Logo

مؤتمر "ميونخ للأمن" 2026: تحولات مفصلية بزمن نهج ترامب التدميري

 ينطلق "مؤتمر ميونخ للأمن"، والذي يعدّ أهم منتدى دولي سنوي للأمن والسياسة الخارجية، اليوم الجمعة في فندق بايريشر هوف الواقع في قلب عاصمة ولاية بافاريا، في مرحلة تفكّك للتحالفات والأعراف الدبلوماسية التي استمرت لعقود. 

ويسود الترقب لما يُمكن أن يطرحه المؤتمرون، الذين يجتمعون على مدى ثلاثة أيام، من مقاربات واستنباط لحلول قد تساهم في تخفيف الاحتقان السياسي عبر الأطلسي والعالم، 

وسياسة الابتزاز التي ينتهجها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع الحلفاء، في ظلّ عالم مضطرب يشهد تحولات مفصلية تتسم بتغلب الصفقات النفعية على المبادئ.

قطيعة مع إيران وروسيا

يُفتتح المؤتمر بنسخته الثانية والستين بكلمة لفريدريش ميرز للمرة الأولى بصفته مستشارا لألمانيا، وذلك بحضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والأوكراني فولوديمير زيلينسكي، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، إلى جانب رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك ورئيسة الحكومة الدنماركية ميتي فريدريكسن ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين والأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته وآخرين.

 وعن الجانب الأميركي، سيحضر وزير الخارجية ماركو روبيو، بدلاً من نائب الرئيس جي دي فانس الذي أثار خطابه العام الماضي جدلاً واسعاً بشأن أوجه القصور المزعومة للديمقراطيات الأوروبية، 

ومن المتوقع مشاركة وفد يفوق الـ50 شخصية من أعضاء الكونغرس الأميركي والمسؤولين من الوزارات المعنية، إلى جانب حضور أبرز معارضي الإدارة الأميركية الحالية في الداخل، حاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم، فيما ستتمثل الصين بوزير الخارجية وانغ يي.
 
ووفقاً لرئيس المؤتمر، فولفغانغ إيشنغر، فقد سُجّل حضور أكثر من ألف مشارك من نحو 120 دولة، بينهم أزيد عن 60 رئيس دولة وحكومة وممثلين حكوميين، وما يفوق 65 وزير خارجية و30 وزير دفاع، وعدد من قادة جيوش دول مؤثرة أو تعيش أزمات، 

فضلاً عن شخصيات رفيعة المستوى، بوصفهم ممثلين لحوالي 40 منظمة دولية، ومن صنّاع القرار وخبراء في مراكز الفكر والأبحاث حول العالم.

واللافت هذا العام، قرار الحكومة الألمانية عدم توجيه الدعوة لإيران عقب القمع الدموي للاحتجاجات على أراضيها، مقابل تأكيد حضور نجل شاه إيران الراحل، رضا بهلوي، أبرز شخصية معارضة إيرانية في المنفى.

 وكما في السنوات السابقة الأخيرة، لم تُدع روسيا بسبب عدوانها على أوكرانيا. من ناحية أخرى، سيشارك حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني الشعبوي مجدداً، بعد عامين من إقصائه عن المؤتمر،

 إذ وجهت الدعوة إلى ثلاثة من خبراء السياسة في الحزب، بينهم المتحدث باسم السياسة الدفاعية، روديغير لوكاسين، أما حزب اليسار الألماني فلم يتلق دعوة للمشاركة. 

طيفٌ من القضايا الدولية في مؤتمر ميونخ للأمن

تشمل المواضيع التي سيتناولها مؤتمر ميونخ للأمن السياسات الأمنية والدفاعية الأوروبية ومستقبل العلاقات عبر الأطلسي، وإحياء التعددية، والرؤى التنافسية للنظام العالمي والنزاعات الإقليمية،

 بالإضافة إلى تداعيات التقدم التكنولوجي على السياسة الأمنية. وسيُناقش خلال أيام المؤتمر طيفاً واسعاً من القضايا الدولية، بينها النزاعات في الشرق الأوسط والسودان وغيرها،

 والتحديات المزايدة في مجال التجسس والأمن السيبراني، واستخدام الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن سباق التسلح الفضائي.
 
وستجري المناقشات ضمن 4 محاور رئيسية: أولاً دور ألمانيا في أوروبا والعالم، ثانياً قدرة أوروبا على فرض نفسها بفعالية أكبر في المستقبل وتمثيل مصالحها للتحدث بصوت واحد، 

أما المحور الثالث فسيناقش العلاقات المتوترة عبر الأطلسي، ورابعاً الأزمات العالمية وأبرزها حرب أوكرانيا.

سياسة الهدم

وكان إيشنغر كتب في مقدمة تقرير ميونخ للأمن هذا العام، الذي قدم في برلين يوم الاثنين الماضي بعنوان "تحت الدمار"، وهو تقرير يُنشر عادةً قبل أيام من انعقاد المؤتمر، أنه "نادراً ما شهد تاريخ المؤتمر هذا الكمّ من الأسئلة الجوهرية المطروحة في آن واحد: 

أسئلة تتعلق بأمن أوروبا، ومرونة في الشراكة عبر الأطلسي، وقدرة المجتمع الدولي على العمل في عالم معقد ومتنازع عليه".
 
ورأى تقرير مؤتمر ميونخ للأمن أن الولايات المتحدة تساهم في تفكيك النظام العالمي، وحذّر "من أن العالم اليوم تحول إلى ساحة حيث الأقوياء والأغنياء هم أصحاب "الكلمة الفصل"، 

مشيراً إلى أن ترامب في طليعة الجهات الفاعلة التي تستهدف النظام العالمي والمؤسسات القائمة بسياساته الهدّامة. 

كما حذّر التقرير من أن "العالم دخل مرحلة خطرة، وما كان ينبغي أن يكون جزءاً من نظام دولي مستقر يدمر الآن بكرة هدم، وبأن قوى سياسية اكتسبت نفوذاً في العديد من المجتمعات الغربية التي تفضل سياسة التدمير على الإصلاح، والإدارة الأميركية الحالية برئاسة دونالد ترامب من أبرز المؤيدين لهذا النهج الجديد".

 من جهة ثانية، رأى التقرير أن "الاستياء من الوضع الاقتصادي والشعور بالعجز عن الإصلاح، يؤججان الشكوك حول المؤسسات الديمقراطية، ويجب على الحكومات الوفاء بوعودها".
 
وبحسب التقرير، فإنه "في العديد من المجتمعات الغربية، تكتسب القوى السياسية التي تُفضّل التدمير على الإصلاح زخماً متزايداً. لقد دخل العالم مرحلة من سياسات التدمير. أصبح التدمير واسع النطاق، بدلاً من الإصلاحات الحذرة وتصحيح السياسات، هو السائد الآن". 

وذكر التقرير أن "صنّاع القرار يُنظر إليهم على نطاق واسع على أنهم حماة الوضع الراهن، ومديرو نظام سياسي مشلول لا يستجيب لأغلبية السكّان".

ويُصدر تقرير مؤتمر ميونخ للأمن سنوياً قائمة بأهم المخاوف والهموم لدى دول مختارة. بالنسبة لألمانيا، يتصدر خطر الهجمات الإلكترونية قائمة المخاوف، يليه القلق من تفاقم عدم المساواة داخل البلاد. 

كما يُشار بشكل متكرر إلى خطر الإرهاب الإسلاموي المتطرف وروسيا، فضلاً عن مخاوف الجريمة المنظمة، والهجرة الجماعية الناجمة عن الحروب، وتغير المناخ. 

وبحسب التقرير، يعتبر ثلثا الألمان الولايات المتحدة في عهد ترامب عضواً أقل موثوقية في حلف الناتو مقارنةً بالسنوات السابقة.

المشهد معقد

وعلى جناح هذه العناوين، رأى الباحث في الشؤون السياسية الأوروبية، توماس بيرغمان، أن مؤتمر ميونخ للأمن هذا العام ينعقد في ظروف بالغة الصعوبة، واصفاً المشهد بالمعقد جداً، وفي ذروة الاجتماعات المتلاحقة، إن كان في ما خصّ إنهاء الحرب في أوكرانيا، أو بين الأميركيين والإيرانيين. 

وأضاف أن النقاشات ستكون شاقة وصعبة مع دخول العالم في مرحلة من عدم اليقين بفعل تهديدات ترامب التي تساهم في تأجيج الصراعات، 

موضحاً أنه بعد أزمة فنزويلا وغرينلاند، تتعمق الخلافات مع الأوروبيين مع استخدام الرئيس الأميركي الدائم لورقة التعرفات الجمركية العقابية ضدهم، عدا أنه يريد استراتيجية أمنية جديدة. 

وهذا كلّه، برأي الباحث يلّخص خطوط الخلاف الواضحة والتي تشمل السياسة التجارية والتعامل مع المنظمات الدولية وسياسة المناخ ودعم أوكرانيا، وصولاً إلى تبدل الأولويات بين الدول الأعضاء داخل حلف شمال الاطلسي.

ومع تعدد الاعتبارات، أشار بيرغمان إلى أن "ميونخ للأمن" يكتسب أهمية دولية بحكم أنه وبمحطته السنوية، يسمح بعقد لقاءات ثنائية، ومحادثات في بعض الملفات التي يمكن وصفها بالسرّية، وقد تكون انطلاقة تسمح ببلورة إطار عمل ينجم عنه حلّ لأزمة أو نزاع في منطقة ما من العالم. 

وبالتالي، فإن المؤتمر، برأيه، والذي عادة ما تصدر عنه توصيات غير ملزمة، لا تكمن جاذبيته بالخطابات العامة فقط، إذ إن ما يجري داخل الغرف المغلقة لا يقل عنها، بل يفوقها أهمية.

متطلبات العصر

وعلى وقع التساؤلات في ما اذا كانت القيادة الأوروبية أدركت متطلبات العصر، وترجمت الوعود إلى قرارات وإجراءات ملموسة، أشار بيرغمان إلى أنه لا بد من إعادة تصويب البوصلة وبناء الثقة بين الحلفاء عبر الأطلسي وعدم المخاطرة بالتحالف مع واشنطن بسهولة، ناهيك عن ترتيب المشاكل القائمة بين الأوروبيين أنفسهم. 

كما رأى أنه يمكن أيضاً العمل على إيجاد حلّ لاستكمال مشروع نظام دعم القوات الجوية الأوروبية المشترك بين ألمانيا وفرنسا لأن تداعياته ستكون لها تأثيرات سلبية على العلاقات الثنائية، ومعالجة الالتباسات والتباينات بما خصّ اتفاقية ميركوسور (التجارية مع دول أميركا اللاتينية)،

 وصولاً إلى السياسة الأوروبية الجماعية المطلوبة لدعم أوكرانيا وأهمها في الشقّ العسكري والمالي، ومن منطلق أن من سيكتفي بدور المتفرج أو التعنت، قد ينتهي به المطاف تحت سلطة القوى الكبرى وليس أطر القواعد الدولية، وفق تعبيره.
 
وفي السياق، دعا رئيس مؤتمر ميونخ للأمن إيشنغر في تصريحات صحافية، إلى اعتماد مركز أوروبي يتولى زمام المبادرة في القرارات المهمة وقضايا السياسة الخارجية أو في ما خصّ بناء صناعة دفاعية أوروبية تضمّ بريطانيا والنرويج، 

في إشارة منه إلى ضرورة أن تصبح أوروبا أكثر سيادية واستقلالية.

تظاهرات وتجمعات مضادة

وكالعادة بالتزامن مع انعقاد المؤتمر، ستقام على هامشه سلسلة فعاليات بينها أدبية وموسيقية بحضور نخبة من الكتاب والفنانين العالميين، 

إلى جانب أمسيات سينمائية مميزة في قصر غلوريا السينمائي، تُركّز على الأزمات والصراعات الراهنة، وتستتبع بحلقات نقاش تتيح مساحة من الحوار المباشر بين المشاركين.

من جهة ثانية، ستشهد المدينة تظاهرات وتجمعات تنظمها جماعات وتحالفات تعارض ميونخ للأمن، وستتركز الاحتجاجات، غداً السبت، مع إعلان معارضي المؤتمر (تحالف مناهضة سيكو) عن تجمعات في الساحات القريبة لموقع انعقاده،

 كما يخطط هذا التحالف لتشكيل سلسلة بشرية عبر منطقة المشاة، علماً أنه سيتم نشر أكثر من 5 آلاف ضابط من مختلف الولايات الألمانية لتأمين أمن المؤتمرين.

شادي عاكوم