Logo

مثلث خليجي يقود هندسة وسردية البقاء.. حين تصبح القصة أقوى من الرصاصة

 في زمنٍ لم تعد فيه السيادة تُقاس بمدى فوهة المدافع بل بمدى انتشار الهشتاج وقوة السردية تبرز في الجزيرة العربية ظاهرة دولية غير مسبوقة هنا في المثلث الخليجي (الرياض، الدوحة، وأبوظبي) تُخاض معركة من نوع مختلف 
معركة لا تُستخدم فيها الرصاصة لفرض الإرادة بل تُستخدم فيها القصة لهندسة السمعة وصناعة الرأي العام العالمي.
​ورغم تباين الأدوات واختلاف النماذج بين الرياض التي تعيد تعريف ذاتها كقطب قادم للمستقبل والدوحة التي احترفت دبلوماسية الصوت والوساطة وأبوظبي التي تراهن على التقنية 
إلا أن الغاية تظل واحدة وهي انتزاع الحق في رواية التاريخ من يد الغرب والسيطرة على الرأي العام لضمان سردية بقاء تتجاوز عصر النفط.
​وفي قلب هذا الإعصار من القوة الناعمة يجد اليمن نفسه أمام التحدي الأكبر هل يظل موضوعاً في قصص الآخرين وسردياتهم؟ 
هل آن أوان أن يستثمر في نقاط قوته الكامنة ويصيغ قصته الخاصة التي تحول موقعه الاستراتيجي وعمقه التاريخي من ساحة للصراع إلى جسرٍ للعبور نحو هذا الوعي العالمي الجديد؟
تشهد البيئة الدولية تحولًا جوهريًا في طبيعة القوة إذ لم تعد الهيمنة العسكرية أو الاقتصادية وحدها كافية لضمان النفوذ بل باتت القدرة على صناعة الرأي العام العالمي عنصرًا مركزيًا في معادلة الأمن القومي للدول
 ففي عالم تُدار فيه الصراعات بالعناوين وتُبنى الشرعية عبر المنصات الرقمية تتحول السردية إلى شكل من أشكال السيادة غير المرئية.
في هذا السياق برزت السعودية وقطر والإمارات كنماذج إقليمية فاعلة لا تكتفي بمتابعة المشهد العالمي بل تسعى بوعي واستثمار استراتيجي إلى إنتاج المعنى وصياغة الصورة التي يرى من خلالها العالم الخليج ودوره 
وقد انتقلت هذه الدول رغم اختلاف أدواتها ونماذجها من موقع التلقي الدفاعي للسرديات الغربية إلى موقع الفعل السردي الاستباقي.
ورغم تباين التوجهات، تلتقي العواصم الخليجية الثلاث عند حقيقة مركزية واحدة هي أنه من لا يملك سرديته سيعيش داخل سردية الآخرين ففي عالم تُصنع فيه السمعة بالتغريدات وتُبرَّر السياسات بالتقارير أصبحت  صناعة الرأي العام ضرورة استراتيجية للبقاء .
لم تعد السعودية والإمارات وقطر دولًا ثرية تبحث عن نفوذ بل دولًا أدركت أن النفوذ الحقيقي يبدأ من العقل قبل الأرض ومن الصورة الذهنية قبل السيطرة الجغرافية وقد نجحت بدرجات متفاوتة في الانتقال من الهامش الإعلامي إلى مركز التأثير ومن ردّ الفعل إلى المبادرة السردية.
لم يكن هذا التحول وليد الصدفة بل نتيجة إدراك مبكر بأن عصر التمويل الصامت قد انتهى وأن الدولة التي لا تُنتج خطابها ستظل موضوعًا في خطابات الآخرين 
لذلك انتقلت هذه الدول من دور المموّل أو المتلقي إلى دور المنتِج للسردية مستخدمة منظومة متكاملة من الأدوات هي الإعلام والبحث العلمي والدبلوماسية العامة والرياضة والثقافة والتكنولوجيا وحتى العمل الإنساني.
وتعود دوافع هذا التحول إلى جملة عوامل أبرزها تآكل الضمانات الدولية التقليدية وتزايد تأثير الرأي العام في توجيه السياسات الغربية وهيمنة الإعلام الغربي تاريخيًا على تمثيل المنطقة 
إضافة إلى الحاجة لجذب الاستثمارات والشراكات طويلة الأمد حيث أدركت العواصم الخليجية أن الاستقرار السياسي والاقتصادي بات مرهونًا بالقبول الدولي لا بالقوة الصلبة وحدها.
خلال السنوات الأخيرة، خاضت السعودية معركة مزدوجة ففي الداخل أعادت هيكلة الاقتصاد والمجتمع عبر ما سمي برؤية 2030 
وفي الخارج عملت على إعادة صياغة صورتها الذهنية عالميًا باستثمارها في الإعلام الدولي واستضافت قممًا ومناسبات كبرى وأعادت تموضعها كلاعب عقلاني في ملفات الطاقة والتوازن بين الشرق والغرب 
فلم يعد خطابها موجّهًا فقط للحكومات الغربية بل للرأي العام الغربي نفسه المستثمر والناخب وصانع القرار غير الرسمي. 
وفي هذا السياق لا تُعد استضافة كأس العالم 2034 حدثًا رياضيًا فحسب بل أداة استراتيجية لإعادة تعريف المملكة في المخيال العالمي.
أما قطر فكانت الأكثر جرأة في إدراك مبكر لقوة الإعلام
فلم تكن الجزيرة مجرد قناة إخبارية فقط بل منصة أعادت توزيع الصوت في العالم العربي والعالمي وكسرت احتكار السرديات التقليدية ومن خلالها امتلكت الدوحة قدرة نادرة على التأثير في الأجندة الدولية وفتح ملفات مسكوت عنها وصنعت نقاشات تتجاوز حدودها الجغرافية 
وإلى جانب ذلك نجحت قطر في توظيف دبلوماسية الوساطة والرياضة لا سيما كأس العالم 2022 لتكريس صورتها كعصب اتصال دولي لا يمكن تجاوزه رغم الجدل المصاحب.
 الإمارات اختارت مسارًا مختلفًا وأكثر هدوءًا لسرديتها تقوم على التقنية والاقتصاد المعرفي 
فمن خلال الاستثمار في التكنولوجيا ومراكز الأبحاث والفضاء والحوكمة الرقمية قدّمت نفسها كنموذج الدولة المستقبلية لا كحاضرة نفطية عابرة وراهنت على الزمن القادم لتُعيد تموضعها كوجهة للفرص والابتكار في وعي النخب العالمية.
أهم نقطة برأيي اختارتها الدول الثلاث هي اختراق الثقافة الشعبية الغربية حيث اعتمدت هذه الدول الخليجية على استراتيجية ذكية تقوم على الاندماج في نمط الحياة اليومي للرأي العام العالمي 
فعندما يشجّع شاب في البرازيل أو اليابان ناديًا مملوكًا لجهة خليجية أو يتابع نجمه المفضل في الدوري السعودي فإنه يبني رابطًا عاطفيًا يتجاوز التقارير السياسية 
وهنا تتجلى القوة الناعمة في أبهى صورها في أن تجعل الآخرين يحبون ما تحب دون إكراه وبإقناع ذكي وهنا تصبح القصة أهم من الرصاصة والقبول أهم من الفرض.
وقد اعتمدت الاستراتيجية الخليجية على حزمة متكاملة من الأدوات منصات إعلامية متعددة اللغات استثمارات رياضية عابرة للحدود وشراكات مع الإعلام الغربي واختراق الثقافة الشعبية عبر الدوريات والوثائقيات والسينما وتوظيف المؤثرين والمنصات الرقمية 
وتمويل مراكز أبحاث وجامعات دولية كل ذلك نقل الخطاب من الدعاية التقليدية إلى الاندماج في الحياة اليومية للجمهور العالمي.
ومهما بلغت الفاتورة المالية لهذه الاستثمارات فإن العائد الاستراتيجي يظل أثمن إذ إن شراء المكانة الدولية وتأمين القبول العالمي هو استثمار في صلب الأمن القومي يفوق في مكاسبه أي تكلفة مادية عابرة
فالإنفاق الخليجي السخي على أدوات القوة الناعمة الذي نضحك عليه اليوم ونستغربه ليس استهلاكاً للموارد كما يعتقد الكثير من الناس بل هو مقايضة ذكية للثروة بالنفوذ فالدول التي تنجح في امتلاك القلوب والعقول تربح في صراع البقاء مهما بلغت تكلفة البناء السردي
فما يُدفع اليوم في الملاعب والمسارح والمنصات ومراكز الأبحاث هو في الحقيقة أقساط تأمين لمستقبل الدول فالربح الحقيقي لا يُقاس بالدولارات بل بمدى حصانة الدولة وقدرتها على توجيه الرأي العام العالمي لصالحها .
ويمكن ملاحظة تحول ملحوظ في تعاطي كبرى المنصات الإعلامية الغربية مع السردية الخليجية كنتاج لسياسة هذه الدول في هندسة الرأي العام الدولي 
إذ انتقلت من النقد الدائم إلى الشراكة وإتاحة مساحات واسعة للرؤية الخليجية سواء عبر كبرى المنصات بلومبرغ وفايننشال تايمز أو المنصات الرياضية العالمية إضافة إلى نتفليكس وديزني من خلال الوثائقيات. 
كما أسهم الحضور المنظم في منصات التواصل الاجتماعي ولا سيما( X ) والتعاون مع مؤثرين غربيين في خلق سردية من القاعدة إلى القمة تتجاوز قيود الإعلام التقليدي وتنتج ألفة معرفية وبصرية مع الخليج.
ورغم هذا التقدم لا تزال ملفات حقوق الإنسان والتناقضات بين الخطاب والممارسة تمثل تحديًا مستمرًا فالقوة الناعمة لا تُختبر في أوقات النجاح بل في إدارة الأزمات والقدرة على الحفاظ على المصداقية عندما تتعرض السردية للاهتزاز
 غير أن السيطرة على السردية لا تعني امتلاك الحقيقة بل القدرة على جعل القصة قابلة للتصديق والاستمرار 
فالقوة الناعمة التي لا يحميها الفعل ولا تسندها الأخلاق سرعان ما تتحول من مصدر نفوذ إلى عبء استراتيجي وفي النهاية قد لا ينتصر من يملك السلاح الأقوى بل من ينجح في إقناع العالم بأن قصته… هي الأجدر بالتصديق.
ولهذا تحاول الدول الثلاث كل ما في وسعها لتغيير صورتها .
نحن اليوم أمام لحظة تاريخية يُعاد فيها تعريف مفهوم القوة فلم تعد السيادة تُقاس بما تفرضه الدول بل بما يُصدّقه العالم عنها وفي هذا العالم الرمادي حيث الحقيقة نسبية والسردية هي الملك يخوض الخليج معركته الأهم لا على النفط أو الجغرافيا فقط بل حتى على المعنى
 فلم يعد الخليج ينتظر مراسل نيويورك تايمز ليكتب قصته بل أصبح يمتلك المنصة والصورة والصوت وهو لا يبني أبراجًا من الإسمنت والزجاج فقط بل جسورًا ذهنية مع العالم .
اليمن يجد نفسه اليوم أمام تسونامي من القوة الناعمة الخليجية التي تعيد تشكيل المنطقة ولهذا يجب صياغة استراتيجية ذكية للتعامل مع هذا النفوذ الذهني والمادي الجديد لأنه من لا يملك سرديته سيعيش داخل سردية الآخرين 
فنحن لدينا أيضا قوى ناعمة هي الأصالة مقابل الحداثة فنحن نمتلك مخزوناً ثقافياً وتاريخياً من القوة الكامنة يمثل العمق الذي تحتاجه السردية الخليجية الحديثة 
والمطلوب هو ​تقديم اليمن كخزان الهوية والجمال في الجزيرة العربية واستخدام التاريخ والتراث والفن والموسيقى اليمنية كجسر للتواصل مع الشعوب التي بدأت تنجذب للمنطقة .
​بما أن قطر نجحت في جعل الوساطة علامة تجارية لقوتها الناعمة فإن اليمن مطالب بتبني دبلوماسية التوازن والتموضع كدولة ذات سيادة تبحث عن مصالحها العليا مما يجعلها شريكاً عالميا موثوقاً بندية في عالم السرديات الجديد .
اليمن ليس مجرد دولة تطل على البحر فقط بل هو المتحكم الفعلي في مضيق باب المندب أحد أهم الشرايين البحرية في العالم ومفتاح القوة القادرة على التحول إلى مركز لوجستي عالمي يربط بين الشرق والغرب 
وهو ما يجعله شريكاً حيوياً لأي مشروع اقتصادي إقليمي كطريق الحرير أو الممرات الاقتصادية الدولية .
دول الخليج تستثمر المليارات لصناعة متاحف وهوية بصرية حديثة بينما يمتلك اليمن أصالة طبيعية غير مستحدثة ​نقطة القوة المدن التاريخية كصنعاء القديمة وشبام حضرموت وزبيد وغيرها كلها تمثل قوة ناعمة ثقافية عالمية 
فاليمن هو الأصل في المخيلة العربية وهذا يمنحه شرعية ثقافية يمكن تحويلها إلى جذب سياحي وبحثي فريد .
الإنسان اليمني معروف عالمياً بقدرته الفائقة على التكيف والعمل الدؤوب والنجاح في بيئات الاغتراب نقطة القوة العمالة اليمنية ليست مجرد قوة عضلية فقط بل هي رأس مال اجتماعي 
فالجاليات اليمنية المنتشرة من شرق آسيا إلى أمريكا وبريطانيا تمثل سفارات ناعمة يمكنها الترويج للسردية اليمنية الجديدة إذا ما تم تنظيمها.
يمتلك اليمن تضاريس لا توجد في شبه الجزيرة العربية مجتمعة من جبال السراة الشاهقة إلى أرخبيل سقطرى الذي يُصنف كأحد أغرب الأماكن على الأرض نقطة القوة سقطرى وحدها تمثل علامة تجارية عالمية للسياحة البيئية 
وهذا التنوع يمنح اليمن ميزة تنافسية في استقطاب الاستثمارات السياحية والبيئية التي تبحث عن الاختلاف عما هو موجود في المنطقة .
يمتلك اليمن منتجات لها سمعة عالمية تاريخية دون الحاجة لتسويق مكثف مثل البن موكا والعسل السدر ​واللبان وغيرها 
نقطة القوة هذه المنتجات هي أدوات دبلوماسية اقتصادية يمكن لليمن إعادة صياغة صورته الذهنية من خلال جودة منتجاته الأرضية تماماً كما فعلت فرنسا بالعطور وسويسرا بالساعات .
وفي الختام أقول نحن لا نشهد مجرد سباقٍ على الرفاهية بل نشهد إعادة رسم لخارطة النفوذ العالمي انطلاقاً من منطقتنا فنجاح المثلث الخليجي في عبور جسر السردية يضع اليمن أمام حقيقة تاريخية لا تقبل التأجيل
 إما أن نكون العمق الحضاري والقلب الاستراتيجي لهذه القصة الجديدة أو سنظل هامشاً في قصص يكتبها الآخرون عنا 
فالقوة الناعمة ليست مجرد صورة براقة بل هي انعكاس لقيم العدالة والاستقرار والاتساق بين ما نقوله للعالم وما نفعله على الأرض
 واليمن بكل ما يملكه من أصالة طبيعية وإرادة بشرية يمتلك كافة المقومات ليكون قلب السردية فالتاريخ لا يكتبه من يملك الرصاصة الأسرع بل يخلده من يملك القصة الأبقى واليمن هو أصل القصة .
وأختم حديثي بالسؤال الكبير هل يمكن للنخبة اليمنية أن تتحد خلف سردية وطنية واحدة تُقدّم للعالم بعيداً عن الصراعات المختلفة لتبدأ عملية تسويق اليمن الأصل ؟ .

* د. ربيع شاكر المهدي 
سياسي يمني.