القرن الأفريقي والبحر الأحمر: جغرافيا قلقة وصراع الممرات
تشهد منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر منذ سنوات سلسلة متراكمة من الأحداث المتداخلة، غير أن وتيرتها وتسارعها بعد حرب غزة الأخيرة أعادا طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة التحولات الجيوسياسية الجارية، وأطرافها الفاعلة، وأهدافها النهائية.
فالمشهد لا تمكن قراءته بوصفه أزمات منفصلة في اليمن أو السودان أو الصومال، بل كجزء من بنية صراعية أوسع، تتعلق بالتحكم بالممرات البحرية الاستراتيجية وإعادة هندسة توازنات القوة في الإقليم العربي ومحيطه الأفريقي، ضمن سياق تنافس دولي تقوده الولايات المتحدة، وتستفيد منه إسرائيل بصورة مباشرة.
يمثّل البحر الأحمر أحد أهم الشرايين الحيوية للتجارة العالمية وأمن الطاقة، كما يعدّ من أخطر نقاط الاختناق البحرية في العالم، إذ يربط البحر المتوسط بالمحيط الهندي عبر مضيق باب المندب.
ويجاور هذا الممر الحيوي مناطق نفوذ تقليدية لدول عربية محورية مثل مصر والسعودية واليمن، ما يجعل أي اضطراب في ضفتيه الأفريقية أو العربية انعكاساً مباشراً على الأمن القومي العربي.
خلال العقد الأخير، تحوّل القرن الأفريقي من هامش جيوبوليتيكي إلى قلب الجغرافيا "القلِقة" في العالم. وأصبح ساحة صراع مفتوحة بين قوى إقليمية ودولية، عبر إنشاء قواعد عسكرية، وضخ استثمارات استراتيجية في الموانئ، ودعم حركات محلية أو كيانات شبه دولية، بما يسمح بإدارة النفوذ والتحكم بالمسارات الحيوية من دون كلفة الاحتلال المباشر.
في هذا السياق، يبرز الاعتراف الإسرائيلي المفاجئ بما يُعرف بـ"أرض الصومال"، غير المعترف بها دولياً، بوصفه تطوراً بالغ الخطورة.
ولا تكمن خطورة الخطوة في قيمتها القانونية بقدر ما تكمن في رمزيتها السياسية وتوقيتها الاستراتيجي، إذ جاءت في لحظة اضطراب إقليمي أعقبت حرب غزة، وفي منطقة تشهد حضوراً إماراتياً اقتصادياً وعسكرياً ولوجستياً فاعلاً.
ولا يمكن فصل هذا الاعتراف عن سعي إسرائيل إلى تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها إيجاد موطئ قدم مباشر على الضفة الأفريقية للبحر الأحمر، وتأمين خطوط الملاحة الإسرائيلية وتوسيع عمقها الاستراتيجي جنوباً،
إضافة إلى توظيف الكيانات غير المعترف بها كأدوات ضغط ومساومة إقليمية، سواء في ملف التهجير الفلسطيني أو في مواجهة دول عربية وإقليمية مركزية، مثل السعودية ومصر وتركيا وإيران.
وبهذا المعنى، تتحول "أرض الصومال" إلى حلقة جديدة في شبكة نفوذ تمتد من شرق المتوسط إلى باب المندب.
على الضفة العربية للبحر الأحمر، يبدو اليمن الحلقة الأكثر هشاشة في هذا المشهد. فعودة الانقسام السياسي والجغرافي بين شمال وجنوب، وتصاعد دور المجلس الانتقالي الجنوبي
ولا سيما محاولاته التمدد نحو حضرموت ومناطق الشرق، تعيد طرح سؤال مستقبل الدولة اليمنية ووحدتها.
والأخطر من ذلك هو انتقال التباين السعودي–الإماراتي حول الملف اليمني من مستوى الخلاف المكتوم إلى المواجهة العلنية، كما عكسه استهداف السعودية لشحنات عسكرية في ميناء المكلا، في سابقة نادرة في العلاقة بين البلدين.
ولا يمكن فهم هذا الخلاف بمعزل عن معادلة الأمن السعودي المباشر، إذ لا تُعدّ حضرموت مجرد محافظة يمنية، بل تمثل عمقاً جغرافياً حساساً للمملكة.
وأي كيان مسلح أو شبه دولي خارج السيطرة السعودية هناك يُنظر إليه بوصفه تهديداً استراتيجياً، خصوصاً إذا ارتبط بشبكات نفوذ أوسع تتقاطع مع مصالح أميركية أو إسرائيلية في البحر الأحمر.
يتكامل هذا المشهد مع ما يجري في السودان من فوضى ممتدة، وفي إثيوبيا من اضطرابات داخلية ونزاعات إقليمية، بما يعزز فرضية "التطويق غير المباشر" لدول عربية محورية:
تطويق السعودية من الجنوب، والضغط على مصر عبر خاصرتها الأفريقية والبحر الأحمر، وتحويل اليمن من دولة مركزية إلى ساحات نفوذ متنازعة.
وفي هذا الإطار، تلعب الولايات المتحدة دور المظلة السياسية، بينما تتحرك إسرائيل كفاعل مبادر يسعى إلى ترسيخ نفوذ طويل الأمد في الممرات البحرية الاستراتيجية.
كما أن الضغوط المتزايدة باتجاه التطبيع مع إسرائيل، وخصوصًا على دول وازنة مثل السعودية، لا يمكن فصلها عن هذا السياق.
فالمعادلة المطروحة لا تقوم على “السلام مقابل السلام”، بل على إدماج هذه الدول في منظومة أمنية إقليمية يُعاد تشكيلها بما يخدم السيطرة على المعابر البحرية وتحييد القوى الإقليمية التي تُعدّها إسرائيل تهديدًا، مع تحجيم أي دور عربي مستقل.
يشير مجمل هذه التطورات إلى أن منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر مقبلة على مرحلة إعادة تشكيل عميقة، عنوانها تفكيك الدول الهشة، وتطويق الدول المحورية، والتحكم بالممرات الاستراتيجية.
فاليمن مرشح لمزيد من التفكك المنظم إذا استمر الصراع على حضرموت ومناطق الشرق، بما قد يكرّس واقع الكيانات المتعددة، ويحوّل الجنوب إلى ساحة صراع نفوذ إقليمي مفتوح.
أما "أرض الصومال"، فمن المرجح أن تتحول إلى منصة اختبار لسياسات الاعتراف الانتقائي وتثبيت النفوذ البحري، حتى من دون غطاء دولي واسع.
وفي الحالتين، يبدو أن البحر الأحمر مقبل على مرحلة أشد توتراً، ما لم تتبلور مقاربة عربية جماعية تعيد تعريف مفهوم الأمن القومي، بعيداً عن منطق إدارة الأزمات بالوكالة.
ياسر قطيشات
باحث وخبير ومؤلف من الأردن.