لعبة بايسبول أميركية لا شطرنج إيرانية
سياسة الهرب إلى أمام مستمرة في إيران، يطالب مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في قرار جديد طهران بـ"توضيحات فورية في شأن حالة مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة وتمكين مفتشي الوكالة من الوصول الكامل إلى جميع المنشآت النووية الإيرانية"، فترد بإلغاء "اتفاق القاهرة" مع الوكالة الدولية.
يقدم مدير الوكالة رفاييل غروسي تقريراً إلى مجلس المحافظين يفيد بأن "لدى إیران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة 9440 كيلوغراماً ما يكفي لصنع 10 قنابل إذا زاد منسوب التخصيب إلى 90 في المئة"،
فترد بأن مشروعها سلمي من دون توقف أمام كون المنشآت المحصنة تحت الجبال التي احتاج تدميرها إلى أضخم قنابل أميركية ليست من النوع الذي يتطلبه الاستخدام السلمي.
حتى بعد الضربة القاسية التي تلقتها من أميركا وإسرائیل خلال حرب الـ12 يوماً، فإنها استمرت في الإيحاء بأنها تبني قوة، ليس فقط لمواجهة إسرائيل بل أيضاً لمواجهة أميركا وإخراجها من غرب آسيا،
لا بل وصل أبو آلاء الولائي، زعيم تنظيم "كتائب سيد الشهداء" المرتبط بالحرس الثوري، إلى قمة التبجح والتوعد بـ"حرق الشرق الأوسط وإذلال أميركا".
وإذا كانت إيران تطلب وساطة السعودية لإقناع أمیرکا بالتفاوض على صفقة نووية، فإن اللعبة في المنطقة صارت أكبر من الملف النووي، ولا مجال لصفقة إلا في واحدة من حالتين:
إما أن تتخلى "الجمهورية الإسلامية" عن التخصيب في الداخل والمشروع الإقليمي في المنطقة والوكلاء الذين يخدمونه في اليمن والعراق ولبنان وغزة بعدما خسرت سوريا،
وإما أن يهجر الرئيس دونالد ترمب مشروعه للسلام في الشرق الأوسط ويترك المنطقة للفوضى تحت رحمة الصراع والتنافس بين تركيا وإیران وإسرائیل، ولا شيء من الحالتين وارد.
إیران تعتبر بلسان وزير خارجيتها عباس عرقجي أن التخلي عن التخصيب "خيانة"، وتصر على حصر التفاوض بالملف النووي،
وأميركا تصر على أن يشمل التفاوض الملف النووي والبرنامج الصاروخي والمشروع الإقليمي للتوصل إلى صفقة تنقذ نظام الملالي بعد قلع أنيابه وتقليم أظافره وانضمامه إلى المشروع الذي ترعاه واشنطن.
في مقال تحت عنوان "يأس إيران الخطر" تقول سوزان مالوني من مؤسسة "بروكنغز" إن "إيران الضعيفة في حالتها الحاضرة تبقى لاعباً خطراً ومصدراً قوياً لعدم الاستقرار"،
وإن "أميركا وإسرائیل حصلتا على ثيوقراطية عنيفة مع قنبلة نووية" لأنه "بعد سقوط الأسد وضرب ’حزب الله‘ صار قادة إیران يرون أن خيارهم الوحيد هو القنبلة"، خيار وحيد هو الخلاص الوحيد، لكن ترمب يؤكد "أن إيران لن تعيد منشآتها النووية أبداً، لماذا؟
لأنه مستعد لضرب أي محاولة لإعادتها، لا بل إنه يمارس حالياً أقصى الضغوط للحد من النفوذ الإيراني في العراق بعد الانتخابات النيابية على طريق الحكومة التي ستقود إليها،
فالانطباع السائد هو أن طهران تستقتل لتأمين نفوذها في العراق، آخر معقل استراتيجي لها بعد سقوط نظام الأسد وإضعاف "حزب الله".
وينقل ولي نصر، أستاذ القضايا الدولية ودراسات الشرق الأوسط في جامعة "جونز هوبكنز" عن مسؤول إیراني قوله "ما خسرناه في سوريا يتخطى ما لدينا في العراق ولبنان واليمن".
وفي رأي مسؤول إيراني آخر فإن "المتشددين رأوا أن الهدف الحقيقي من وراء إسقاط الأسد هو إنهاء الجمهورية الإسلامية".
والترجمة العملية لذلك في طهران هي أنه إذا حدث في العراق ما حدث في سوريا، فإن استراتيجية إيران الأمنية التي استمرت 40 عاماً ستواجه خطراً وجودياً،
لا بل إن الحرس الثوري يتصرف على أساس أن وجود أحمد الشرع في سوريا موقت وأن "شباب جبهة المقاومة في سوریا تم تدريبهم وجاء الدعم والمال والسلاح من إيران"، والعنوان العام هو "تغيير ساحة المعركة"،
ومن هنا إصرار "حزب الله" في لبنان على رفض تسليم سلاحه للجيش وزيادة تسلحه وانتظار الوقت المناسب للرد على إسرائيل التي اغتالت أخيراً في قلب الضاحية الجنوبية لبيروت رئیس الأركان في "حزب الله" هيثم علي طباطبائي مع عدد من المسؤولين العسكريين.
كانت طهران تقول إن الفارق بينها وبين واشنطن هو أنها تدير سياستها بالهدوء والصبر على طريقة لعب الشطرنج، في حين تدير أميركا سياستها على طريقة لعبة البايسبول العنيفة والسريعة مع قلة الصبر،
لكن اللعبة مع ترمب لا تدور على رقعة شطرنج بل في ملعب بايسبول والحرص على الفوز السريع، وفي سوق للتنافس التجاري،
فضلاً عن أن إيران في ما سماه ولي نصر "خریف آیات الله"، خلافة المرشد الأعلى علي خامنئي مطروحة، و"لا غورباتشوف إیراني، ولكن يمكن أن يظهر بوتين إيراني".
رفيق خوري
كاتب لبناني