Logo

معبر رفح... بوابة سجن يتحكم بها الاحتلال والمليشيات المتعاونة معه

 عاد معبر رفح البري بين قطاع غزة ومصر للعمل في كلا الاتجاهين، أول من أمس الاثنين، بناء على قرار الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو، في إطار تنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في غزة الذي أبرم في العاشر من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. 

غير أن اليومين الأول والثاني لفتح معبر رفح شهدا ممارسات إسرائيلية مشددة بحق المسافرين، شملت التحكم في أعداد المغادرين والعائدين علاوة عن التفتيش والتحقيق المكثف بحق العائدين وتسليمهم للمجموعات المتعاونة مع الجيش الإسرائيلي في منطقة رفح، جنوبي القطاع.

معبر رفح تحت سيطرة إسرائيلية كاملة

ووثق مركز غزة لحقوق الإنسان، في تقرير أمس الثلاثاء، سلسلة من الإجراءات التي قامت بها سلطات الاحتلال من خلال الموافقة على سفر خمسة مرضى فقط من أصل 50 إلى خارج القطاع، إلى جانب إجبار المسافرين على المرور عبر ممر محاط "بالأسلاك الشائكة وكاميرات المراقبة، في مشهد يعكس سياسة ترهيب ممنهجة". 

وعكست القيود الإسرائيلية، وفق المركز "سيطرة إسرائيلية كاملة على مجريات العملية، في انتهاك صارخ لحرية التنقل وللحقوق الأساسية للسكان المدنيين في قطاع غزة". 

وبحسب التقرير فإن "الانتهاكات الفجة" التي تعرض لها العائدون إلى قطاع غزة، والذين اقتصر عددهم على 12 شخصاً فقط، أدت إلى اعتقال ثلاث نساء وتقييد أيديهن لعدة ساعات، واحتجاز عدد من العائدين من مليشيا مسلحة شكلتها إسرائيل، قبل نقلهم إلى موقع يتمركز فيه الجيش الإسرائيلي، وإخضاعهم للتحقيق لمدة تقارب ثلاث ساعات. 

ووفق المركز، شمل التحقيق أسئلة مهينة حول أسباب عودتهم إلى غزة، ومحاولات تحريضهم ضد فصائل فلسطينية، في سلوك ينتهك الكرامة الإنسانية ويخالف بشكل واضح قواعد الحماية الواجبة للمدنيين.
 
من جهتها أعلنت وزارة الداخلية في غزة، أمس، أن معبر رفح شهد بعد إعادة فتحه أول من أمس، مغادرة ثمانية فلسطينيين من المرضى ومرافقيهم، في حين وصل إلى القطاع 12 مواطناً في ساعة متأخرة من الليل، من بينهم تسع نساء وثلاثة أطفال. 

وشهد اليوم الثاني، أي أمس، تكرار الاحتلال الإسرائيلي للسلوك نفسه، فبعد أن تقررت مغادرة 130 فلسطينياً من المرضى ومرافقيهم، رفض الاحتلال سفر 29 مريضاً و58 من مرافقيهم، في آخر لحظة، ليصبح العدد الذي غادر فعلياً 16 مريضاً برفقة 32 مرافقاً.

إهانات وإجراءات معقدة

في الأثناء، قال المدير التنفيذي لشبكة المنظمات الأهلية في غزة، أمجد الشوا، إن آليات التعامل الحالية مع العائدين إلى قطاع غزة "لا تعكس تطلعات الشعب الفلسطيني ولا آماله بفتح حقيقي لمعبر رفح". 

وأوضح الشوا ان الاحتلال الإسرائيلي يفرض منذ اللحظة الأولى سلسلة من العراقيل، تتجلى "في الإهانات والإجراءات المعقدة بحق العائدين، بهدف واضح يتمثل في منع العودة إلى قطاع غزة وتسهيل الخروج منه، في إطار سياسة ممنهجة لفرض واقع السجن الكبير على الفلسطينيين".
 
وفي رأيه فإن ما يجري حالياً لا يتعدى كونه فتحاً جزئياً ومحدوداً للمعبر وبأعداد قليلة، لا تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات. 

وشدد على "ضرورة أن تبذل جميع الأطراف جهوداً حثيثة لتوسيع عمل معبر رفح وإزالة التعقيدات والإجراءات التي يفرضها الاحتلال، بما في ذلك نقاط التفتيش الجديدة التي تُمارس فيها الإهانة والإذلال بحق المواطنين العائدين إلى القطاع".

 ووفق الشوا فإن "الأولوية القصوى تتمثل في استمرار خروج المرضى والجرحى والحالات الإنسانية الخاصة" 

 موضحاً أن نحو 20 ألف مريض وجريح بحاجة ماسة لتدخلات طبية منقذة للحياة، إلى جانب ضرورة عودة المرضى والجرحى والفئات العالقة (بفعل الحصار)، بما يسهم في لمّ شمل آلاف العائلات الفلسطينية. 

وبيّن أن الأعداد التي خرجت حتى الآن "لا تعكس حجم الحاجة الفعلية ولا تلبي الطموحات"، محذراً من أن أي إبطاء في سفر المرضى سيؤدي إلى تفاقم أوضاعهم الصحية وارتفاع أعداد الوفيات. 

ودعا في هذا السياق إلى ممارسة ضغط جاد لزيادة أعداد المغادرين والعائدين على حد سواء.
 
سلوك متوقع

ويخشى الفلسطينيون من أن يقدم الاحتلال لاحقاً على تنفيذ عمليات اعتقال بحق المسافرين أو العائدين إلى القطاع، سواء مباشرةً أو من خلال المليشيات والمجموعات المتعاونة مع الجيش الإسرائيلي. 

وقال الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني، مصطفى إبراهيم، إن ما جرى كان متوقعاً منذ اليوم الأول، موضحاً  ، أن سلوك الاحتلال الإسرائيلي "يؤكد سعيه إلى تثبيت واقع جديد في قطاع غزة، يقوم على فرض سيادته الأمنية والتحكم المطلق بالسياسات الأمنية داخل القطاع".
 
ما يحدث، وفق إبراهيم، يعكس "سلوكاً إجرامياً، لا سيما في طريقة تعامل قوات الاحتلال مع العائدين إلى غزة من الخارج، عبر إخضاعهم للتحقيق بأساليب وبذرائع مختلفة". 

واعتبر أن "هذه الإجراءات تهدف إلى توجيه رسائل ترهيب واضحة مفادها بأن من يقرر العودة سيواجه هذا المصير"، مشيراً إلى أن الاحتلال يسعى من خلال هذه السياسات إلى ترسيخ واقع التهجير القسري، رغم تسويقه دولياً تحت مسمى "التهجير الطوعي".

 ورأى أن هذا الوصف "ليس سوى فخ سياسي، لأن ما يجري على الأرض هو تهجير قسري بكل المعايير".

وأوضح إبراهيم أن الاحتلال يستخدم سياسة الاعتقالات والتحقيقات بدعوى الاشتباه بعلاقة العائدين بفصائل المقاومة، في محاولة لتثبيت واقع أمني جديد يخدم مشروعه في السيطرة الكاملة على القطاع،

 مؤكداً أن "الواقع الحالي يختلف جذرياً عما كان قائماً قبل السابع من أكتوبر (تشرين الأول 2023)، ويعكس استمرار النهج الإسرائيلي العدواني والخطير بحق الفلسطينيين". 

ولفت إبراهيم إلى أن "من يقرر العودة إلى غزة يدرك حجم المخاطر، رغم الدمار الشامل وانعدام مقومات الحياة، حيث إن كثيرين لا يملكون بيوتاً ويعيش أفراد عائلاتهم في خيام". 

ومع ذلك، تابع إبراهيم، يصر الاحتلال على تكريس هذا الواقع عبر القمع والاعتقال، مستفيداً أيضاً من "عصابات تعمل داخل المناطق العسكرية، ليُحمّلها لاحقاً المسؤولية في حال توجيه انتقادات له".