Logo

القضية الجنوبية من الشعار إلى امتحان الدولة

 أعتقد أنه في السياسة لا يكفي أن تكون القضية عادلة في أصلها كي تظل كذلك في مآلها، فعدالة الفكرة تُختبر حين تنتقل من حيز الاحتجاج إلى فضاء السلطة، ومن لغة الهوية إلى منطق الدولة، وفي تلك اللحظة الفاصلة بين الشعار والقسم، يتعرى المعنى من زخرفته البلاغية ويعاد تعريفه تحت ضغط الالتزام الدستوري ومقتضيات الإدارة العامة.

المسألة إذاً باختصار ليست في ما يقال عن القضية بل في ما تفعله حين تُمنح سلطة القرار، فهل تنسجم مع الإطار الذي تعمل داخله أم تبقى معلقة بين "مشروعين متوازيين لا يلتقيان"؟ 

ومن هذا السؤال تبدأ القراءة التحليلية لهذه المقالة لأن فهم طبيعة التحول أو غيابه هو المدخل الوحيد في تصوري لتقدير ما إذا كانت القضية قد نضجت لتصبح جزءاً من الدولة، أم لا تزال تقف على عتبة التعريف.

في الواقع أرى أن السياسة كما الأخلاق لا تُقاس صدقية قضاياها بعلو الشعارات ولا بكثافة الحشود، بل بقدرتها على الاتساق حين تتبدل المواقع وتتغير الأدوار، فالقضية التي تبدو صلبة في ساحة الاحتجاج قد تتعرض لاختبار المعنى عندما تنتقل إلى موقع القسم الدستوري ومقتضيات الإدارة، 

وعليه يبرز السؤال الجوهري: ماذا يحدث للقضية حين تعبر من وعد الهوية إلى مسؤولية الدولة؟ أهو تحول في تعريفها أم امتحان لقدرتها على البقاء بالمعنى ذاته تحت سقف الشرعية؟

في الواقع هذه المسافة بين الفكرة وممارستها ليست تفصيلاً إجرائياً بل هي المسافة التي يتحدد فيها صدق المشروع من عدمه، ففي هذه المنطقة الرمادية بين الخطاب والقرار تتكشف حدود الانسجام بين المعلن والملزِم، بين الرغبة في إعادة التعريف وضرورات الواقع الدستوري، 

ومن ثم فإن التأمل الهادئ في طبيعة "القضية الجنوبية" في اليمن لا ينبغي في تصوري أن يكون انفعالياً بل تحليلياً، يضع المفهوم ذاته تحت مجهر الفحص لا الأشخاص ولا النيات، 

أما إذا طُرح السؤال من زاوية الزمن فقد يقال: هل تختلف القضية في شهر المراجعة الأخلاقية عنها في سائر الأيام؟

بيد أن الزمن في ذاته ليس هو المعيار، فالقضايا بوصفها تعبيراً عن مظلومية متراكمة وحق سياسي يراه أصحابه أصيلاً، 

وهو كذلك فعلاً، يُفترض من وجهة نظري كـ "جنوبي ومسقط رأسي عدن" أن تكون ثابتة في جوهرها، وتضع الخطاب أمام ميزان الاتساق: هل ما يُقال في ساحات التعبئة هو ذاته ما يُمارس في دوائر القرار؟

وعليه، لا بعود السؤال هنا وعظياً، بل فلسفياً وسياسياً في آن، إذ أراه يتصل بعلاقة الفكرة بسلوك حامليها، فالفكرة في تصوري لا تُختبر حين تكون في موقع المعارضة بل حين تنتقل إلى موقع المسؤولية، 

وهناك فقط تتعرى من فائض البلاغة وتُقاس بقدرتها على الصمود أمام إكراهات الواقع.

وفي الحال اليمنية يتجلى هذا الانتقال بوضوح في مسار بعض القيادات المنتمية إلى المجلس الانتقالي الجنوبي المعلن عن حله، والذي كان هدفه المعلن إقامة "دولة الجنوب العربي"، 

بينما العَلم الذي يرفعه هذا المجلس خاص بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، بما يحمله ذلك من دلالات رمزية وتاريخية معقدة.

غير أن اللحظة المفصلية لا تكمن في الرمز بل في القسم، فعندما يؤدي وزراء منتمون إلى هذا الكيان المحلول الذي يدعو إلى اقامة دولة الجنوب العربي اليمين الدستورية للجمهورية اليمنية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي،

 فإنهم لا ينجزون إجراء بروتوكولاياً وحسب، بل يدخلون في إطار قانوني يعترف بشرعية الدولة القائمة ووحدتها وسلامة أراضيها وفق نص القسم، 

وعليه يتحول السؤال من خطاب سياسي إلى إشكال مفاهيمي: هل أعيد تعريف القضية الجنوبية في ضوء هذا الالتزام الدستوري؟ أم بقي مفهوم "الجنوب العربي" يعمل كخطاب مواز داخل بنية دولة يُقسَم على احترامها؟

إن الشرعية في السياق العام، ضمن منطق الدولة الحديثة، لا تحتمل ازدواجية المرجعيات، فالدولة باعتبارها كياناً قانونياً تفترض وحدة في مصدر القرار ووحدة في تعريف الإطار السيادي، 

وفي الحال اليمنية فإن رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي ورئيس وأعضاء مجلس الوزراء يستمدون شرعيتهم من الإعلان الدستوري الصادر في السابع من أبريل (نيسان) 2022، 

أما الجمع بين مشروع انفصالي مُعلن وممارسة السلطة داخل الدولة ذاتها فيفرض مراجعة صريحة، لا من باب التخوين أو الاتهام بل من باب الاتساق المنطقي، 

إذ لا يمكن لفكرتين متعارضتين في تعريف الكيان السياسي أن تعملا في الوقت ذاته من دون أن تنتجا توتراً بنيوياً ربما يقود إلى صدام من جديد.

فضلاً عن ذلك فإن هذا التوتر لا يُقاس في المنصات الخطابية بل في مكاتب العمل التنفيذي في عدن، العاصمة الموقتة للجمهورية اليمنية، فهناك في تفاصيل القرار الإداري تتبدى حقيقة التحول من عدمه،

 والقضايا في اعتقادي لا تُختبر بنقاء شعاراتها بل بقدرتها على تحسين شروط العيش وإدارة الموارد بعدالة والاستجابة لمعاناة الناس ومتطلباتهم المعيشية من دون تمييز، وهنا فقط يتقدم معيار الدولة على معيار الهوية.
 
وإذا كان تعريف القضية قد خضع فعلاً لمراجعة ضمنية بفعل القسم والمسؤولية المترتبة على ذلك القسم، فسينعكس ذلك في سياسات عامة تتجه نحو خدمة المواطن بوصفه مواطناً لا بوصفه تابعاً لراية أو خطاب، 

أما إذا بقي التعريف معلقاً بين مشروع "الجنوب العربي" ومتطلبات الدولة اليمنية، فإن الفجوة بين الرمز والواقع ستتسع وسيغدو الخطاب عبئاً على الممارسة بدلاً من أن يكون موجهاً إليها.

وعند هذه النقطة، وفق ما هو موضح أعلاه، يتجاوز السؤال شهر المراجعة أو أي ظرف زماني آخر ليصبح سؤالاً عن معنى الالتزام ذاته حين يوضع تحت اختبار السلطة، 

فالسلطة هنا ليست مفهوماً مجرداً بل هي سلطة مجلس القيادة الرئاسي، بما يمثله من إطار شرعي انتقالي وفق نص إعلان نقل السلطة، وعلى رأسه شخصية أكاديمية وسياسية مثل رشاد العليمي الحاصل على الدكتوراه في علم الاجتماع، 

أي أن فهمه المفترض لبنية المجتمع وتعقيداته يضع على عاتقه مسؤولية مضاعفة في إدارة التباينات بحكمة داخل إطار الدولة.

غير أن التحليل لا يكتمل إذا اقتصر على طرف دون آخر، فالمسؤولية في تصوري لا تقع على عاتق من دخل مؤسسات الدولة وحسب، بل أيضاً على من يمثل الشرعية برمتها، إذ إن حفظ الأمن وتحقيق الاستقرار في المناطق المحررة ليس شأناً فئوياً بل شرط لازم لاستعادة معنى الدولة ذاتها.

الدولة لا تستعاد بالخطاب بل بفرض النظام العام وحمايته وإعادة بناء المؤسسات واحتكار استخدام القوة المشروعة في إطار القانون، ومن دون ذلك تبقى أية قضية، جنوبية كانت أو وطنية، معلقة في فضاء الرموز،

 أما الطريق العقلاني فيقتضي استكمال معركة استعادة الدولة ممن انقلب عليها بقوة السلاح في الـ 21 من سبتمبر (أيلول) عام 2014، ثم الذهاب إلى طاولة مفاوضات لبدء عملية سياسية تقوم على حوار، عملية سياسية جادة لا تستثني أحداً، بحثاً عن حل عادل وشامل ومستدام، 

حل يحفظ أمن اليمن وأمن جواره بالضرورة، لأن استقرار الدولة الوطنية ليس مسألة داخلية وحسب، بل هو عنصر مهم في توازن إقليمي أوسع.

في نهاية المطاف أرى أن المسألة ليست في صدقية الشعار ولا في حرارة اللحظة، بل في قدرة الفكرة على أن تتحول إلى نظام عادل ومنصف يحمي الجميع، فحين تنتقل القضية من الاحتجاج إلى الحكم تصبح في تصوري محكومة بقواعد أخرى: قواعد الاتساق والمسؤولية والالتزام، وهناك فقط يُحسم السؤال: هل تغير التعريف أم انكشف المعنى؟

سامي الكاف 
صحافي وكاتب يمني