Logo

ترامب في خطاب حال الاتحاد: شعبوية وأكاذيب وتلميع لسجل عامه الأول

 لم يُكلّف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في خطاب حال الاتحاد السنوي أمام الكونغرس في واشنطن، فجر أمس الأربعاء، نفسه أي عناء لجعل خطابه مختلفاً، ولم يبد مكترثاً للانطباع الذي سيتركه، ولتأثيره خصوصاً على الرأي العام الأميركي، الذي يعدّ المستمع الأول المستهدف من خطابات حال الاتحاد (يستقطب عادة حوالي 40 مليون مستمع)، والذي يتحضر لانتخابات نصفية في الخريف المقبل،

 يراهن فيها الجمهوريون على حدّة الانقسام السياسي والتعصب الحزبي فقط، للحفاظ على أكثريتهم الضئيلة في مجلسي الشيوخ والنواب. 

وبينما ركّز ترامب أمس في خطابه، المليء بالشعبوية، على المسائل الداخلية، واستثنى بشكل لافت المسائل الخارجية مكتفياً بالإشارة القصيرة إلى إيران، اختار التفاخر بإنجازات وهمية، وكان ذلك ردّاً في جزء كبير منه على الأثر الذي تركه في الداخل إبطال المحكمة العليا الأميركية تعرفاته الجمركية، الحجر الأساس لبرنامجه الاقتصادي، ما عدّ هزيمة استراتيجية له. 

إلا أن كلّ ما على أرض الواقع داخل الولايات المتحدة، يُعاكس ما قاله الرئيس، سواء في استطلاعات الرأي أو في الملفات التي يديرها، والتي لم يتمكن عبر أي منها من إرضاء الناخب الأميركي، لأنها لم تحقق كلّها أي خفض لمستوى المعيشة، وهو الرهان الذي كان يعوّل عليه في العام الأول من ولايته الثانية، في وقت يمسك فيه الديمقراطيون بأكثر من ملف ضدّه، من بينها ما يسمى "القدرة الشرائية"، ويلوّحون بعزله إذا ما أمسكوا بالكونغرس في الخريف.
 
وألقى الرئيس الأميركي أول من أمس، خطاباً مطولاً امتد ساعة و47 دقيقة، في مبنى الكابيتول، أشاد خلاله ودافع عن حصيلة عمله بعد عودته إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025، 

وقال إنه كان يُمكن أن يكون خطاب حال الاتحاد في ولايته الثالثة، في إشارة منه إلى ما يرى فيه سرقة لانتخابات الرئاسة منه في عام 2020.

 ورغم طول خطاب حال الاتحاد هذا العام، وهو أصبح أطول خطاب حال اتحاد في تاريخ الكونغرس، إلا أن ترامب لم يعلن فيه أي قرار كبير أو خطة جديدة، كما لم يظهر أي تغيير في مقاربته للمسائل التي تثير اعتراضاً متزايداً بين الأميركيين، ومن بينها سياسة الهجرة والتعرفات الجمركية التي يرى فيها عدد متزايد من الأميركيين السبب المباشر لارتفاع تكلفة المعيشة.

أما لجهة الخارج، فقد كان ترامب مقلّاً عمداً في الكلام، خصوصاً إذا ما أخذ في الاعتبار أن البلاد قد تكون على وشك شنّ حرب في الشرق الأوسط هي الأكبر منذ أكثر من عقدين، وهو ما بدا ملفاً يريد ترامب إبعاده عن الكونغرس. 

وجاء خطاب حال الاتحاد لترامب، هذا العام، في وقت يواجه فيه تحديات عدة داخلياً، تبدأ من تراجعه في استطلاعات الرأي إلى ما دون الـ40%، والتأثير السلبي الذي تركته سياساته في محاربة الهجرة غير الشرعية، ما قضى على تمكنها من تقليص العبور الشرعي عبر الحدود البرّية، فضلاً عن ملف جيفري إبستين وعلاقة ترامب بالمجرم الجنسي. 

كما أن القوانين التي يمكن لترامب التفاخر بها ككل رئيس باعتبارها بصمته الداخلية، مثل قانون الخفض الضريبي، لم تحقق أي خفض في تكلفة المعيشة، وتزامناً مع خطاب حال الاتحاد، أظهر استطلاع للرأي نشره مركز يوغوف/ماركتووتش أول من أمس، أن ما يقارب 47% من الأشخاص المستطلعة آراؤهم، يرون أن قدرتهم الشرائية تراجعت منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض.
 
رغم ذلك، أطلق ترامب في خطاب حال الاتحاد شعارات وأوصافاً لولايته وتحدث عن "إنجازات"، فشل في "بيعها" أو تسويقها باحترافية، لا سيما أن الكثير منها حمل إما كذباً أو مغالطات أو تضخيماً، ما جعل الديمقراطيين على الفور يعتبرون الخطاب منفصماً عن الواقع.

كذبة إنهاء الحروب في خطاب حال الاتحاد

وفي الشقّ الخارجي، حرص الرئيس في خطاب حال الاتحاد أمام الكونغرس على التذكير بجهوده التي منعت نشوب عدة حروب في آسيا والعالم، مشيراً إلى حلّ قضية الأسرى في غزة، مع توجيه الشكر إلى وزير الخارجية ماركو روبيو وصهره جاريد كوشنر، وتجاهل حقيقة تواصل الاعتداءات الإسرائيلية في القطاع، كما يبقى دخول المساعدات قليلاً قياساً بحجم ما يحتاجه القطاع بعد عامين من الحرب. 

كما أن وصف بعض الأزمات أو الاشتباكات العسكرية التي اندلعت ومشمولة بكلام ترامب، مثل المواجهات بين تايلاند وكمبوديا، بالحرب، أمرٌ مبالغ فيه.
 
وكذلك الأمر بالنسبة إلى رواندا والكونغو الديمقراطية اللتين وقعتا اتفاق سلام توسطت فيه الولايات المتحدة في 27 يونيو/حزيران، غير أن الاتفاق لم يدخل حيز التنفيذ حتى الآن. 

فقد شنّت حركة 23 مارس المتمردة المدعومة من رواندا هجوماً خاطفاً هذا العام، وباتت تسيطر الآن على أرض أكثر من أي وقت مضى من شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية.

 وأثار أحدث تقدم لها مخاوف من امتداد القتال إلى أجزاء أخرى في المنطقة. ولا يبدو الوضع بين أفغانستان وباكستان أقل توتراً، خصوصاً مع تنفيذ باكستان ضربات جوية على طول الحدود الأفغانية قبل أيام إلى جانب الاشتباكات بين القوات الباكستانية والأفغانية.

أما بخصوص إيران، فحمل كلام ترامب في خطاب حال الاتحاد عنها مغالطات عدة، وادعى أنها قتلت وأصابت آلاف الأميركيين، كما قتلت آلافاً وآلافاً غيرهم، بل حتى ملايين، بعبوات ناسفة بدائية الصنع. 

وبينما عاد ليتفاخر بقتل قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني، اتهمه بأنه "أبو" هذه القنابل. لكن التدقيق الذي أجرته "نيويورك تايمز"، والتي قالت فيه إن ترامب كان يتحدث عن النظام الإيراني ووكلائه، أظهر أنه بناء على تقرير صادر عن وكالة استخبارات الدفاع الأميركية،

 أدّت عبوات ناسفة صُنعت على يد وكلاء لإيران إلى مقتل 603 من أفراد القوات الأميركية في العراق بين عامي 2003 و2011 وليس الآلاف، كما زعم. 

أما العبوات الناسفة المزروعة على جوانب الطرق، أو ما يُعرف بالعبوات المتفجرة المرتجلة، فهي تعود إلى فترة ما قبل الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 بزمن طويل. 

كما أن قاسم سليماني، الذي تولّى قيادة فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، لم يكن مخترعها على عكس مزاعم ترامب.
 
علماً أنه كان المتوقع أن يغتنم ترامب فرصة خطاب حال الاتحاد ليتحدث بإسهاب عن إيران بلغة الإنذار وتحديد مدته النهائية، لكن خطابه لم يساعد على توضيح الصورة. 

وأتى ترامب على ذكر إيران بأسلوب سردي تناول فيه أحداثاً ومحطات سابقة، وأن النظام الإيراني قضى أخيراً على "30 ألفاً" من شعبه رغم فشل إدارته في تقديم أي دليل على ذلك، بحسب ما طالبتها طهران. 

وعندما وصل إلى الوضع الحالي، اكتفى بالقول إن الإدارة "تتفاوض للوصول إلى حلّ"، من غير إضافة ولا حتى تلميح، مضيفاً أن إيران "تريد إنجاز صفقة، لكنها لم تقل أبداً الكلمات السحرية: لن نصنّع سلاحاً نووياً أبداً". 

واتهم ترامب طهران بالسعي لصنع صواريخ قادرة على ضرب الولايات المتحدة، ومواصلة طموحاتها النووية "المشؤومة"، مدعياً أن العدوان الأميركي على إيران في يونيو/حزيران الماضي، قضى على المفاعلات النووية الإيرانية، 

مدعياً أنه رغم "التحذير" لإيران بعدم القيام بمحاولات في المستقبل لإعادة بناء هذه المفاعلات والقدرات، إلا أنهم "يواصلون وبدأوا من جديد".

ولم يغفل ترامب التعريج على حرب أوكرانيا، مكرراً أن هذه الحرب "لم يكن لها أن تقع لو كان رئيساً آنذاك"، متجاهلاً حقيقة أنه فشل في تحقيق تعهده بإنهاء الحرب "في أقل من 24 ساعة"، في وقت لم تسفر فيه جميع اللقاءات والجولات التي عقدت، والتي ستستأنف اليوم الخميس، عن اختراق جوهري يتيح إنهاء الحرب التي دخلت عامها الخامس قبل يومين.

ووصف ترامب فنزويلا، التي اختطف رئيسها نيكولاس مادورو مع زوجته سيليا فلوريس في يناير/كانون الثاني الماضي، بأنها "صديقنا وشريكنا الجديد" خلال خطابه عن حالة الاتحاد، مضيفاً "لقد تلقينا للتو من صديقنا وشريكنا الجديد فنزويلا أكثر من 80 مليون برميل من النفط"، وهو ما يعدّ أيضاً مبالغاً فيه.

عصر ذهبي

داخلياً، وصف ترامب الفترة الحالية في البلاد بأنها "العصر الذهبي لأميركا"، وأنه تمكن من تحقيق "تحول لم تشهد البلاد مثيلاً له"، وأن "أمتنا عادت أكبر وأفضل وأكثر ثراء وأقوى من أي وقت مضى" 

معتبراً أن حصيلة عمله هي أفضل دعاية ممكنة للحزب الجمهوري قبيل الانتخابات النصفية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

 وقال: "التضخم يتراجع، المداخيل ترتفع، والاقتصاد يزدهر كما لم يكن من ذي قبل". وأضاف: "لقد استعادت بلادنا طريق النصر"، مدخلاً إلى القاعة فريق الهوكي الوطني الذي فاز بالألعاب الأولمبية.

وبحسب "نيويورك تايمز"، فقد بذل ترامب جهداً من دون أي نجاح يذكر، للإقرار بمعاناة الأميركيين اليومية، فقد قدّم صورة "وردية" وفق تعبير صحيفة واشنطن بوست، لا تمّت للحقيقة بصلة.

 وادعى ترامب أنه ورث "أمة في أزمة"، وأنه تمكن من إنعاش الاقتصاد، مهاجماً الديمقراطيين الذين رأى أنهم يستخدمون عبارة "القدرة الشرائية" لتكون "سلاحاً" لإيذائه سياسياً، حيث اعتبر أن تصريحاتهم مجرد "كذبة حقيرة". كما اتهم إدارات أميركية في عدد من الولايات، بـ"الغشّ" والسرقة.

وبينما اعتمد لغة أهدأ حيال المحكمة العليا، التي لم يحضر سوى أربعة من قضاتها (من أصل تسعة) الخطاب في الكونغرس، وجّه الرئيس الأميركي انتقاداً لقرار المحكمة الرافض لسياساته الجمركية، واصفاً إياه بالمؤسف والمخيّب للآمال، ومؤكداً مواصلته العمل بتعرفاته الجمركية.

وفنّد الإعلام الأميركي، من "نيويورك تايمز" إلى شبكتي "سي بي أس" و"سي أن أن"، ما رأوا فيه "أكاذيب" ترامب في خطاب حال الاتحاد، أو "مغالطات"، أو ما يفتقر إلى أدلّة ملموسة، أو حتى إنجازات نسبها لنفسه، لكنها تعود إلى حقبة سلفه جو بايدن. 

وتَركّز ذلك على المسائل الاقتصادية، والتي تهمّ جيوب المواطنين وأعمالهم، والتي قال ترامب فيها كلّها تقريباً أنه حقّق أرقاماً "غير مسبوقة في التاريخ"، مثل "أعلى خفض لمستوى الجريمة في التاريخ"، وهو ما لم يصدر بعد بشأنه تقرير مكتب التحقيقات الفيدرالي (أف بي آي) لعام 2025، بينما تشير أرقامه إلى انخفاض متواصل وثابت لمعدل الجريمة في البلاد، منذ عام 2022.

كما زعم ترامب أن تعرفاته الجمركية، تدفع من الدول الأجنبية، وهي تحلّ بشكل من الأشكال محل ضريبة الدخل، بقوله إنها تزيح "حملاً مالياً ثقيلاً عن الناس الذين أحبّهم"، لكن في الوقت فإنه بحسب تحليل للبنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، نشر في فبراير/شباط الحالي، فإن 90% من تعرفات ترامب، يدفعها المستهلك الأميركي وأصحاب الأعمال الأميركيون على شكل أسعار أعلى للمنتجات. 

وبينما كان ترامب محقاً بأن أسعار البيض انخفضت أخيراً، إلا أن أياً من المواد الغذائية الأخرى التي عدّدها أول من أمس في خطابه، مثل الزبدة أو الدجاج أو الفاكهة أو السيارات، لم تشهد أي انخفاض مهم في أسعارها منذ عودته إلى البيت الأبيض.
 
انفصال عن الواقع

وصف زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ الأميركي، تشاك شومر، الرؤية التي انطوى عليها خطاب حال الاتحاد الذي ألقاه ترامب، بأنها "منفصلة على الواقع"، فيما هاجم الرئيس الأميركي مرات عدة النواب الديمقراطيين الذين لم يحركوا ساكناً حين طلب التصفيق لسياساته في مكافحة الهجرة غير الشرعية، وتوجّه إليهم بالقول "ينبغي أن تشعروا بالخجل". 

إذ بعد ساعة من الكلام الذي بدا متزناً، طلب ترامب فجأة من الحضور أن يظهروا للمشاهدين في منازلهم مدى موافقتهم على خطابه أو معارضتهم له. 

وقال: "إذا كنتم توافقون، فقفوا وأظهروا دعمكم لهذا البيان: الواجب الأول على الحكومة الأميركية هو حماية المواطنين الأميركيين، وليس المهاجرين غير الشرعيين". 

ولأكثر من دقيقة، وقف الجمهوريون مصفقين، فيما لم يقف أي ديمقراطي في القاعة. ودعا ترامب الكونغرس إلى إقرار قانون يُلزم الناخبين بإبراز وثائق هوية في مراكز الاقتراع، متحدثاً من دون تقديم أدلة، عن عمليات تزوير واسعة في الانتخابات وفي المساعدات الاجتماعية، متهماً المهاجرين بالوقوف وراءها. 

وكلّف ترامب نائبه جيه دي فانس بمهمة مكافحة إساءة استخدام المساعدات الاجتماعية، مع تركيز خاص على بعض الولايات ذات التوجه الديمقراطي.

ووصف ترامب بعض البرلمانيين الديمقراطيين بأنهم "مرضى"، حين اعترضوا بصوت عال على قوله إنه أنهى ثماني حروب في العالم. 

وتغيّب العشرات من النواب الديمقراطيين، أول من أمس، عن جلسة خطاب حال الاتحاد، ونظموا فعالية موازية أمام الكونغرس بحضور المئات من المواطنين، الذين وجّهوا انتقادات حادة إلى سياسات ترامب وإلى خطابه مؤكدين أنه مليء بالأكاذيب، 

كما حضرت ملفات إبستين في كلمات المشرعين الغاضبين، مطالبين بمعاقبة المتورطين ونشر باقي الوثائق.
 
وشرح النائب الديمقراطي غريغ كاسار في تصريحات للصحافيين سبب عدم حضوره، بقوله إن ذلك لأن لديه "فكرة جيدة جداً عما سيحدث". 

وأضاف: "لمدة ساعة أو اثنتين أو ثلاث أو أربع، رجل جنى أربعة مليارات دولار من كونه رئيساً، سيقدم إليكم أيها الشعب الأميركي محاضرة عن مدى روعة حياتكم. دونالد ترامب لا يدين لنا بخطاب طويل مليء بالهذيان لمدة ساعتين. إنه مدين للشعب الأميركي بإعادة أموالهم إليهم".

من جهتها، أعلنت النائبة سمر لي، أنها ستتحرك في مجلس النواب رسمياً، لعزل وزيرة العدل بام بنودي، لعدم التزامها بأمر الاستدعاء بشأن ملفات إبستين. وقالت: "نحن نعيش في بلد يوجد فيه واقع واحد للناس العاديين، وواقع آخر للأغنياء وأصحاب النفوذ والسلطة، يجب أن نغير ذلك".