Logo

تناقضات الحوثيين في ملف المعتقلين: إفراجات محدودة وأحكام إعدام

أفرجت جماعة الحوثيين ، خلال الأيام الماضية، عن ناشطين اعتقلتهم في حملات سابقة، خلال سبتمبر/ أيلول الماضي، بعد أشهر من الاعتقال التعسفي، 

في الوقت الذي تعتزم فيه الجماعة تنفيذ أحكام إعدام بحق ثلاثة معتقلين بعد أسابيع من إعلان اتفاق تبادل الأسرى والمختطفين في مسقط، يوم 23 ديسمبر/ كانون الأول الماضي. 

وأفرج الحوثيون عن الكاتب والشاعر أوراس الإرياني والكاتب ماجد زايد وآخرين، في وقت متأخر من ليل الأحد الماضي، دون أن تعلق الجماعة على المتغيرات التي دفعتها للإفراج عمن اعتقلتهم بظروف غامضة ومفاجئة من منازلهم أو من الشوارع. 

 كما تم إطلاق سراح الشيخ القبلي عارف قطران، بعد مئة وثلاثة عشر يوماً من التغييب خلف الشمس، منها ثلاثة وثمانون يوماً في دهاليز الإخفاء القسري التي لا تعرف الرحمة.

تهمة انتقاد الحوثيين

وأكد عمرو الإرياني، شقيق أوراس، أول من أمس الاثنين، الإفراج عن شقيقه الذي اتصل به عبر الهاتف وأخبره بالأمر. وقال عمرو خلال مقطع فيديو قصير على منصة "فيسبوك": "أوراس خارج المعتقل... أوراس حر طليق... أوراس بيننا". 

وكانت الجماعة قد اعتقلت أوراس الإرياني، في سبتمبر الماضي، بعد يوم واحد من كتابته نقداً ساخراً عن الحوثيين في ذكرى سيطرتهم على صنعاء، في 21 سبتمبر 2014. وبعد ساعات من اعتقاله حُذفت صفحته على منصة فيسبوك. 

وقبل أيام من الإفراج عن الإرياني، وبالتزامن مع أحداث جنوبي اليمن ودعوات الانفصال، تداول أصدقاؤه جزءاً من قصيدة شعرية يقول فيها "قبر أمي في جنوب الوطن... وقبر أبي في شمال الوطن... آه كم أشعر بالوحدة!". 

وجاء اعتقال الإرياني ضمن حملة اعتقالات واسعة طاولت المئات في صنعاء وعدد من المحافظات اليمنية، بالتزامن مع ذكرى ثورة 26 سبتمبر 1962، إذ زعمت وزارة الداخلية التابعة للحوثيين حينها، بأنها تواجه مخططاً "لإثارة الفتنة وزعزعة الأمن والاستقرار وضرب الجبهة الداخلية".

من جانبه قال الكاتب ماجد زايد، الذي اعتُقل في 23 سبتمبر الماضي بعد كتابة منشور على "فيسبوك" احتفى فيه بذكرى ثورة 26 سبتمبر، إنه خرج من السجن "بعد 120 يوماً قضيتها فيه، لقد كان زمناً طويلاً من الانتظار والحنين". 

وسرد على صفحته في "فيسبوك"، مساء أول من أمس، تفاصيل اعتقاله بالقول: "في ذلك المساء الذي أخذوني فيه (الحوثيون) كنت قد علمت للتو أنني مصاب بالتهاب الكبد المناعي، ووضع لي استشاري الكبد خطة علاجية صارمة"،

 مضيفاً: "لكنني بعدها وجدت مصيراً مختلفاً، هكذا بلا مقدمات، وجدت السجن والمرض، وخيالات أمي المرسومة بعمق ذاكرتي وقلبي". وتابع: "في قلبي كلام بحجم الدنيا وما وراءها، لكنني سأدع كل شيء أمامي لأمضي متجاهلاً ما بقي محفوراً بقلبي".
 
ومُنعت الزيارة كلياً عن المعتقلين المفرج عنهم من سجون الحوثيين، وظلت أسرهم لا تعرف عنهم شيئاً لأكثر من شهرين على اعتقالهم، قبل السماح للمعتقلين بالتواصل مع أسرهم وتطمينهم عبر الهاتف. 

وأشارت مصادر حقوقية ، إلى أن "الحوثيين وعبر قيادات مرتبطة بسلطة الجماعة، كانت تقدم الوعود لغالبية الأسر (المعتقلين) بأن ذويهم يخضعون لإجراءات أمنية فقط، وأنه سيتم الإفراج عنهم".

 وشددت المصادر نفسها على أن "هذه الوعود هي ذاتها التي تتكرر بالنسبة لمئات الموجودين في سجون الجماعة". ولا يقدم الحوثيون أي تفسيرات لعمليات الإفراج عن المعتقلين،

 فيما غاب أي تعليق رسمي حول تلك الأخيرة، في وسائل إعلام الجماعة التي تطغى عليها في هذه الأيام تغطية الاحتجاجات في إيران.

 وتشير تقديرات حقوقيين إلى أن عمليات الإفراج مرتبطة بالضغط الذي تعيشه الجماعة جراء احتجاجات إيران والتهديدات الأميركية، وسط تحسّب لاحتمال مواجهة سيناريو تصعيد ضدها.

امتناع عن الإفراج

لكن في المقابل يتعنت الحوثيون في إطلاق سراح آخرين، إذ قبل نحو أسبوعين أصدرت محكمة في صنعاء قراراً بالإفراج عن الصحافي اليمني محمد المياحي، بعد أكثر من عام ونصف العام على اعتقاله من منزله بسبب منشور كتبه عن خطاب زعيم جماعة الحوثيين عبد الملك الحوثي. 

ووجهت له تهمة "تكدير الأمن والإضرار بالدولة ونظامها السياسي". لكن لم يتم الإفراج عن المياحي حتى لحظة كتابة هذا التقرير. 

وقال مصدر مقرب من أسرته ، إن "موظفاً في جماعة الحوثي رفض الإفراج عنه، وقد طلب مبلغ خمسة ملايين ريال يمني (نحو 9400 دولار أميركي) رغم أنه قد تم الإعفاء عن الضمانة (كفالة)، وإصدار حكم الإفراج عنه".
 
أما عمار الأهدل، وهو محامي المياحي، فقد أوضح ، أن "القانون والقضاء يعتبران المياحي حراً منذ النطق بالحكم في 28 ديسمبر/ كانون الأول الماضي"، 

مشدداً على أن "الاستمرار بسجنه مخالف للقانون والقضاء، ويعرقله (الحكم) موظف صغير في التنفيذ". وأضاف الأهدل أن "قرار المحكمة أيد الحكم الابتدائي بالإدانة، لكن في ما يتعلق بالعقوبة فقد قررت الاكتفاء بمدة الحبس التي قضاها في السجن"،

 لافتاً إلى أن المحكمة "أيدت مصادرة أجهزته (الإلكترونية)، أما في ما يتعلق بالعقوبات التكميلية القاسية فقد ألغاها الحكم الاستئنافي".

وتشمل العقوبات التكميلية في قضية المياحي مراقبةً لمدة ثلاث سنوات وضمانة بعدم الكتابة ودفع خمسة ملايين ريال، والتي ألغيت في الحكم.

 وذكر الأهدل أنه "في قسم تنفيذ الإفراج قالوا إن الحكم لم يلغِ العقوبات التكميلية بشكل صريح، وبالتالي تمت إعاقة الإفراج"، 

معتبراً أن "تأخير الإفراج جزء من التعقيدات البطيئة وغياب استشعار المسؤولية". 

والمياحي (32 عاماً) هو واحد من مئات المعتقلين في سجون الحوثيين، الذين اعتقلوا خلال حملات قمع متعددة خاضتها الجماعة ضد من تعتقد أنهم يشكلون خطراً على سلطتها في فترات مختلفة من تصاعد الاحتقان الشعبي، 

وذلك جراء استمرار الحرب وتدهور الوضع المعيشي، إذ تعمد الجماعة لاستخدام الإجراءات الأمنية مع أي مطالب أو احتجاجات.
 
أوامر إعدام

على صعيد آخر، كشفت 19 منظمة حقوقية يمنية، في بيان مشترك السبت الماضي، عن أوامر إعدام تعتزم جماعة الحوثيين تنفيذها بحق ثلاثة معلمين مسجونين منذ عشر سنوات. 

وقالت إن "الجماعة بدأت فعلياً الإجراءات النهائية لتنفيذ الإعدامات بحق كل من: صغير أحمد فارع وعبد العزيز أحمد العقيلي، إسماعيل محمد أبو الغيث، من خلال تسليمهم الأحكام وإجبارهم على التوقيع عليها". 

ودعت المنظمات إلى التحرك العاجل والفوري لإنقاذ المعلمين الثلاثة وإلغاء أحكام الإعدام الصادرة بحقهم، ووقف أي إجراءات قد تفضي إلى تنفيذها.

 وقالت إن المعلمين الثلاثة "اختطفوا في عام 2015 وتعرضوا للإخفاء القسري لمدة خمس سنوات"، كما تعرضوا "لأبشع صنوف التعذيب النفسي والجسدي، وصلت إلى حد تدهور أوضاعهم الصحية بشكل خطير".
 
وأصدر الحوثيون، قبل ثلاث سنوات، حكم الإعدام بحق المعلمين الثلاثة بتهمة التخابر مع "تحالف دعم الشرعية في اليمن". 

ورأى حزب الإصلاح في اليمن، أن الأحكام تستهدف المنتمين للحزب. 

وقال المتحدث باسم الحزب، عدنان العديني، على منصة إكس السبت الماضي، إنه "في معركة الوطن ضد مليشيا الحوثي، كان (حزب) الإصلاح من أكثر القوى تضحية؛ فسجون الجماعة ممتلئة بشبابنا في مختلف المحافظات الخاضعة لسيطرتها، وما زال أبناؤنا يدفعون ثمن موقفهم المنحاز للدولة والجمهورية".

 وأضاف أن "مليشيا الحوثي... أصدرت أحكام الإعدام بحق ثلاثة من شبابنا في محافظة المحويت، في تأكيد جديد على طبيعة هذا المشروع، وعلى أن معركتنا كانت ولا تزال معركة دولة في مواجهة جماعة انقلابية وضد مشروع يستهدف الإنسان والدولة معاً". 

ويأتي هذا التصعيد بملف المعتقلين والأسرى، بعد إعلان الحوثيين والحكومة اليمنية الاتفاق على صفقة تبادل، الشهر الماضي في مسقط، تشمل 2900 أسير ومعتقل من الجانبين، وانتشال الجثامين من كل الجبهات. 

ويُفترض، بموجب الاتفاق، تشكيل لجان لزيارة السجون لحصر من سيتم الإفراج عنهم خلال شهر.
 
وتهدد أحكام الإعدام التقدم نحو الاتفاق الذي يتوقع أن يكون خطوة أولى نحو بناء الثقة في هذا الملف الإنساني، نحو الوصول إلى تسوية. 

وهدد رئيس وفد الحكومة اليمنية يحيى كزمان، بأن إجراءات الحوثيين تهدد بنسف الاتفاق.

 وكتب على إكس، الأحد الماضي :"نؤكد أن ارتكاب أي حماقة أو جريمة بحق المختطفين من قبل مليشيا الحوثي سيؤدي إلى نسف كامل للاتفاقات الموقعة، بما في ذلك الاتفاق الأخير الموقع في العاصمة العُمانية مسقط".

 وإلى جانب المئات من أسرى الحرب بين أطراف الصراع في اليمن، يوجد الكثير من المعتقلين والمخفيين قسراً، والذين اعتُقلوا من منازلهم ومن الطرقات خلال السنوات الماضية، ضمن مراحل متعدد من التصعيد، آخرها حملات نفذها الحوثيون خلال الأشهر الماضية بحق ناشطين وموظفين في منظمات دولية في المناطق الخاضعة لسيطرتهم. 

ياسر حميد