Logo

الإمبريالية أعلى مراحل الترامب ـ مزاجية!

 المزاجية هي الموجّه الوحيد لتصرفات ترامب، ولهذا فلا ضامن أن التهدئة الأخيرة مع الأوروبيين بشأن غرينلاند سوف تدوم. 

ولكن بصرف النظر عما إذا كانت كبريات الدول الأوروبية قادرة على استجماع ما يكفي من الشجاعة لاتخاذ إجراءات انتقامية موجعة ضد الولايات المتحدة ردا على تصميمها على الاستحواذ على غرينلاند إما طوعا أو كرها،

 فإن الاحتلال الأمريكي لن يكون سهلا ولن تكون الجزيرة الغنية بالمعادن النادرة فريسة سهلة المنال. 

ذلك أن «جبهة الدفاع عن غرينلاند» قد بدأت تعد العدة لقتال الأمريكيين ودحر «العملاق الجوعان». 

وتتألف هذه الجبهة من بعض الأهالي، ولكن معظم مقاتليها هم من حيوانات الجزيرة المستوطنة هناك منذ ملايين السنين، تقودها الدببة القطبية البيضاء الضخمة مع كتائب من «الفظ»، ذلك الحيوان القطبي الضخم ذي الأنياب العاجية الطويلة.

وأعلنت الحيوانات، التي نظمت في الأيام الأخيرة استعراضا عسكريا مشهودا، أنها جاهزة للقتال ومتحرّقة شوقا للنزال ودحر الغزاة، 

وذكّرت الأعداء والأصدقاء أنها لطالما واجهت، منذ قديم الزمان، ألوانا من الشدائد والمحن والعدوان، فما رضخت يوما وما استكانت ويا جبل ما يهزك ريح! 

كل هذه الوقائع والبيانات «موثقة» في شريط فيديو وجيز يثبت ما يمكن للذكاء الاصطناعي أن ينجزه عندما يستخدم استخداما ذكيا فعلا في خدمة القضايا العادلة، بما فيها قضية حق الأمم في تقرير مصيرها والدفاع عن أرضها وعرضها. 

وليست الأمم من الآدميين فقط، مثلما يظن أكثرنا، بل إن كل أنواع المخلوقات الأخرى تؤلف هي الأخرى أمما لها خصائص وأرزاق وحقوق، 

بدليل ما قرره القرآن الكريم في سورة الأنعام (الآية 38): «وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون».
 
وبما أن طول الفيديو دقيقتان فقط فهو مما يمكن لترامب، لو تجرأ أحدهم على عرضه عليه، مشاهدته بدون أن يتشتت ذهنه، وربما أمكنه فهمه بعدما تعذرت سبل الفهم والتفاهم بينه وبين حلفائه الأوروبيين الذين قرر أن يتخذهم أعداء، بل أن يخصهم لوحدهم بالعداوة،

 بينما هو يساير ويمالئ ويجاري ويداري مع الأعداء الحقيقيين من أمثال روسيا والصين. 

ومن غرائب رغبة الرجل في أخذ غرينلاند غصبا أنه يزعم أن للصين وروسيا أطماعا فيها وأن المصلحة القومية الأمريكية تلزمه باحتلالها بِدارا واستباقا.

 أما الأغرب حقا، فهو أن للولايات المتحدة قاعدة عسكرية في الجزيرة، وأنها القوة الكبرى الوحيدة التي حصلت على هذا الامتياز بموجب اتفاقية عقدتها مع الحكومة المحلية لغرينلاند منذ عام 1951. 

والمثير في هذه الاتفاقية أنها تجيز للولايات المتحدة التدخل في غرينلاند واتخاذ أي إجراءات تراها مناسبة لخدمة المصالح الأمريكية!

وكانت الولايات المتحدة قد عرضت شراء الجزيرة عام 1867، ثم عاودت الكرّة عام 1910 وعام 1946. 

ولكن اتفاقية 1951 أغنتها عن هذه المحاولات، خصوصا أن الاتفاقية لم تفعل سوى تكريس الأمر الواقع. ذلك أن الوجود العسكري الأمريكي في غرينلاند قد بدأ منذ عام 1941، أي منذ بدايات الحرب العالمية الثانية. 

لهذا يقول عقلاء الأمريكيين، وفيهم طائفة من ساسة الحزب الجمهوري، إنه لا معنى لأن تحتل الولايات المتحدة أرضا هي محمية أمريكية أصلا منذ أكثر من ثمانية عقود! ولا وجه للتذرع بالسعي لتحقيق مصالح الأمن القومي الأمريكي، بما أن هذه المصالح الأمنية متحققة في الجزيرة فعلا،

 وأنه يمكن، بموجب الاتفاقية السارية المفعول دوما، توسيع نطاقها وتعميق أثرها كلما شاءت الولايات المتحدة وكيفما شاءت. 

ولهذا سبق لها أن نشرت هناك، في عز الحرب الباردة، ما لا يقل عن 15 ألف جندي، ثم قررت في العقود الأخيرة خفض وجودها إلى 200 جندي فقط. 

فما الذي يضطر أي سياسي عاقل، في مثل هذه الشروط المثالية من منظور خدمة المصالح الأمريكية، إلى مجرد التفكير في الغزو والاحتلال؟ 

وأين هو الحد الأدنى من المنطق في شن حملة ترمي إلى اقتحام أبواب هي مُشْرَعة أصلا، أي إلى تحقيق ما هو متحقق فعلا؟! وأين هو الذكاء في هذه الإمبريالية المزاجية التي تتجشم عناء استعداء جميع الحلفاء لا لغاية إلا تحصيل الحاصل؟!

لا تفسير لكل هذا العبث إلا أنه إذا كانت «الإمبريالية هي أعلى مراحل الرأسمالية» حسب مقولة لينين الشهيرة، فإنه يبدو أنها صارت مع ترامب مجرد مرحلة قصوى من المزاجية الصبيانية.

 مالك التريكي
كاتب تونسي