يقدّمه كخلل ينبغي إلغاؤه
بل كجزء من طبيعة الاجتماع الإنساني:
{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ}.
هذه الحقيقة تعني أن التنوع في الفهم ليس استثناءً بل هو القاعدة.
ولذلك فإن المنهج القرآني لم يقم على إلغاء الاختلاف بل على ضبطه. فالمرجعية واحدة كما يقول تعالى:
{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}،
لكن فهم النصوص يظل مجالًا للاجتهاد البشري.
غير أن المشكلة تظهر عندما يتحول الاجتهاد إلى هوية سياسية
ويصبح المذهب إطارًا لإدارة الدولة.
عند هذه النقطة تبدأ المؤسسات العامة بالتحول تدريجيًا من مؤسسات وطنية تمثل المجتمع كله إلى أدوات تعكس رؤية فكرية محددة.
في هذه الحالة لا تعود معايير بناء الدولة الحديثة
(مثل الكفاءة، وسيادة القانون، والمواطنة المتساوية )
هي الأساس في إدارة المؤسسات
بل تتقدم عليها معايير الولاء والانتماء الفكري أو المذهبي.
وهنا تنتقل المشكلة من مستوى الفكر إلى مستوى بنية الدولة نفسها.
الدولة التي تُدار بعقلية أحادية قد تنجح مؤقتًا في فرض رؤيتها
لكنها في المدى البعيد تفقد قدرتها على تمثيل المجتمع بكل مكوناته.
لأن المجتمع بطبيعته أوسع من أن يُختزل في تفسير واحد أو رؤية واحدة.
ولهذا لم يجعل القرآن وحدة المجتمع مرهونة بتوحيد الأفكار
بل بتوحيد القيم الكبرى التي تجمع الناس:
{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}.
فالاعتصام هنا ليس فرضًا قسريًا لرأي واحد
بل اتفاق على المبادئ الجامعة التي تحفظ وحدة المجتمع
مع بقاء مساحة الاجتهاد مفتوحة.
المجتمعات القوية لا تُبنى على الأحادية الفكرية
بل على القدرة على إدارة التنوع.
أما حين تتحول الدولة إلى أداة لترسيخ فكر واحد
وتُقدَّم معايير الولاء على مبادئ بناء الدولة
فإن الخلاف المذهبي يتحول من تنوع فكري طبيعي إلى أزمة سياسية واجتماعية تعصف بوحدة المجتمع وتضعف مؤسساته.
وعندها لا يكون الخلاف في الفقه أو المذهب هو المشكلة الحقيقية
بل في تحويل هذا الخلاف إلى إطار لإدارة الدولة نفسها.
لأن الدولة التي تُدار بعقلٍ واحد
سرعان ما تجد نفسها في مواجهة مجتمع متعدد لا يمكن اختزاله في صوت واحد ولا في رؤية واحدة.
أ. حميد القهالي