Logo

صراع الأقطاب في عام التوترات

 يكشف لنا المشهد الدولي الراهن عن بنية عالمية تمرّ بمرحلة انتقالية هشّة، تتقاطع فيها الصراعات المفتوحة مع تفاهمات تفرضها حسابات الضرورة، ويغدو فيها ضبط التوتّر أداة أساسية لتنظيم التنافس بين القوى الكبرى. 

ضمن هذا الإطار، تحرّكت العلاقات الدولية خلال عام 2025 خارج القوالب المستقرة التي حكمت النظام العالمي في مراحل سابقة، داخل مساحة غير محسومة تتداخل فيها المصالح، وتتبدّل فيها أشكال التحالف، وتبقى مآلاتها مفتوحة على احتمالات متغيّرة.

من هذا يُمكن أن ندرك أن الخريطة الجيوسياسية الراهنة اتخذت طابعاً شديد السيولة، تتحرّك ضمنه الولايات المتحدة والصين وروسيا، بكونها قوى كبرى، ولكن بأدوات وسرعات مختلفة عمّا استقرّ عليه النظام الدولي في مراحله السابقة. 

يجري التنافس بين هذه القوى ضمن هوامش محسوبة، تتحوّل فيها الصراعات إلى وسائل لإعادة ضبط التوازن واختبار حدود النفوذ، في سياق يعكس إدراكاً واسعاً لحدود القوة في مرحلةٍ باتت فيها كلفة الانفجار الشامل قادرة على تقويض قواعد النظام القائم.

ويقدّم المسار الأوكراني مثالاً دالّاً على كيفية اشتغال التنافس بين القوى الكبرى في مرحلة التوتّر العالمي الراهنة، فالتفاعل بين موسكو وواشنطن يتحرّك على مستويين متوازيين، خطابياً وعملياً، مع حضور واضح لآليات ضبط الإيقاع وتحديد سقوف الاشتباك. 

ويعيّر هذا التفاعل عن نمط من التعايش القائم على إدارة الخصومة، حيث تُرسم خطوط الحركة بعناية، وتُحتسب كلفة الانزلاق بدقّة عالية. 

وضمن هذا الإطار، يتقدّم منطق الحدّ من الخسائر عنصراً ناظماً للسلوك السياسي، في صيغة قريبة من توازن هشّ يقيّد استخدام القوة أكثر مما يعزّزه.
 
يمتدّ هذا النمط من إدارة التنافس إلى ساحات أخرى خارج السياق الأوكراني، حيث تبرُز فنزويلا مثالاً على كيفية ترتيب الأولويات بين القوى الكبرى. 

ففي هذا الملف، تتّخذ موسكو موقعاً حذراً، يسمح لواشنطن بهامش حركة أوسع، ضمن حسابات أوسع قد تتصل بمقايضاتٍ غير معلنة في ساحات ترى فيها روسيا مصالح أمنية أكثر إلحاحاً. 

ينسجم هذا السلوك مع منطق الواقعية السياسية الذي يتعامل مع الملفات الدولية بوصفها عناصر مترابطة داخل لوحة واحدة، تُوزَّع فيها الأدوار والموارد وفق ميزان الأهمية الاستراتيجية، في لحظة يتكاثف فيها الضغط وتتزاحم فيها الجبهات.

تتشكّل اللحظة الدولية الراهنة ضمن نمط من الاستقرار الهش، يقوم على احتواء الصراعات الكبرى داخل حدود تمنع تحوّلها إلى مواجهات شاملة. 

يجد هذا النمط جذوره في مقاربات الواقعية البنيوية كما صاغها كينيث والتز، حيث تُفهم بنية النظام الدولي عاملاً منظِّماً للصراع، من دون أن تكون أداة لإلغائه. 

ضمن هذا السياق، تؤدّي التوتّرات المزمنة وظيفة ضبط غير معلنة، تُبقي القوى الكبرى داخل مساحات يمكن السيطرة عليها، في بيئةٍ تحكمها حسابات الكلفة والخسارة أكثر مما تحكمها تصوّرات الاستقرار بوصفه غاية بحدّ ذاته.
 
كذلك، يتقدّم الإدراك المتبادل بين الدول بوصفه عنصراً حاسماً في تشكيل السلوك الدولي المعاصر، حيث تلعب تصوّرات النيات وحدود القوة دوراً لا يقلّ أثراً عن موازين القدرات المادية. 

ويجد هذا البُعد النفسي – المعرفي صداه في تحليلات روبرت جيرفس، التي تُظهر كيف تتحوّل أخطاء التقدير وسوء قراءة الإشارات إلى عوامل مضاعِفة للمخاطر.

وفي شرق آسيا، تتكثّف إحدى أكثر عقد النظام الدولي حساسية، حيث تحتلّ تايوان موقعاً يتجاوز بعدها الجغرافي ليطاول قضايا السيادة، والاقتصاد، والتكنولوجيا، والرمزية الجيوسياسية. 

ويمنحها هذا الموقع وزناً خاصاً داخل حسابات القوى الكبرى، فتغدو جزءاً من تصوّرات الهوية والوحدة لدى بكين، وعنصراً فاعلاً في معادلات الردع المرتبطة بصعود الصين داخل الاستراتيجية الأميركية. 

في المقابل، يعبّر الحضور الروسي الصامت في هذا الملف عن مقاربة حذرة، تقوم على قراءة توازنات لا تسمح بتوسيع دوائر الانخراط، في مرحلة تُدار فيها الموارد والطاقات تحت ضغط ساحات استنزاف متعدّدة.

تتقاطع هذه الملفات، على تباعد جغرافياتها وتنوّع سياقاتها، ضمن منطق واحد يحكم إدارة عالم يمرّ بمرحلة إعادة تشكّل لم تستقر بعد على صيغة نهائية. 

ضمن هذا الإطار، تتبلور تعددية أقطاب ذات طابع انتقالي، تتوزّع فيها القدرة على التأثير، وتبقى قواعد النظام الدولي قيد إعادة التفاوض المستمر. 

وفي هذه المساحة المتحرّكة، يبرز صعود التحالفات المرنة وتراجع الصيغ الصلبة، مع حضور متزايد لمقاربات براغماتية تنظّم السلوك السياسي وتوجّه مساراته.
 
في إطار موازٍ، تتّخذ صورة التوتّر العالمي طابعاً أكثر هشاشة مع تزامن بؤره وتراكب مساراته، بما يرفع من احتمالات الانزلاق غير المقصود داخل منظومة أزمات مترابطة، 

فالتجارب التاريخية تفيد بأن التحوّلات الكبرى كثيراً ما تشكّلت تحت ضغط أخطاء التقدير وتراكم الإشارات المربكة. 

ضمن هذا السياق، تميل القوى الكبرى إلى إبقاء الصراعات ضمن مستويات مضبوطة، وإدارة تصاعدها بدقّة، حتى وإن أدّى ذلك إلى ترسيخ حالة توتّر ممتدّة تقيّد فرص الاستقرار طويل الأمد.

هنا، تُشكّل أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 نموذجاً تحليلياً دالّاً على كيفية اقتراب النظام الدولي من حدود الانهيار ضمن مسار تمكّن في لحظته من احتواء التصعيد. 

تكمن دلالة هذه التجربة في طبيعة إدارة التوتّر تحت ضغط الزمن، وضبابية المعلومات، وحساسية الاعتبارات الرمزية المرتبطة بالهيبة والمكانة. 

ضمن هذا المنظور، يكتسب المشهد الراهن، ولا سيما في ملفات مثل تايوان، أبعاداً متقاربة من حيث هشاشة الحسابات وارتفاع كلفة الخطأ، مع تعقيد إضافي ناتج من تعدّد اللاعبين، وتراجع قدرة أي طرف منفرد على ضبط مسار الأزمة بالكامل.

انطلاقاً مما سبق، يبدو أن المشهد الدولي يتّجه نحو طور ممتدّ من عدم الاستقرار المنضبط، تتجاور فيه إدارة التوتّرات مع إعادة تشكيل بطيئة لقواعد النظام العالمي. 

ضمن هذا الطور، تُدار الأزمات عبر آليات احتواء وتدوير، وتتحرّك التحوّلات الكبرى تحت ضغط الوقائع المتراكمة، بما يرسّخ مساراً انتقالياً مفتوحاً على احتمالات متغيّرة.

وتفتح اللحظة الراهنة مجالاً لمقاربة مقارنة بمرحلة الانفراج الدولي في سبعينيات القرن العشرين، حين تشكّلت قنوات تفاهم بين القوتين العظميين في سياق نظام دولي اتّسم بوضوح بنيته الثنائية واستقرار خطوط الصراع فيه. 

ذلك السياق أتاح أشكالاً من الضبط الاستراتيجي استندت إلى توازن صلب وإدراك متبادل لحدود المواجهة. 

في المقابل، يتحرّك المشهد الدولي المعاصر ضمن بيئة أكثر تشابكاً، تتداخل فيها المصالح الاقتصادية والتكنولوجية مع الحسابات الأمنية، وتتكاثر فيها مراكز التأثير. 

يجعل هذا التعقيد البنيوي أي تهدئة محتملة جزءاً من إدارة إرهاق استراتيجي ممتدّ، تُنظَّم فيه المخاطر أكثر مما تُعاد صياغة التوازنات على أسس مستقرّة.
 
يتحرّك السلوك الدولي المعاصر ضمن مزيج مركّب من توسيع النفوذ وإدارة المخاطر، حيث تتقدّم حسابات القوة جنباً إلى جنب مع اعتبارات البقاء والاستدامة. 

هذا النمط يجد امتداداته النظرية في التباين القائم داخل المدرسة الواقعية، بين مقاربات تركّز على ديناميات تعظيم النفوذ، كما في أطروحات جون ميرشايمر، وأخرى تُعلي من شأن الضبط والاحتراز بوصفهما شرطين لاستمرار الفاعلين الكبار داخل النظام الدولي. 

ضمن هذا الإطار، تتكثّف الإشارات الخطابية، وتتراجع مساحة الفعل الميداني المباشر، في صيغة تنظّم التنافس وتُبقيه ضمن حدود محسوبة باتت تشكّل أحد الملامح البنيوية للعلاقات الدولية الراهنة.

فيما تكشف مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى عن نموذج تاريخي يُضيء على ديناميات إعادة التشكّل في لحظات التحوّل الكبرى، حيث خرج النظام الدولي من حرب شاملة من دون أن يمتلك إطاراً مؤسّسياً قادراً على ضبط التنافس اللاحق.

 في ذلك السياق، عكست هشاشة عصبة الأمم محدودية القدرة على إنتاج قواعد ملزمة تنظّم الصراع بين القوى الصاعدة والمتراجعة. 

بينما يستحضر المشهد الدولي الراهن بعضاً من هذه السمات البنيوية، مع تعقيد إضافي ناتج من التحوّل النوعي في أدوات القوة والتدمير، ما يوسّع نطاق الكلفة المحتملة لأي اختلال، ويقلّص هامش الاحتواء في أزمات واسعة النطاق. 

مالك الحافظ
صحفي وأكاديمي سوري