Logo

لماذا فشلت النخب اليمنية؟

 لم تكشف سنوات الحرب اليمنية عجز السلطة فقط، بل فضحت أيضًا الانهيار العميق في بنية النُخب السياسية التي ورثت الدولة وعجزت عن إنتاج مشروع وطني جديد لاستعادتها. 

ومنذ اللحظة الأولى، تحوّل القرار السياسي والحزبي إلى امتداد لصراعات إقليمية جرّت الداخل اليمني إلى حساباتها، فأُفرغت المبادرة الوطنية من مضمونها، وتقلّصت فُرص التفاهم إلى نقطة الصفر.

ورغم أنّ هذا المشهد يبدو مجرّد انعكاس للحرب، إلا أنّ جذوره أعمق؛ إذ تراكمت عبر عقود من الأداء السياسي المُتعثّر. 

تنقسم مسؤولية الفشل بين قيادة سياسية بلا استقلال، ونخب ثقافية واجتماعية ضعيفة، وأحزاب مترهلة، وتحوّلات مسلّحة فرضت سلطات موازية، إضافة إلى العامل الإقليمي المُتحكّم في القرار اليمني، ما عمّق الانقسام داخل المجتمع نفسه.

أوّل الأسباب تمثّل في فقدان اليمنيين قيادة تاريخية مُستقلة تحمل مشروعًا وطنيًا جامعًا. فالقيادات الحالية نشأت بتفاهمات خارجية فرضتها توازنات إقليمية،

 فأصبحت بلا جذور في الداخل، وبلا قرار مستقل، تدير اليمن من الخارج، وتلجأ إلى العواصم الإقليمية لحلّ خلافاتها وتمويل نشاطها. وهكذا ضعفت القدرة على بلورة مشروع وطني يستعيد الدولة.
 
أما الأحزاب اليمنية، فقد دخلت الحرب في حالة إنهاكٍ تنظيمي وضعف جماهيري. تشظّت داخليًا، وانقسمت بين تفاهمات سرّية مع الحوثيين أو ارتهانات إقليمية، فتقلّص وزنها الوطني وفقدت قدرتها على المبادرة وصياغة بديل سياسي.

 وغالبًا ما بدت تحرّكاتها مجرّد انعكاس لتوجيهات خارجية تُعيد تحريك المشهد عند الحاجة.

وتراجع دور النخب الفاعلة لحساب نخب جديدة صنعتها السوشال ميديا والصراعات اللحظية. هذه النُخب عمّقت الانقسام، وحوّلت الخلاف إلى تخوين. ومع غياب النخب العقلانية القادرة على إنتاج تصوّر مشترك، سقط أيّ أفق للتفاهم الوطني.
 
ومع ضعف مؤسسات الدولة، نشأت ظاهرة "التمرّد الخفي" من تشكيلات عسكرية خارج السيطرة. ظهرت سلطات موازية تدير مناطق كاملة بوصفها كيانات مستقلة:

 في المخا، وعدن، وحضرموت. تعدّد مراكز القوّة جعل الدولة بلا مركز، وفرّغ السياسة من مضمونها، وأبقى أي مشروع وطني رهن قبول أو رفض هذه القوى.
 
وتأتي أحداث حضرموت صورةً مكثّفةً لهذا التمزّق؛ فالمحافظة التي كان يمكن أن تكون نموذجًا لإدارة وطنية مُشتركة تحوّلت إلى ساحة تنازع مشاريع متضادّة، تتقاطع فيها الإرادات الإقليمية مع القوى المحلية.

 بدلاً من أن تكون حضرموت رافعة لاستعادة الدولة، أصبحت مرآة لانقسامها وتنافس سلطاتها على النفوذ والموارد.

العامل الإقليمي لم يعد مجرّد لاعب خارجي، بل المحدّد الرئيسي للحرب والسلام. فالعواصم الإقليمية تتحكّم بتشكيل السلطة، ومسارات التفاوض، وتوازنات الميدان، ما جعل القرار الوطني تابعًا لا صانعًا.

أما جيل ثورة فبراير الذي كان يمثّل رافعة أخلاقية وسياسية للمشروع الوطني، فقد أُقصي من المعادلة. انخرط بعض رموزه في صراعات الأطراف، وصمت آخرون أو هاجروا. غياب هذا الجيل ساهم في تفريغ المشروع الوطني من طاقته الحيوية.
 
وفاقم الاقتصاد المُنهار الأزمة؛ فغياب الرواتب وانهيار العملة وتوسّع الجبايات جعلت المجتمع مُنشغلًا بالبقاء أكثر من انشغاله بالسياسة، فتراجعت القدرة الشعبية على الضغط، وفقدت النخب قاعدة اجتماعية تُساند أيّ مشروع إنقاذ.

إنّ مجموع هذه العوامل (قيادة بلا استقلال، أحزاب فقدت دورها، نخب مُنقسمة، تمرّد خفي، تدخل إقليمي، جيل ثوري مهمّش، واقتصاد ينهار) شكّل طبقات مُتراكمة من العجز تقف اليوم في قلب الأزمة اليمنية. 

ومع غياب مركز وطني مستقل للقرار، أصبح اليمن ساحة مفتوحة لقوى تتقاطع مصالحها على حساب الدولة والمجتمع، فتُدار السياسة من خارج الإرادة العامة.

ومع ذلك، فإنّ الحل لن يأتي من داخل البنية التي كرّست الانهيار، بل من إعادة بناء إرادة وطنية مُستقلة تستعيد السياسة من يد الإقليم، وتُعيد للدولة مركزها، وللمجتمع مكانته. 

فالاعتراف بأنّ الأزمة بنيوية (سياسية ومجتمعية وجغرافية) هو الخطوة الأولى لإعادة تركيب المشهد على أسس جديدة تربط بين العدالة والتمثيل والقرار المستقل، بما يفتح أفقًا مختلفًا لإنهاء الحرب واستعادة اليمن كيانًا قابلًا للحياة.

توفيق الحميدي
محامي وناشط حقوقي يمني.