Logo

مؤشرات على معركة كبرى في اليمن... وتعز جبهة مشتعلة

الرأي الثالث 

 تخطت الحرب في اليمن مرحلة سنوات التهدئة النسبية التي أعقبت الهدنة عام 2022، مع تصاعد العمليات العسكرية في عدد من الجبهات وإجراءات يمنية لرفع الجاهزية العسكرية، بالتزامن مع تحركات سعودية وإقليمية.

 يأتي ذلك خصوصاً بعد سيطرة الحوثيين على باب المندب والساحل الغربي لليمن، الشهر الماضي، بعد إعلانهم في 20 يوليو/ تموز الماضي، فرض حظر بحري على السعودية، والذي انعكس على الأرض باستهداف الحوثيين الأراضي السعودية، وبغارات للتحالف الذي تقوده السعودية على مواقع للحوثيين في اليمن.
 
وتكتسب التطورات الأخيرة في اليمن أهمية خاصة بعد تقرير لوكالة رويترز، مساء أول من أمس الجمعة، نقلت فيه عن ستة مسؤولين إقليميين وغربيين، بينهم خليجيون ويمنيون، أن السعودية تخطط لشن هجوم على الحوثيين في اليمن متوقع أن ينطلق في الأسابيع المقبلة 

 حيث يجري النظر في خيارات تشمل عملية على الساحل اليمني لتأمين ممر الملاحة في البحر الأحمر، أو شن هجوم على جبهات متعددة. وأضافوا أن قوات الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، ستقود العملية على الأرض بدعم من غارات جوية سعودية.

دور حلفاء السعودية

ووفق هؤلاء المسؤولين، فمن غير المتوقع أن يلعب حلفاء السعودية دوراً مباشراً في العمليات القتالية في الوقت الذي تقدم فيه الولايات المتحدة بالفعل معلومات استخباراتية لدعم عمليات السعودية في اليمن، 

وتقدم بعض الدول الإقليمية والأوروبية مساعدات عسكرية دفاعية في الأساس للمملكة، وفق التقرير.

 وذكر الأشخاص المطلعون على الخطط، ومن بينهم مسؤولون خليجيون ويمنيون ودبلوماسيون غربيون، أن أحد الأهداف الرئيسية للهجوم السعودي المخطط له، يتمثل في وقف المكاسب السريعة التي حققها الحوثيون الشهر الماضي. 

وقال المسؤولون الخليجيون واليمنيون إن الجانب السعودي يدرس خيارين محتملين للهجوم:

 إما هجوم محدود النطاق على المنطقة المحيطة بمضيق باب المندب، أو آخر أوسع نطاقاً يشمل أيضاً هجمات متزامنة على جبهات متعددة في أنحاء اليمن، في محافظات البيضاء ومأرب وتعز والجوف (تمتد جميعها من الشمال الغربي حتى الجنوب الغربي لليمن).

وقال جميع المسؤولين إن أكثر من 100 ألف جندي يمني تمكن تعبئتهم في الهجوم، فيما لم يتمكنوا من تحديد توقيت دقيق لبدء الهجوم، حيث تراوحت تقديراتهم بين أسبوع وحتى ما بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية في أوائل نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل.

 من جهة أخرى قال مسؤولون باكستانيون وإقليميون لـ"رويترز"، الجمعة الماضي، إن تركيا وباكستان، اللتين وقعت معهما السعودية اتفاق دفاع مشترك الشهر الماضي في مكة، قدمتا عتاداً عسكرياً تستخدمه المملكة في اليمن. 

وذكر مسؤول باكستاني ومسؤول خليجي ودبلوماسي غربي أن مستشارين عسكريين باكستانيين موجودون أيضاً على الأرض مع نظرائهم السعوديين لدعم القوات اليمنية، وأن طائرات مسيّرة تركية اشترتها السعودية قبل الحرب الحالية نُشرت أيضاً فوق اليمن.

 وذكر المسؤول الباكستاني أن باكستان نشرت ما بين 30 و40 ألف جندي في السعودية للمساعدة في الدفاع عن الحدود البرية للمملكة والمساهمة في اعتراض الطائرات المسيّرة والصواريخ.

وفي اليوم نفسه، أعلن وزير الخارجية الباكستاني إسحق دار، أن إيران اقترحت الانخراط سياسياً مع الحوثيين، وهو اقتراح ستناقشه لجنة تابعة لاتفاقية مكة
 
للدفاع المشترك في اجتماع طارئ بالرياض الأسبوع المقبل. وذكر في مؤتمر صحافي، أن السعودية وتركيا وباكستان، ستحدد الخطوات التالية خلال الاجتماع، وأن موعده سيحدد لاحقاً. ويبرز في المشهد أيضاً البعد الإقليمي، ولا سيما العلاقة السعودية الإماراتية. 

ففي 29 سبتمبر/أيلول الماضي، زار نائب الرئيس الإماراتي منصور بن زايد آل نهيان السعودية، والتقى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ووزير الدفاع خالد بن سلمان، في أول زيارة لمسؤول إماراتي رفيع إلى المملكة منذ نهاية العام الماضي. 

وقالت السعودية إن اللقاءات تناولت العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية وسبل تعزيز التعاون والتنسيق بين البلدين. 

وتكتسب عودة التنسيق السعودي الإماراتي أهمية خاصة بالنسبة إلى اليمن، نظراً إلى الدور العسكري والسياسي الذي لعبته أبوظبي سابقاً في بناء وتدريب تشكيلات يمنية تقاتل الحوثيين، وفي مقدمتها ألوية العمالقة.
 
وفي تطور متصل، عاد عضو مجلس القيادة الرئاسي وقائد ألوية العمالقة، عبد الرحمن المحرّمي "أبو زرعة"، إلى العاصمة المؤقتة عدن قادماً من الرياض، بعد أشهر من الغياب، بالتزامن مع تصاعد العمليات في تعز ولحج والساحل الغربي. 

وفي اليوم التالي لعودته، عقد المحرّمي اجتماعاً عسكرياً في عدن، بحضور ضباط من العمليات المشتركة وقيادات عسكرية، لمناقشة المستجدات الميدانية وتقييم الأداء العملياتي ومستوى الجاهزية والاستعداد القتالي. 

كما وجّه برفع الجاهزية وتعزيز التنسيق العملياتي بين التشكيلات العسكرية ورفع اليقظة على خطوط التماس. ووفق ما أعلنه مكتبه، شمل النقاش جبهات الصبيحة وتعز وكهبوب في منطقة باب المندب.

 وتكتسب هذه الخطوة دلالة إضافية بالنظر إلى ارتباط قوات العمالقة بجبهات الساحل الغربي لليمن، وإلى امتلاكها خبرة قتالية في العمليات البرية ضد الحوثيين. 

في غضون ذلك كشف قائد عسكري يمني رفيع، عن تكليف المجلس الرئاسي "لشخصيات عسكرية في تعز لتحشيد المقاتلين عبر تجميع قادة المجاميع المسلحة التي شاركت في قتال الحوثيين في 2015 و2016، وتعزيز جبهات القتال ضد الحوثيين على امتداد تعز".

 ولفت القائد العسكري إلى أن من المتوقع أن يتم تشكيل ألوية عسكرية جديدة في سياق التجهيز لمعركة شاملة وحاسمة ضد الحوثيين 

 لافتاً إلى وجود توجّه لتوحيد القيادة العسكرية للمعركة، وتحاشي الانقسام في المؤسسة العسكرية الذي كان سبباً في سيطرة الحوثيين على الساحل".

 وأشار إلى أن "التجهيزات تشمل أيضاً الدعم بأسلحة نوعية ستكون حاسمة في المعركة التي ستتم بالتزامن في جميع الجبهات".

تعز أهم الجبهات في اليمن

وتبدو تعز واحدة من أهم الجبهات المرشحة لتكون جزءاً من أي عملية واسعة، لا سيما أن المحافظة تقع في نقطة جغرافية تربط الساحل الغربي بوسط البلاد وجنوبها، وتجاور مناطق ذات أهمية عسكرية بالنسبة إلى طرفي الحرب. 

وخلال الأيام الأخيرة، تحوّلت تعز إلى واحدة من أكثر ساحات القتال سخونة. فقد تصاعدت المواجهات في محاور عدة شملت 25 جبهة على امتداد المحافظة، بالتزامن مع تكثيف الغارات الجوية والعمليات البرية.

 ولا تنحصر أهمية تعز في موقعها العسكري المباشر، بل إن السيطرة على تعز من شأنها تعزيز وتأمين سيطرة الحوثيين على الساحل الغربي، وفتح طرق أكثر سهولة باتجاه عدن، مقر الحكومة المؤقت. 

ومن هنا، فإن تحويل تعز إلى جبهة رئيسية لا يعني بالضرورة أنها ستكون "منطلق" العملية الشاملة، بقدر ما قد تكون إحدى حلقاتها الأساسية في حال قررت الرياض وحلفاؤها اعتماد خيار الهجوم المتزامن على عدة محاور.

في حال الانتقال من مرحلة الدفاع وصد الهجمات إلى عملية هجومية واسعة، ستواجه القوات الحكومية وحلفاؤها مجموعة من التحديات، أولها توحيد القرار العسكري. 

فقد ظلت القوى المناهضة للحوثيين طوال سنوات الحرب موزعة بين تشكيلات عسكرية ومراكز نفوذ متعددة، بعضها مدعوم من السعودية وبعضها من الإمارات، فضلاً عن القوات الحكومية والعمالقة وقوات الساحل الغربي والقوات المحلية في مأرب وتعز. 

وبالمجمل فإن نجاح أي عملية برية سيعتمد بدرجة كبيرة على أداء القوات اليمنية المحلية 

وهنا تبرز عدة تحديات لوجستية، وفي مقدمتها أن العديد من الفصائل المناهضة للحوثيين ليست منظمة أو مستعدة بما يكفي لخوض هجوم طويل ضد قوة حوثية منظمة، في وقت تتعرض فيه هذه القوات لضغوط متزامنة على جبهات عدة.
 
أما التحدي الثاني فيتمثل في الإمداد والاستدامة، فالهجوم على جبهة واحدة يختلف عن إدارة عمليات متزامنة تمتد من باب المندب وتعز إلى مأرب والجوف والبيضاء. 

وستحتاج القوات إلى خطوط إمداد مستقرة، وغطاء جوي، وقدرات استطلاع واستخبارات، وإدارة للذخائر والوقود، فضلاً عن قوة احتياط قادرة على سد الثغرات التي قد تظهر خلال المعركة. 

كما ستواجه أي عملية واسعة تحدياً آخر يتمثل في حماية المدن والمناطق المدنية، خصوصاً أن خطوط التماس تمر في مناطق مأهولة.
 
في المقابل، توجد عوامل يمكن أن تساعد القوات المناهضة للحوثيين في حال الانتقال إلى عملية هجومية واسعة. يأتي في مقدمتها التفوق الجوي والاستخباراتي السعودي. 

وتبرز كذلك الخبرة الميدانية للقوات اليمنية، خصوصاً تلك التي خاضت مواجهات طويلة مع الحوثيين في تعز والساحل الغربي ومأرب. ويمكن لهذه الخبرة أن تشكل عاملاً مساعداً إذا جرى دمجها ضمن قيادة عمليات موحدة. 

ومن المقومات المهمة أيضاً تزامن الجبهات. فالهجوم المتعدد المحاور، إذا نُفذ بصورة منسقة، يمكن أن يحد من قدرة الحوثيين على نقل القوات والاحتياط بين الجبهات، مقارنة بعملية تركز على محور واحد.

 لكن نجاح أي عملية لن يتوقف على حجم القوة المهاجمة وحده، بل على قدرتها على المحافظة على الأراضي التي قد تسيطر عليها، وإدارة المناطق المحررة، وتأمين خطوط الإمداد، ومنع عودة القتال إلى المناطق التي تتراجع منها القوات الحوثية. 

ويبقى السؤال الأهم هو ما إذا كانت التحركات الحالية تمثل استعداداً لحرب طويلة أم محاولة لفرض شروط جديدة على الحوثيين قبل العودة إلى مسار سياسي.
 
ويقول المحلل العسكري اليمني فضل عبد العزيز، إن الحديث عن معركة شاملة لم يعد مجرد تسريبات إعلامية، بل يعكس قناعة إقليمية ودولية بأن "خيار اللاحرب واللاسلم قد وصل إلى طريقه المسدود". 

ويشير إلى أن "استمرار تعنت الحوثيين وتهديداتهم للملاحة الدولية في باب المندب فرض واقعاً جديداً، وهو في رأيه "يتطلب الحذر من الاكتفاء بالضغط السياسي، والتحوّل الجاد نحو حسم عسكري ينهي حالة المراوحة في الميدان اليمني".

وفي ما يخص الجغرافية العسكرية للمعركة المحتملة، يؤكد عبد العزيز، أن "محافظة تعز تظل هي كلمة السر والحلقة الاستراتيجية التي تقلب معادلات المليشيات الحوثية" 

موضحاً أنها "بما تمثله من عمق جغرافي يفصل بين الساحل والوسط، منطقة قادرة على إرباك خطوط إمداد الحوثيين". 

غير أنه يلفت الانتباه إلى أن هذا الدور المرتقب يصطدم بعقبات ميدانية جسيمة، أبرزها "شح التسليح النوعي، وحاجة الجبهات إلى إسناد جوي ولوجستي ضخم وفاعل لكسر خطوط الدفاع الحوثية الحصينة". 

وحول مقومات النجاح ومآلات المعركة، يشدد عبد العزيز، على أنّ أي هجوم واسع محتمل سيظل محكوماً بمدى توفر شرطين أساسيين "توحيد القيادة العسكرية ودمج التشكيلات تحت مظلة وزارة الدفاع، وضمان استدامة الإسناد الإقليمي الشامل".
 
فخر العزب
صحافي يمني