Logo

الدولة أو التفكك: اليمن أمام لحظة الحسم الكبرى

 تمهيد: 
ليست أزمة شارع… بل أزمة سيادة

ما يجري في الجنوب اليمني لا يمكن اختزاله في اشتباكات متفرقة أو تظاهرات محتدمة. 

نحن أمام أزمة سيادة مكتملة الأركان.
السؤال الحقيقي ليس من يسيطر على شارع اليوم، بل من يملك القرار السيادي النهائي؟ من يصدر الأمر العسكري؟ من يدير الموارد؟ من يحدد المرجعية السياسية؟

الدولة لا تُختبر في لحظات الهدوء، بل في لحظات التحدي.
وما يحدث الآن هو اختبار مباشر: هل مناطق الشرعية تُدار كدولة، أم كساحة نفوذ متداخلة؟

أولاً: تشريح الأزمة – ازدواج القرار وتفكك المركز

أخطر ما يواجه أي سلطة انتقالية هو بقاء مراكز قوى موازية تعمل داخل النظام لا خارجه.
حين تصدر قرارات عسكرية خارج وزارة الدفاع، وتُدار إيرادات عبر قنوات غير مركزية، وتتحرك تشكيلات مسلحة وفق ولاءات متعددة، فإننا لا نكون أمام شراكة سياسية، بل أمام تفكك تدريجي لمفهوم الدولة.

ازدواج القرار يؤدي إلى:
    •    تضارب الأوامر العسكرية
    •    ارتباك الأجهزة الأمنية
    •    شلل إداري داخل المؤسسات
    •    فقدان ثقة المواطنين

الدولة التي لا تحتكر القرار السيادي، لا تحتكر السلاح، لا تملك سيادة.

ثانياً: التظاهر بين الحق والاستثمار السياسي

التظاهر حق دستوري، ولا يمكن لأي سلطة تدّعي الشرعية أن تصادره.
لكن تحويل التظاهر إلى أداة اشتباك مقصود قرب المقرات السيادية، بهدف خلق ضحايا وتوليد صور صادمة تُستخدم سياسياً، هو تكتيك معروف في بيئات الصراع الهش.

الدم حين يتحول إلى وسيلة ضغط إعلامي، يدخل الصراع مرحلة خطيرة.
وأي سلطة تتهاون مع هذا التكتيك تفتح الباب أمام تكراره.

الحل ليس منع التظاهر، بل:
    •    تحديد ساحات واضحة بعيداً عن المواقع الحساسة
    •    ضبط الاحتكاك الأمني بأقصى درجات المهنية
    •    محاسبة أي جهة تستثمر العنف سياسياً

هيبة الدولة تُقاس بقدرتها على حماية الحق دون أن تسمح بابتزازها به.

ثالثاً: الاقتصاد والمرتبات – سلاح ناعم في صراع صلب

الملف الاقتصادي أخطر من الملف العسكري.
عندما تُصرف مرتبات لعشرات الآلاف خارج منظومة انضباط واضحة، دون إعادة هيكلة وتأهيل ودمج، يتحول الإنفاق العام إلى أداة تعبئة سياسية.

لا أحد يجادل في حق الجندي أو الموظف في راتبه.
لكن الحق يجب أن يُدار ضمن مؤسسة:
    •    تسجيل رسمي موحد
    •    وجود فعلي في معسكرات أو وحدات نظامية
    •    خضوع كامل لسلسلة قيادة وطنية

الدولة التي تمول قوة غير منضبطة تمول ارتباكها بمالها العام.

رابعاً: رمزية الدولة… خط الدفاع الأول

العلم الجمهوري، صورة رئيس الدولة، التسلسل الإداري — ليست تفاصيل شكلية.
هي إعلان رمزي عن وحدة المرجعية.

عندما تتعدد الرموز داخل المؤسسة الواحدة، تتشقق الشرعية المعنوية.
الدولة لا تسمح بازدواج الراية داخل مبناها.

أي مسؤول مدني أو عسكري يعمل ضمن الإطار الحكومي ملزم بالالتزام الكامل بالمرجعية الدستورية.
المشروع السياسي البديل يُناقش عبر الحوار والآليات القانونية، لا عبر فرض أمر واقع داخل مؤسسات الدولة.

خامساً: التحالف والشرعية – معضلة الحزم والتوازن

التحالف العربي والشرعية اليمنية أمام معادلة معقدة:
    •    الحفاظ على وحدة الجبهة
    •    منع الانقسام الداخلي في المناطق الشرعية
    •    تجنب صدام دموي
    •    وفي الوقت ذاته تثبيت هيبة الدولة

المشكلة أن المراوحة الطويلة تحت شعار “إرضاء الجميع” أنتجت فراغاً تستغله القوى الأكثر تنظيماً.

إرضاء الجميع مستحيل.
لكن كسب ثقة المواطنين ممكن — عبر الأمن والخدمات والانضباط.

سادساً: السيناريوهات المحتملة

1- استمرار التوازن الهش

مجاملة سياسية، إبقاء مراكز النفوذ، ضبط مؤقت للأحداث.
النتيجة: انفجار مؤجل، تآكل ثقة الشارع، توسع الاستقطاب.

2- صدام مفاجئ غير محسوب

احتكاك أمني واسع نتيجة تراكم الاحتقان.
النتيجة: سقوط ضحايا، استثمار إعلامي خارجي، تعقيد المشهد الإقليمي.

3- حسم مؤسسي منظم

إعادة هيكلة عسكرية شاملة، توحيد القرار، ضبط الإيرادات، تنظيم ساحات الاحتجاج، إعلان استراتيجية سياسية واضحة بجدول زمني محدد.
النتيجة: استقرار تدريجي، انكماش القوى الموازية، انتقال الصراع من الشارع إلى السياسة المنظمة.

سابعاً: النتائج الاستراتيجية للحزم

الحزم ليس اندفاعاً عاطفياً، بل إجراء مؤسسي محسوب.
كلفته قصيرة الأمد أقل بكثير من كلفة التفكك البطيء.

عند تثبيت قواعد واضحة:
    •    تنخفض قدرة التحشيد الفوضوي
    •    تُغلق منافذ القرار الموازي
    •    يتراجع الاستثمار في الدم
    •    يستعيد المواطن ثقته بالمؤسسة

الدولة القوية لا تُعرف ببطشها، بل بوضوحها.

ثامناً: البعد الإقليمي والدولي

استقرار الجنوب اليمني ليس مسألة محلية فقط.
أي تفكك داخلي ينعكس على:
    •    أمن الملاحة البحرية
    •    التوازنات الإقليمية
    •    جهود إنهاء الانقلابات على الدولة
    •    صورة التحالف أمام المجتمع الدولي

النموذج الذي يُبنى في عدن هو الرسالة السياسية للعالم:
إما نموذج دولة قابلة للحياة، أو ساحة صراع مزمنة.

الخلاصة الكبرى: 

لحظة لا تحتمل الرمادي

اليمن يقف أمام خيارين لا ثالث لهما:
    •    دولة بقرار واحد، سلاح واحد، مرجعية واحدة.
    •    أو ساحة مفتوحة تتقاسمها الولاءات المتعددة.

التاريخ لا يرحم لحظات التردد.
والفرص التاريخية لا تتكرر كثيراً.

إذا أُريد لهذة المناطق أن تكون نواة الدولة القادمة، فيجب أن تُدار كدولة الآن — لا كمساومة مؤقتة.

الحزم اليوم ليس قسوة… بل إنقاذ.

والوضوح ليس تصعيداً…
بل تثبيت لقواعد البقاء.

في السياسة، كما في الحرب، أخطر القرارات هي التي لا تُتخذ.

مـــصـــطــفـــى بن خالد