Logo

اليمن والدور السعودي المطلوب

 (1)

كتبتُ كثيراً عما جرى ويجري في اليمن منذ عام 1990، منبّهاً إلى مخاطر التباطؤ في اتخاذ قرارات يمنية وسعودية تنقذ اليمن من الانزلاق نحو الهاوية، ممّا يؤدي إلى عدم الاستقرار فيه، وفي دول الجوار. 

وفي تلك الفترة، شاركتُ في ندوة علمية في الرياض، والتقيت مع قيادات وشخصيات، وحذّرت من مخاطر عدم الاهتمام بأمن اليمن وسلامة أراضيه ووحدة كيانه الجغرافي والسياسي. 

وللأسف الشديد، وقعت حرب 1994 ونجمت عنها أزمات. ثمّ اندلعت ثورة فبراير (2011) التي أدّت إلى تنحية الرئيس علي عبد الله صالح عن السلطة في فبراير/ شباط 2012. 

وكانت الرياض منشغلة بنتائج هذه الأحداث، وفي مقدّمتها البحث عن بدائل لملء الفراغ في اليمن. 

اقترحتُ على من التقيت بهم في الرياض ألا يراهنوا على رجل ضعيف في صنعاء ليكون على رأس السلطة، والذي سيكون عبئاً عليهم وعلى اليمن، وحدّدت لهم اسم ذاك الرجل. 

واقترحت بدلاً منه أسماء أخرى في حينه. ولكن الليل أظلم، ولم تشرق الشمس إلا ضحى الغد، وهكذا سار اليمن نحو ما نشاهده اليوم.

(2)

في حديثٍ مع الرئيس علي عبد الله صالح قبل أزمة 2011، وفي أحد لقاءاتي به وببعض أركان نظامه، قلت له: سيادة الرئيس: كثرت شكوى إخوانكم في جنوب اليمن من التهميش السياسي والإداري، ومن حلّ الجيش وتسريح أفراده وكبار موظفي الخدمة المدنية. 

فأرجو ألا تمارسوا ما مارسه الإخوة المصريون في سورية أيام الوحدة (1958-1961). بمعنى، لا تمارسوا سلطتكم على جنوب اليمن بعد الوحدة بوصفها أرض غنائم، توزّع خيراته ووظائفه الإدارية والسياسية والمؤسّسات العامة بين أتباع النظام. 

وأشهد أنه لم ينفعل أو يغضب بسبب ذلك. ثم طال الحديث بيننا في منزله في حَدة على ما أذكر، ودار الفلك دورته، وأفل نجم صالح ونظامه السياسي، ودخل اليمن في دوّامة. 

ولا منقذ له في رأيي، بعد الله، إلا السعودية، فهل تفعل وتنقذ اليمن من كبوته في أسرع وقت، وقبل أن يستفحل الأمر وتستعصي الأمور بفعل تدخّلات خارجية لا تنوي خيراً للسعودية ولا لليمن.

(3)
 تعيش النخب السياسية في جنوب اليمن وهم "المظلومية" التي أصابتهم خلال فترة حكم الرئيس علي عبد الله صالح، كما يدّعون. لكن حقبة الرجل انتهت إلى الأبد، 

فيُفترض أن تكون المظلومية الوهمية قد انتهت معه. ولحديث المظلومية جذور لدى قيادات الجنوب.

 يروي الكاتب والإعلامي اليمني، مطهر تقي، أن الطامعين في إقامة سلطة مستقلة في جنوب اليمن يجيدون اللطم والصراخ، مدّعين ظلم شمال اليمن جنوبه، حتى إنهم وبعض الجاهلين بحال اليمن أخذوا يصدّقون أكاذيبهم وأيقنوا أنها صرخة "عادلة". 

في هذا السياق، أدّعي أنني ممن عاصروا ثورات اليمن في شماله وجنوبه: الأولى للتخلّص من حكم الإمامة 1962، والثانية للتخلّص من الاستعمار البريطاني عام 1963، وكانت وقتها صنعاء حاضنة لقيادات ثورة الجنوب اليمني ضد بريطانيا، 

وكانت مدينة تعز الجبهة الخلفية للثوار للتموين والتمويل وميدان التدريب والتجمّع حتى أعلنت بريطانيا هزيمتها وانسحابها النهائي من الجنوب عام 1967.

 وعندما اشتدّ النزاع بين رفاق السلاح بين الجبهة القومية وجبهة التحرير في عدن، فرّ الفريق المغلوب إلى شمال اليمن، وليس إلى صومالي لاند.
 
وعندما جرى الانقلاب على نظام الرئيس قحطان الشعبي في عدن، هرب معظم أنصاره ووزرائه إلى الشمال اليمني، فوجدوا الحضن الدافئ من دون تعالٍ عليهم. 

وفي أثناء حكمه، شنّ سالم ربيع علي (حكم ماركسي) حملات عسكرية على شمال اليمن عام 1972، وكان من أهم أهداف الهجوم فرض الوحدة بين شطري اليمن، ولو بالقوة المسلحة. 

ومع ذلك، لم تتآمر القيادات السياسية الشمالية على القيادات السياسية في الجنوب. لكن قيادات جنوبية اغتالت الرئيس اليمني أحمد الغشمي في صنعاء. 

وفي عهد الرئيس عبد الفتاح إسماعيل في جنوب اليمن، هاجمت القوات المسلحة الجنوبية الشمال عسكريّاً عام 1979، ولم ينتقم شمال اليمن، رغم أنه كان قادراً على ذلك. 

ثم واجه جنوب اليمن صراعاتٍ على السلطة، ما أدّى بالمهزومين إلى اللجوء إلى الشمال. وقوبلوا بكل ترحيب ومحبّة من دون منّة لاعتبارهم جزءاً من أهل اليمن وليسوا لاجئين.
 
أستطيع القول إن الشعب اليمني شماله وجنوبه تعرّض لظلم نظام حكم صالح، الذي لم يهتم ببناء دولة الوحدة ولا بإصلاح حال الشعب اليمني عامة. لذا، ثار الشعب بكل اتجاهاته الفكرية وميوله السياسية شماله قبل جنوبه لإسقاط نظامه. 

بهذا، علينا أن نسدل الستار على ماضٍ لم يكن في صالح اليمن، ونبدأ حياةً جديدةً في ظل دولة الوحدة.

(4)

لقد كان حل المجلس الانتقالي الجنوبي (العيدروسي) ضرورة وطنية يمنية بكل أبعادها. وكان اهتمام القيادة السعودية بانعكاسات ما أحدثه التنظيم العيدروسي من اختلال في شرق اليمن وجنوبه، ضرورة أمنية استراتيجية. 

كما كانت دعوة المملكة نخباً جنوبية إلى لقاء في الرياض من أجل إجراء حوار جنوبي - جنوبي خطوة مباركة، 

إلا أن المطلوب أن يكون الحوار مبنيّاً على قاعدة دولة الوحدة اليمنية، لا سواها، وأن تُوزع مناصبها على أساس الكفاءة والولاء لليمن لا محاصصة.

 فنتائج المحاصصة وخيمة، والشاهد ما يجري في العراق ولبنان، وما جرى في الجنوب اليمني قبل الوحدة، والمحاولات الجارية في سورية اليوم أو ليبيا. 

دولة الوحدة في اليمن في مصلحة الشعب اليمني أولاً، وفي مصلحة السعودية ثانياً، فمن المصلحة أن تتعامل السعودية مع دولة واحدة لا اثنتين أو ثلاث. 

وأقصد هنا دولة وحدة، وليست دولة فيدرالية متنازعة الصلاحيات.

آخر القول، قيام دولة في جنوب اليمن اليوم دعوة إسرائيلية واضحة، وغرضها النيْل من السعودية، كما هو الحال في جنوب السودان اليوم.

 وبناء عليه، لا تجعلوا لدعاة الانفصال مكانة ولا تتركوا لهم مجالًا لتحقيق أهدافهم الانفصالية، وإلا ستكونون الأخسرين على كل الصعد.

محمد صالح المسفر
 أستاذ العلوم السياسية في جامعة قطر