Logo

قارةٌ ترقص على الحافة

 ربما لن يدخل 2025 في كتب التاريخ كشاهدٍ على تحولات هيكلية عميقة في أوروبا، لكنه يقيناً، لم يكن عاماً من الأحداث العرضية في مزاج الاستقرار الذي طبع القارة لعقود.

 ما نقلته الشاشات من احتجاجات الشوارع في باريس، وانحسار التأييد لحكومة حزب العمال في لندن، وارتباك الساسة في أروقة البوندستاغ في برلين، وانسداد آفاق تسوية الصراع الأوكراني، وشلل نخبة كوبنهاغن في مواجهة تحفز الأمريكي لابتلاع غرينلاند جعلت منه عاماً على هيئة «بروفة» سياسية ومقدمات حتميّة لاستحقاقات كبرى تنتظر الأوروبيين في 2026 والذي سيشهد اختبارات قاسية لأنظمتها السياسية عبر العواصم،

 سواء منها ما تشكل حديثاً أو تلك التي تعاني من تصدعات بنيوية، وسنكون طوال إثني عشر شهراً متسمرين أمام شاشاتنا للفرجّة على قارة تحاول التقاط أنفاسها بصعوبة، في محيط مشبع بدخان الأزمات المؤجلة.

فرنسا: الهروب إلى الأمام

في العاصمة الفرنسية باريس، تشير المعطيات إلى أن الرئيس إيمانويل ماكرون قد حسم خياراته بتبني «الصبر الاستراتيجي». 

فالأحاديث التي تداولتها الصالونات السياسية حول احتمالية الذهاب نحو انتخابات تشريعية مبكرة أخرى في 2026 تجانب الصواب والواقعية السياسية، حيث الذاكرة القريبة للنخبة الفرنسية لا تزال تحتفظ بمرارة نتائج انتخابات 2024، التي حولت البرلمان إلى فسيفساء متنافرة، وجعلت من عملية تمرير القوانين – كالميزانية العامة – مهمة قيصرية معقدة ومحفوفة بالمخاطر.

وتدرك الأحزاب الفرنسية، في مختلف أطيافها، أن إعادة خلط الأوراق في هذا التوقيت ستنتج مزيداً من التشرذم البرلماني، 

والمستفيد الأوحد من أي هزة انتخابية جديدة سيكون التجمع الوطني اليميني المتطرف بقيادة مارين لوبان، وهو السيناريو الذي تسعى الكتلة الوسطية وكافة الأحزاب التقليدية لتفاديه بأي ثمن.

لذلك، تتجه الأنظار كلياً نحو الجائزة الكبرى: الانتخابات الرئاسية المقررة في ربيع 2027. وسيكون العام الجديد، فضاءً للمناورات التمهيدية والتموضع الهادئ. 

وسيسعى ماكرون لتقطيع الوقت، بينما ستعمل المعارضة على بناء قواعدها الشعبية بهدوء، متجنبة المغامرات غير المحسوبة التي قد تحرق أوراقها قبل الأوان.

الاستقرار النسبي المتوقع داخل فرنسا هو في حقيقته استقرار الجمود – الضرورة لتجنب انهيار تام للمشهد السياسي، في انتظار معركة فاصلة ستحدد وجه فرنسا الجديد لعقد قادم.

بريطانيا: خريف كير ستارمر

صورة أكثر قتامة ترتسم على الجانب الآخر من القنال الإنكليزي، في لندن، لحكومة حزب العمال. 

فالحمى السياسية التي سادت أروقة «وستمنستر» طوال 2025 مرشحة للتفاقم في 2026، ورئيس الوزراء كير ستارمر، الذي دخل مقر رئاسة الوزراء في «داونينغ ستريت» حاملاً وعود التغيير والاستقرار، يجد نفسه وفريقه الاقتصادي بقيادة المستشارة راشيل ريفز في مواجهة عواصف سياسية واقتصادية عاتية تهدد تماسك حكومته. 

يلوح شهر مايو/آيار 2026 في الأفق كنقطة تحول حرجة؛ إذ تشير أغلب التوقعات إلى تكبد حزب العمال خسائر موجعة في انتخابات البرلمان الأسكتلندي والويلزي، 

فضلاً عن بعض المجالس المحلية الإنكليزية المؤثرة. ويضيف الصعود المقلق لحزب «إصلاح المملكة المتحدة» بقيادة الشعبوي اليميني نايجل فاراج عبئاً ثقيلاً، حيث ينجح هذا التيار بفعالية في قضم أصوات الطبقة العاملة التي كانت تقليدياً حصناً منيعاً للعمال.

في ظل هذه المعطيات الضاغطة، بدأت التحركات الخفية داخل الحزب تأخذ طابعاً أكثر جدية وخطورة. الطامحون للخلافة يرتبون صفوفهم في الكواليس، وعيونهم تراقب بدقة استطلاعات الرأي ونسب التذمر المتصاعدة بين النواب.

ويعلمنا التاريخ السياسي البريطاني درساً قاسياً: الزعماء الذين يفقدون بريقهم الانتخابي يصبحون فريسة سهلة لرفاقهم قبل خصومهم. ستارمر قد يجد نفسه في 2026 يقاتل بشراسة من أجل بقائه السياسي في معركة قد تكون أصعب وأقسى من معركة وصوله للسلطة.

ألمانيا: اختبار «جدار النار»

في برلين، يواجه المستشار فريدريش ميرتس تحدياً مصيرياً يتجاوز العقبات الاقتصادية ليمس جوهر الهوية السياسية لألمانيا. يتمحور صراع 2026 حول مدى صمود «جدار النار» الذي يعزل المحافظين عن اليمين المتطرف، 

وهو المبدأ الذي سيتعرض لاختبار قاسٍ في انتخابات ولاية «ساكسونيا – انهالت» في سبتمبر/أيلول المقبل. 

تمور التوقعات بسيناريو مرعب للمؤسسة التقليدية، حيث قد يقترب حزب «البديل من أجل ألمانيا» من حصد الأغلبية المطلقة، متفوقاً على الحزب الديمقراطي المسيحي الحاكم.

هذا الصعود الصاروخي سيضاعف الضغوط داخل حزب ميرتس للتخلي عن القطيعة وتبني الواقعية السياسية، بدلاً من اللجوء لتحالفات «هجينة» مع اليسار تثير حفيظة القواعد المحافظة. 

أي تراجع في هذا الملف لا يهدد فقط بفرط عقد الائتلاف الحكومي الهش مع الاشتراكيين، بل ينذر بأزمة سياسية تعصف باستقرار أوروبا، ليكون 2026 بحق عام الصراع على روح ألمانيا.

أوكرانيا: سراب السلام

وإلى كييف حيث تدور رحى الحرب، سيبقى السؤال عن مصير «دونباس» محورياً، لكن الإجابة في 2026 قد تبتعد كثيراً عن التبسيط المخل الذي يتداول في نشرات الأخبار،

 فالتوقعات التي تشير إلى إمكانية إجبار الرئيس فولوديمير زيلينسكي على التخلي عن الإقليم كجزء من صفقة سلام شاملة تتجاهل حقائق الأرض المعقدة والديناميات السياسية في أوكرانيا.

روسيا، التي تسيطر على أجزاء واسعة من الإقليم، تطالب رسمياً بالسيادة على مناطق لم تستطع احتلالها عسكرياً حتى بعد سنوات من القتال، وهو مطلب يرفضه المنطق العسكري والسياسي الأوكراني جملة وتفصيلاً.

التنازل عن باقي أراضي دونباس سيكون بمثابة انتحاراً سياسياً لزيلينسكي، ومخاطرة دستورية وعسكرية لا يمكن تحمل تبعاتها. 

كما أن فكرة إنشاء «منطقة منزوعة السلاح» تفتقر إلى آليات التنفيذ الواقعية، وستكون مرفوضة من موسكو وكييف على حد سواء، لأنها تترك فراغاً أمنياً لا يطيقه أي طرف في ظل انعدام الثقة المطلق. 

الحقيقة المرة، أن الحرب تتجه للاستمرار في العام الجديد، ربما بوتيرة مختلفة أو بأساليب استنزاف جديدة، لكن استسلام أوكرانيا أو قبولها بسلام يشرعن الاحتلال يتطلب انهياراً تاماً وغير مرجح لدفاعاتها العسكرية. 

الدعم الأوروبي، الذي يحاول جاهداً سد الفراغ المحتمل في الدور الأمريكي المتقلب، سيركز جهوده على منع هذا الانهيار تحديداً.

غرينلاند: شهية «ترامب» المفتوحة

في أقصى الشمال، لم تعد علاقة الدنمارك بغرينلاند شأناً داخلياً، بل تحولت إلى ساحة لضغط أمريكي متصاعد. يمثل عام 2026 منعطفاً حاسماً، 

حيث تنتقل إدارة ترامب من مرحلة التلميحات إلى استراتيجية «الاستحواذ الناعم» بهدف فك الارتباط الأوروبي بالجزيرة. لم تعد نظرة واشنطن لغرينلاند تقتصر على البعد العقاري، بل تبلورت كعقيدة أمنية لصد النفوذين الروسي والصيني. 

وتعمل الإدارة الأمريكية عبر سياسة «الأمر الواقع» على تكثيف حضورها المباشر في الجزيرة، رابطةً اقتصادها بالاستثمارات الأمريكية والمعادن النادرة، مما يفرغ السيادة الدنماركية من مضمونها.

تقف كوبنهاغن عاجزة استراتيجياً أمام هذا التغول، بينما يواجه ساسة غرينلاند إغراءً مسموماً؛ فالاستقلال المدعوم أمريكياً قد يحولهم فعلياً إلى «ولاية حادية وخمسين» غير معلنة، مستبدلين وصاية بأخرى أشرس.

عام للرقص على الحافة

2026 لن يكون أوروبياً عام الحلول أو النهايات المشمسة للقضايا العالقة. إذ تجد القارة نفسها محاصرة بين فكي كماشة: ضغوط الداخل اليميني والشعبوي المتصاعد، وتحديات الخارج الجيوسياسية المعقدة، خاصة مع الشريك الأمريكي المتقلب.

 الاستقرار الذي قد يبدو على السطح في بعض العواصم يخفي تحته تيارات عميقة وعنيفة من التغيير، وما سنشهده في 12 شهراً المقبلة هو إدارة حذرة للأزمات بدلاً من حلها، ومحاولة مستميتة لشراء الوقت في عالم يتسارع فيه التاريخ بلا هوادة.

  ندى حطيط
إعلامية وكاتبة لبنانية