صوت خافت للدبلوماسية في زمن الحرب على إيران
في وقت تشتعل فيه المنطقة بالأجواء الحربية، منذ بدء الحرب على إيران يوم السبت الماضي، بعد ثلاث جولات من المفاوضات بين واشنطن وطهران والحديث عن تحقيق تقدم فيها للتوصل إلى اتفاق، وفي خضم تهديدات متبادلة،
واتساع رقعة الحرب لتطاول مختلف دول المنطقة، وتحديداً سلطنة عمان وقطر اللتين كانتا الطرفين الأبرز في التوسط بين إدارة دونالد ترامب وطهران،
في هذه الأجواء يعود الحديث عن إمكان إنهاء الصراع القائم عبر الدبلوماسية، خصوصاً مع تصريح واضح لترامب بأن الإيرانيين "يريدون الحوار"،
وهو ما سارع أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، لنفيه، قائلاً "لن نتفاوض مع الولايات المتحدة"،
على الرغم من أن وزير الخارجية عباس عراقجي كان قد سبقه بيوم معلناً انفتاح الجانب الإيراني على أي جهود جادة تسهم في وقف التصعيد والعودة إلى الاستقرار.
وفي ظل هذا التضارب في التصريحات وعدم اتضاح ما إذا كان يعكس تبايناً في الرؤى بين المسؤولين الإيرانيين أو متعمداً،
يبقى الرهان من أطراف النزاع على تغير المعطيات القائمة مع محاولة واشنطن فرض تفوقها العسكري مقابل سعي طهران للصمود وإيلام الطرف الآخر، ليحاول كل منهما فرض شروطه في أي مفاوضات مستقبلية.
فرص التفاوض خلال الحرب على إيران
وفي ظل استمرار الحرب على إيران برز ما كشفته صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية أمس الأحد، نقلاً عن مصادر من أن مسؤولين أميركيين تصوروا عشية الضربة على إيران، عملية تستغرق من أربعة إلى خمسة أيام لإعادة طهران المنهكة إلى طاولة المفاوضات.
ووفقاً لما نقلت الصحيفة عن أحد المصادر، "قدّم مسؤول أميركي اقتراحاً من خلال وسيط، على ما يبدو إيطاليا، بالتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار اليوم (الأحد) أو غداً (اليوم الاثنين) إلا أن إيران رفضت الفكرة رفضاً قاطعاً".
في المقابل، كان ترامب يقول مساء الأحد لمجلة ذي أتلانتك، مشيراً إلى المسؤولين الإيرانيين، "إنهم يريدون الحوار، وقد وافقتُ على ذلك، لذا سأجري محادثات معهم.
كان ينبغي عليهم فعل ذلك في وقت أبكر. كان ينبغي عليهم تقديم ما هو عملي وسهل التنفيذ في وقت أبكر. لقد انتظروا طويلاً".
كما ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية نقلاً عن مسؤولين عرب وأميركيين لم تسمهم أن لاريجاني بادر بمحاولة جديدة من أجل استئناف المفاوضات النووية مع واشنطن. وأضافت أن هذا التواصل جرى عبر وسطاء عُمانيين.
لكن لاريجاني، رد في منشور على "إكس" اليوم قائلاً: "نحن لن نتفاوض مع الولايات المتحدة". وفي منشور آخر، قال لاريجاني إن "ترامب بأمنياته الواهية أشعل الفوضى بالمنطقة ويخشى المزيد من القتلى بين قواته"،
مضيفاً: "ترامب بأدائه الواهم حوّل شعاره "أميركا أولاً" إلى "إسرائيل أولاً" ويضحي بالجنود الأميركيين فداء لسياسة إسرائيل التوسعية". وشدد على أن "إيران تدافع عن نفسها وهي لم تبدأ الحرب".
وعلى الرغم من نفي لاريجاني التفاوض، فإن وزير الخارجية عباس عراقجي كان قد أجرى أمس الأحد اتصالاً بنظيره العماني بدر البوسعيدي أكد فيه انفتاح الجانب الإيراني لأي جهود جادة تسهم في وقف التصعيد والعودة إلى الاستقرار.
كما أعرب عن تقدير طهران لدور مسقط البنّاء ومساعيها الدبلوماسية المتواصلة الرامية لنزع فتيل الأزمة الراهنة والعودة إلى مسار الحوار والتفاوض.
من جهته، أكد البوسعيدي في تصريح اليوم أن باب الدبلوماسية لا يزال مفتوحاً لحل النزاع بين الولايات المتحدة وإيران، مجدداً ثقته بقدرة المسار الدبلوماسي في هذا الشأن.
وأفادت وكالة الأنباء العمانية، بأن البوسعيدي أشار إلى أن المحادثات التي عقدت في جنيف كانت قد أحرزت تقدماً حقيقياً نحو اتفاق غير مسبوق بين الجانبين، موضحاً أنه رغم تعثر الأمل في تجنب الحرب، إلا أن ذلك لا يعني انطفاء الأمل في السلام.
وتابع: "ما زلت أؤمن بقدرة الدبلوماسية على حل هذا الصراع. وكلما أسرعنا في استئناف المحادثات كلما كان ذلك أفضل للجميع".
من سيحاور ترامب؟
ولم يتضح بعد من هم الأشخاص الذين يرغب ترامب في محاورتهم في ظل استمرار الحرب على إيران. ففي الآونة الأخيرة، تفاوضت الولايات المتحدة مع إيران عبر وزير الخارجية عباس عراقجي بوساطة عُمانية.
ولكن في أعقاب اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في الغارات الجوية الأميركية الإسرائيلية على طهران، بات المسار المستقبلي للبلاد غير واضح.
وحتى يتم تعيين قائد جديد لإيران، سيتولى مجلس ثلاثي قيادة إيران، ويتألف من الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي، وعلي رضا أعرافي، العضو في مجلس صيانة الدستور.
وفي سياق متصل، برز اليوم قول المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية القطرية ماجد الأنصاري في تصريحات لشبكة سي أن أن الأميركية إنه في النهاية سيتم حل هذه الأزمة على طاولة الحوار، معلناً في المقابل عدم وجود تواصل قطري مع الحكومة الإيرانية حالياً.
كما قال مجلس الشورى القطري، في بيان، إن دولة قطر دأبت على الاضطلاع بدور بنّاء ومسؤول في تيسير الحوار بين إيران والمجتمع الدولي،
وسعت على الدوام إلى تجنيب المنطقة مخاطر التصعيد، انطلاقاً من نهجها الثابت القائم على تسوية النزاعات بالوسائل السلمية وتعزيز الاستقرار الإقليمي، مجدداً دعوته إلى الوقف الفوري للهجمات، والعودة إلى طاولة الحوار، بما يحفظ أمن المنطقة ويصون مصالح شعوبها.
بالتوازي مع ذلك، تتواصل المواقف الداعية للحوار ولو أن لغة الحرب على إيران تهيمن في الفترة الراهنة. وألمح مصدر بريطاني تحدث لـ"العربي الجديد" طالباً عدم ذكر اسمه، إلى وجود اتصالات مباشرة بين لندن وطهران بشأن التطورات الجارية.
وقال: "لقد أوضحنا موقفنا بوضوح تام لطهران بشأن ضرباتها العشوائية"، مضيفاً: "لا تزال تربطنا علاقات دبلوماسية" مع إيران.
يُذكر أن بريطانيا أغلقت سفارتها في طهران مؤقتاً قبيل بدء العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران. غير أن السفارة "تواصل العمل عن بعد"، كما أعلنت وزارة الخارجية في وقت سابق.
وكان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر قد "دان بشدة" هجمات إيران على ما وصفهم بشركاء بريطانيا في أنحاء المنطقة، والذين قال إن "الكثير منهم ليسوا أطرافاً" في هذا النزاع. وعبر عن "الدعم والتضامن" معهم.
كما أبلغ وزير الخارجية الصيني وانغ يي، نظيره العماني بدر البوسعيدي، اليوم، نيّة بكين "أداء دور بناء" في اتجاه وقف الحرب في الشرق الاوسط، وفق ما نقلت قناة سي سي تي في الرسمية.
وقال الوزير الصيني لنظيره العماني إن بكين "تدعم عُمان (...) في مواصلة عملها من أجل تعزيز السلام". وأضاف أن "الصين تنوي أيضاً أداء دور بناء يشمل دعم العدالة والسعي إلى السلام ووقف الحرب عبر منصة مجلس الأمن الدولي".
كما أبلغ وزير الخارجية الصيني نظيره الإيراني عباس عراقجي أن بكين تدعم طهران "في الدفاع عن سيادتها" في مواجهة الهجوم الأميركي الإسرائيلي، بحسب ما أفاد الإعلام الرسمي.
ونقلت قناة سي سي تي في الصينية أن وانغ قال لنظيره في اتصال هاتفي إن بكين "تقدّر الصداقة التقليدية بين الصين وإيران، وتدعم إيران في الدفاع عن سيادتها وسلامة أراضيها وكرامتها الوطنية".
وفي سياق قريب، دعت الخارجية الروسية إلى وقف لإطلاق النار في الشرق الأوسط، منددة بمهاجمة أهداف مدنية في أنحاء المنطقة.
من جهته، قال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إن روسيا على اتصال مستمر مع مسؤولي إيران بشأن ما وصفه بأنه "عدوان صريح" على طهران وعبر عن خيبة أمله الشديدة من تطور الأحداث.
وقال بيسكوف إن روسيا تحلل الوضع وتستخلص استنتاجاتها الخاصة، بعد أن قررت واشنطن شن ضربات على إيران، على الرغم مما اعتبرته موسكو محادثات واعدة.
وأضاف للصحافيين "بالنسبة للمفاوضات التي توسطت فيها عمان بين الولايات المتحدة وإيران، يمكننا بالتأكيد أن نعبر عن خيبة أملنا العميقة لأن الوضع تدهور إلى عدوان صريح، على الرغم من التقارير التي تفيد بتقدم كبير في هذه المفاوضات".
ومضى قائلاً "لا أستطيع إلا أن أقول إننا على اتصال مستمر مع القيادة الإيرانية ونناقش الوضع المحيط بهذا البلد. وفي الوقت نفسه، نواصل حوارنا مع قيادات البلدان المتأثرة بالصراع، بمن فيهم دول الخليج".
إلى ذلك، دعا المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي للعودة إلى مسار الدبلوماسية والمفاوضات، وذلك في مستهل جلسة خاصة لمجلس حكام الوكالة لبحث ملف إيران في فيينا اليوم الاثنين.
وقال غروسي: "أكرر دعوتي لجميع الأطراف لممارسة أقصى درجات ضبط النفس لتجنّب مزيد من التصعيد".