مصر ودعم السعودية... تحركات سياسية لكبح الاندفاع نحو التدخّل باليمن
الرأي الثالث
أرجأ البرلمان المصري اليوم الاثنين إلى 26 أكتوبر/تشرين الأول الحالي قراره حول مشاركة بلادهم الرسمية في الحرب دفاعاً عن السعودية
في وقت تلقفت فيه قوى سياسية وشخصيات عامة مصرية دعوة شيخ الأزهر أحمد الطيب إلى تشكيل لجنة وساطة عاجلة من حكماء الأمة العربية والإسلامية لإنهاء الحروب والصراعات في المنطقة، لتدفع باتجاه تغليب الحل السياسي في الأزمة اليمنية،
بالتزامن مع تصاعد الجدل بشأن طلب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تفويضاً برلمانياً لاتخاذ إجراءات عسكرية محتملة لدعم السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين.
وبينما تؤكد هذه القوى تضامنها مع الرياض ورفض الاعتداء على أراضيها، تتزايد الدعوات إلى وقف التصعيد، والتحفظ على التورط العسكري قبل اتضاح أهدافه وتكاليفه، ما يعكس محاولة سياسية لفتح مسار بديل عن الحرب أو على الأقل إبطاء الانتقال إليها.
دعوة الأزهر تتفاعل في مصر
جاءت دعوة الأزهر، التي صدرت أمس الأحد، في توقيت بالغ الحساسية، إذ تزامنت مع إعلان مجلس الدفاع الوطني المصري استعداد القاهرة لتقديم أشكال الدعم اللازمة والممكنة للسعودية، ومع مناقشات مجلس النواب طلب التفويض الذي طرحه السيسي.
ودعا شيخ الأزهر إلى الوقف الفوري والشامل لأعمال الحرب والقتال والتدمير، وتشكيل لجنة تضم حكماء وشخصيات من مختلف الدول العربية والإسلامية، تعمل على نزع فتيل الأزمات وتقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة
مؤكداً استعداد الأزهر لتقديم الدعم اللازم لإنجاح المبادرة.
لم تبق الدعوة في حدود المؤسسة الدينية، إذ سارعت أحزاب وشخصيات سياسية إلى تبني مضمونها أو تقديم مقترحات تتقاطع معها
في وقت تتباين فيه المواقف من التفويض العسكري بين التأييد المباشر والتحفظ والامتناع عن التصويت، وصولاً إلى رفض إرسال قوات مصرية إلى ساحة القتال داخل اليمن.
في السياق، ثمّن مفتي الجمهورية نظير عياد مبادرة شيخ الأزهر، داعياً إلى إعلاء لغة الحوار ونشر ثقافة السلام وتقريب وجهات النظر، فيما رحبت شخصيات عامة بالمبادرة باعتبارها فرصة لنزع فتيل الأزمات وتعزيز فرص التسوية السياسية.
وعلى المستوى الحزبي، أعلن حزب الدستور، في بيان، تضامنه مع السعودية في مواجهة أي تهديد يمس أمنها وسيادتها، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة دراسة أي قرار قد يترتب عنه دخول مصر في مواجهة عسكرية إقليمية، مع تحديد نطاق التفويض وأهدافه وحدوده.
ودعا الحزب إلى إعطاء الأولوية لوقف الحرب واحتواء التصعيد، والعمل على إنهاء الخلافات بين السعودية والأطراف اليمنية عبر الحوار والوساطة والجهود الدبلوماسية.
أما الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، فقد اتخذ موقفاً أكثر ارتباطاً بالإجراءات البرلمانية، إذ قرر مكتبه السياسي توجيه هيئته البرلمانية إلى الامتناع عن التصويت على طلب التفويض، مع تأكيد تضامنه الكامل مع السعودية ورفض أي اعتداء على أراضيها ومقدراتها.
وبرر الحزب موقفه بغياب المعلومات الكافية بشأن طبيعة المهام العسكرية المحتملة، وحذر من أن المشاركة المصرية قد تعرّض المصالح والمنشآت المصرية لمخاطر، لا سيما حركة الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس.
كما ظهرت مواقف برلمانية تدعم حماية السعودية، لكنها تتحفظ على إرسال جنود مصريين إلى داخل اليمن.
فقد طرح النائب رضا عبد السلام تصوراً يقوم على اقتصار الدور المصري على الدفاع عن الأراضي والمنشآت الحيوية السعودية، بما يشمل المطارات ومحطات المياه والكهرباء، مع تجنب المشاركة في عمليات قتالية داخل الأراضي اليمنية، ومواصلة جهود الوساطة.
بين التأييد والرفض
في المقابل، أيّدت أحزاب أخرى التفويض معتبرة أن أمن السعودية يرتبط بالأمن القومي المصري والعربي، وأن حماية المملكة تستلزم الاستعداد لتقديم الدعم اللازم.
وأعلنت الهيئات البرلمانية لأحزاب الوفد والشعب الجمهوري والعدل تأييدها طلب التفويض، ما يوضح أن النقاش السياسي لا يدور حول رفض الدعم السعودي من حيث المبدأ، وإنما حول طبيعة الدعم وحدوده وشروطه، ومدى كفاية المعلومات المتاحة بشأن المهمة المحتملة.
وقال نائب رئيس حزب العدل عضو مجلس النواب محمد فؤاد، إن التعامل مع قرار بحجم التفويض المتعلق بدعم السعودية يتطلب من الأحزاب والقوى السياسية تجاوز المواقف العامة المؤيدة أو الرافضة، والانخراط في نقاش جاد بشأن أهداف التحرك وحدوده والنتائج المترتبة عنه، بما يضمن حماية المصالح المصرية والحفاظ على استقرار المنطقة.
وأضاف فؤاد أن مسؤولية القوى السياسية لا تنتهي بإبداء موقف خلال المناقشات البرلمانية، وإنما تمتد إلى متابعة تطورات الملف وممارسة دورها الرقابي والتشريعي، وطرح التساؤلات المتعلقة بطبيعة المهام المحتملة للقوات المصرية، والظروف التي قد تستدعي المشاركة، ومدى ارتباطها بتهديدات مباشرة للأمن القومي والمصالح الاستراتيجية للدولة.
وشدد فؤاد على أن مساندة السعودية تنطلق من اعتبارات الأمن القومي العربي والعلاقات الاستراتيجية بين البلدين، لكن التعامل مع التحديات القائمة ينبغي أن يستند إلى حسابات دقيقة تأخذ في الاعتبار طبيعة المخاطر والتداعيات المحتملة لأي تحرك عسكري، أمنياً واقتصادياً وسياسياً.
وأشار إلى أن تجارب الصراعات الإقليمية السابقة تؤكد أهمية وضوح الأهداف منذ البداية، وعدم ترك مسار العمليات مفتوحاً من دون تصور بشأن نطاقها والنتائج المطلوب تحقيقها، محذراً من الانزلاق إلى مواجهات ممتدة تستنزف الموارد البشرية والاقتصادية.
ورأى أن حماية الأمن القومي المصري تتطلب الجمع بين الاستعداد للتعامل مع التهديدات التي تمس المصالح الاستراتيجية للدولة، والعمل السياسي والدبلوماسي لاحتواء الأزمات
مؤكداً أن دعم الدول العربية لا يتعارض مع السعي إلى خفض التصعيد، وأن التنسيق والبحث عن حلول سياسية يظلان من الأدوات الضرورية لمنع اتساع المواجهات وتقليل كلفتها.
أحمد سالم علي