الفاشر... أطلال أرض سلام وتاريخ من معارك وحروب
بعد انتهاء حصار مدينة الفاشر وسيطرة قوات الدعم السريع عليها في أكتوبر الماضي لم يصدق أحد أن هذه المدينة احتضنت يوماً ما منازل رائعة ومحطات مياه حديثة لم يتبق منها أي أثر.
مدينة الفاشر، العاصمة التاريخية لإقليم دارفور، من المُدن القليلة التي تكررت فيها الأحداث الدامية منذ ما قبل استقلال السودان عام 1956، إذ ظلت هدفاً للغزاة والمتمردين.
وفي كل مرة تحوّل فيها المدينة التي تقع على تخوم الصحراء الكبرى إلى حُطام وأطلال تنهض كأنها تنبعث من الرماد، وتتعزز بمناعة توحي بأن تأريخها المجيد يمنحها المقاومة للبقاء.
يُروى عن مدينة الفاشر أنها كانت نقطة ومعبراً لحجاج غرب أفريقيا عندما كانت عاصمة سلطنة الفور بزعامة آخر سلاطينها علي دينار الذي حكم الإقليم بين عامي 1874 و1916، وأطلقت العملة السودانية من المدينة،
وتميّزت بزراعاتها الحديثة، وكانت علاقات مسؤوليها الخارجية جيدة مع الخلافة العثمانية في تركيا ومع ألمانيا.
ثم انتهى هذا التاريخ الحافل بمقتل علي دينار، وإزالة سلطنته إثر هزيمة جيشه أمام الجيش البريطاني في معركة برنجية في مايو/ أيار 1916، والتي شابه عنفها ما حصل في 26 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي حين سيطرت عليها قوات الدعم السريع بعدما ارتكبت انتهاكات كبيرة بحق السكان.
وبعد سقوط جيش السلطان علي دينار ضمّدت الفاشر جروحها، وأعادت ترميم ذاتها، لكنها لا تزال تنزف من جروح الحرب الحالية، علماً أن موقعها الذي يطل على ثلاث دول مجاورة، هي مصر وليبيا وتشاد، جعل إخضاعها ركيزة السيطرة على إقليم دارفور، الذي يشكل ثلث مساحة السودان،
لذا انطلقت كل شرارات الحروب في دارفور من الفاشر، وهذا ما حدث قبل أكثر من عقدين، وتحديداً في إبريل/ نيسان 2003، حين شنت قوات متمردة قادها مني أركو مناوي، أحد حلفاء الجيش حالياً، هجوماً خلّف خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات.
وحين توقفت الحرب نهائياً في الفاشر بعد 20 عاماً من هجوم قوات مناوي، اندلعت حرب إبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع التي أعادت لأهل المدينة ذكرى معركة برنجية.
وخلال حرب دارفور التي امتدت عشرين عاماً، وأدت إلى سقوط 300 ألف قتيل وجعلت الرئيس السابق عمر البشير مطلوباً لمحكمة الجنايات الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب، تحوّلت الفاشر إلى مركز لإيواء أكثر من 800 ألف نازح،
كما ارتفع عدد سكانها بشكل لافت إلى أكثر من 1.5 مليون، ما جعلها تحتل المركز الثاني على صعيد عدد السكان في السودان بعد العاصمة الخرطوم.
وواكب الزيادة السكانية توسّع عمراني غير مسبوق باعتبارها عاصمة أكبر ولاية في دارفور (ولاية شمال دارفور)، وكونها المقر الرئيسي لقوات "يوناميد" المشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، ومقر السلطة الانتقالية لدارفور بموجب اتفاقية الدوحة التي أخمدت حرب العشرين عاماً من دون أن تنهيها.
يقول أحمد يعقوب، وهو تاجر عقارات من سكان الفاشر، "توسّع السكن في المدينة حتى تجاوز حدود التخطيط الرسمي، وارتفعت أسعار العقارات حتى باتت الأعلى في كل مُدن السودان، ومن بينها العاصمة الخرطوم. حرب العشرين عاماً التي بدأت من الفاشر حوّلتها خلال سنوات قليلة إلى المدينة الأكثر أهمية في إقليم دارفور،
وأصبحت مدينة المال بامتياز رغم أنها محاطة بثلاثة مخيمات تأوي أكثر من 800 ألف نازح، هي السلام ومخيم زمزم ومخيم أبوشوك".
واللافت أن الفاشر كادت أن تنجو من حرب منتصف إبريل 2023 بعدما أعلنت حركات دافور المسلحة الحياد، لكنها انحازت إلى الجيش بعد سبعة أشهر. وبدلاً من أن تكون أرض سلام شهدت أسوأ قتال انتهى بمجزرة وارتكاب انتهاكات واسعة غير مسبوقة في الحرب.
وكانت قوات الدعم السريع قد طوقت الفاشر في مايو/ أيار 2024 ، ووضعتها تحت حصار قاسٍ فاقم الأوضاع الإنسانية وأدى إلى نفاد المواد الغذائية والدواء وتفشي المجاعة وانتشار الأمراض والأوبئة.
واستمر حصارها 18 شهراً انتهى في 26 أكتوبر الماضي بمجزرة بشرية أودت بآلاف الأرواح وخضعت لسيطرة قوات الدعم السريع.
يخبر إبراهيم خاطر، وهو وزير صحة سابق في ولاية شمال دارفور والذي عاش الحصار داخل الفاشر، أن "المدينة تعرضت لتدمير غير مسبوق، شمل الأحياء السكنية والمرافق الحكومية ومحطات الكهرباء ومياه الشرب.
وبعدما انتهى حصار المدينة وسيطرت الدعم السريع عليها لم يعد من أثر للمنازل الرائعة التي سويت بالأرض ومحطات المياه التي كان يشرب منها أكثر من مليون ونصف مليون شخص، إذ فُكِكت وسُرِقت.
أما محطات إنتاج وتوزيع الكهرباء فدُمّرت بالكامل، وحُوّلت أسلاكها إلى نحاس نُقِل إلى خارج المدينة وبيع خردة".
يضيف: "قبل الحرب كانت الفاشر مقراً دائماً للمنظمات الدولية والإقليمية في غرب السودان، لكن الحرب حوّلتها إلى أطلال، وأصبحت منازلها مدمّرة ونبتت فيها أعشاب وأشجار، وتحتاج إلى جهود غير متوفرة حالياً كي تعود كما كانت سابقاً.
والأخطر أن الفاشر خسرت إرثاً تاريخياً مهماً يتمثل في معالم بارزة، من بينها متحف سلطنة الفور الذي نُهبت منه مقتنيات تاريخية ثمينة وثقت لحقب غابرة".
ويشير إبراهيم إلى تدمير وسرقة 20 مستشفى ريفياً وأربعة مستشفيات تعليمية وسبعة متخصصة، من بينها مركز غسيل الكلى ومستشفى الأسنان ومستشفى العيون ومركز السكري ومركز السرطان ومركز المناظير.
وبخلاف المستشفيات والمراكز والمعامل الخاصة، لم يبقَ في الفاشر إلا طبيبن، أحدهما اختصاصي أطفال وطبيبة صيدلانية.
أيضاً دُمرت سلاسل ومخازن الغلال والأسواق ومصانع المواد الغذائية، ونهبت كل المخازن وأتلفت بضائع وسلع لم يستطع اللصوص نقلها.
ويقول الطاهر التيجاني، وهو أحد تجار السوق الكبير في الفاشر، "توجد خمسة أسواق رئيسية دمرّت ونهبت كلها، ما تسبب في خسائر مالية فادحة لا يمكن تعويضها بسهولة".
بدوره، يقول آدم يوسف، وهو مهندس طرقات يُقيم في الفاشر، "حوّلت الحرب طرقات المدينة إلى مستنقعات وحُفر عميقة لا يمكن السير عليها بسبب مئات القذائف التي كانت تسقط عليها والصواريخ والبراميل المتفجرة التي كانت تلقيها مسيّرات وطائرات حربية. وإلى تدمير الطُرقات،
قُصفت محطات المياه بمدفعية ثقيلة، وقُطعت خطوط نقل وتوزيع المياه بمعاول وسُرقت، وحتى المكاتب الحكومية ومؤسسات الدولة والمدارس والجامعات لحقت بها أضرار غير مسبوقة جعلتها غير صالحة للاستخدام".
وفعلياً لم تكفِ كل مناشدات العالم لمنع الانتهاكات في الفاشر باعتبارها مدينة المجتمع الدولي الذي قدم لسنوات خدمات لمئات نازحي المخيمات فيها، ما اضطر السكان في نهاية الأمر للنزوح ولجوء من بقي منهم لأكل علف الحيوانات وأوراق الأشجار والاحتماء بأنفاق تحت الأرض من القصف والذخائرة الطائشة.
وتشير معطيات إلى أن الفاشر تحوّلت إلى محرقة غير مسبوقة في حرب السودان الحالية. وزارت منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في السودان دينيس براون الفاشر في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وذلك بعد شهرين من سيطرة الدعم السريع عليها،
ووصفت المدينة بأنها "مسرح جريمة، معظم من بقوا فيها مصابون بصدمات نفسية".
ويصف شخص لا يزال في الفاشر الأحوال بأنها "قاسية، فكل من بقوا يتجمعون في ثلاثة مواقع، وغالبيتهم عجزة ونساء وأطفال فقدوا أسرهم في الحرب، ويحصلون بالكاد على طعام، وهم يواجهون إيضاً صعوبات في العودة إلى منازلهم لأن عصابات كثيرة تنتشر في المدينة وتنهب أغراضهم وتقتلهم رغم أنهم فقدوا معظم أغراضهم أثناء الحصار وبعد اجتياح المدينة".
وبعد أكثر من 90 يوماً من سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، يحاول سكانها الباقون تجاوز مرارة الانتهاكات التي تعرضوا لها خلال 18 شهراً من الحصار المُحكم الذي تسبب في نزوح آلاف وفي تفشي المجاعة والكوليرا.
وتفيد مصادر عسكرية بأن الإدارة الفنية التابعة للدعم السريع جمعت سبعة آلاف لغم وعشرة آلاف من الذخائر غير المنفجرة منذ أن توقفت العمليات العسكرية في المدينة، وبأن مساعٍ تبذل لإعلان المدينة خالية من المخلفات الحربية، لكن حتى لو تحقق ذلك يبقى خطوة ضئيلة نحو بدء عمل حقيقي لترميم المدينة المنكوبة وإعادة بناء مؤسساتها ومنازلها التي دكتها آلة الحرب.
محمد عبد الباقي