18 عاماً من التحالفات في باب المندب... من القرصنة إلى الحوثيين
الرأي الثالث
لطالما مثّل مضيق باب المندب والبحر الأحمر، أو ما يمكن تسميتها بـ"جغرافيا المندب"، التي تمتد لتشمل أيضاً خليج عدن وتنفتح على المحيط الهندي، أحد أبرز التحديات الجيوسياسية في منظومة الأمن القومي العربي، بالنظر إلى موقعه الاستراتيجي الذي يجعله حلقة وصل رئيسية بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.
وأمس الثلاثاء، أعلن الحوثيون استهداف مطار نجران جنوب السعودية.
وقال المتحدث العسكري باسم الحوثيين يحيى سريع، إن الجماعة تمكنت من "استهداف هدف حساس في مطار نجران وذلك بطائرة مسيّرة"، رداً على "خرق الأجواء في محافظتي صعدة وحجة بطيرانه المسيّر".
وأفاد مصدر إقليمي مطلع وكالة فرانس برس بتضرر الرادار الرئيسي للمطار، ما أثّر على العمليات. خلال العقود الماضية، فشلت الدول المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن في بناء استراتيجية أمنية إقليمية لحماية باب المندب والممر المائي الحيوي، الذي يشكل أحد أهم طرق التجارة والطاقة العالمية.
وتضاعفت هذه المشكلة مع ضعف الدولة الوطنية وانهيارها في عدد من الدول العربية والأفريقية، ودخول بعضها في حروب أهلية مزمنة، كما حدث في الصومال، إضافة إلى تداعيات الحرب الإريترية ـ الإثيوبية، وصولاً إلى انهيار الدولة والحرب الأهلية في اليمن.
المخاطر على باب المندب
وخلال هذه المراحل، برز نشاط التنظيمات المسلحة والجهادية وجهات ما دون الدولة في باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن، وأصبحت تمثل تهديداً جيوسياسياً متزايداً للأمن الإقليمي العربي والدولي، نتيجة لقدرتها على التأثير في حركة الملاحة الدولية.
ولم تقتصر المشكلة على تنامي قدرات هذه الجماعات وتأثيرها المنفرد، إذ استطاعت، خلال مراحل معينة، بناء أنماط من التعاون والتنسيق فيما بينها، رغم اختلافاتها الأيديولوجية والجغرافية،
كما ظهر في الاتصالات والتعاون بين جماعة الحوثيين في اليمن وحركة الشباب في الصومال، وفق تقارير ودراسات تناولت شبكات التهريب والاتصالات بين الطرفين.
في المقابل، بقيت المبادرات الإقليمية الرامية إلى بناء منظومة أمن جماعية محدودة النتائج والتأثر ولم تترجم إلى واقع على الأرض، في مفارقة تستحق التأمل والدراسة.
ولأن التهديدات التي طاولت مضيق باب المندب لم تؤثر فقط في الدول الإقليمية والمشاطئة للبحر الأحمر، بل امتدت آثارها إلى التجارة الدولية وسلاسل الإمداد حول العالم،
فضلاً عن كون "جغرافيا المندب" إحدى بؤر صراع الهيمنة والنفوذ بين القوى الدولية والإقليمية،
فقد تحولت المنطقة إلى مسرح لتَشكُّل عدد من التحالفات والعمليات البحرية الدولية، بدءاً من مواجهة أعمال القرصنة التي كانت تنطلق بصورة رئيسية من السواحل الصومالية، وصولاً إلى مواجهة التهديدات التي نشأت في اليمن، ولا سيما الهجمات الحوثية على السفن التجارية.
وبذلك، تحولت حماية الملاحة في منطقة يفترض أن تكون جزءاً أساسياً من منظومة الأمن العربي والأفريقي للدول المشاطئة إلى مهمة تشارك فيها قوى دولية متعددة، في ظل غياب إطار أمني إقليمي مستقل وفاعل.
التحالفات والعمليات الدولية
2008: عملية أتالانتا
أطلق الاتحاد الأوروبي عملية "أتالانتا" في ديسمبر/كانون الأول 2008، لتكون أول عملية بحرية عسكرية خارجية للاتحاد الأوروبي، بهدف مكافحة القرصنة قبالة السواحل الصومالية وحماية السفن التي تنقل مساعدات برنامج الأغذية العالمي، إضافة إلى حماية الملاحة التجارية.
2009: قوة المهام المشتركة CTF-151
أُنشئت قوة المهام المشتركة "CTF-151" في يناير/كانون الثاني 2009 ضمن القوات البحرية المشتركة، بهدف مكافحة القرصنة والسطو المسلح في البحر، وحماية حرية الملاحة والتجارة في خليج عدن والمياه المحيطة بالصومال.
وشكلت القوة أحد أبرز أوجه الاستجابة الدولية للقرصنة الصومالية، بالتوازي مع العمليات الأوروبية والأطلسية التي انتشرت في المنطقة.
2009–2016: عملية درع المحيط
أطلق حلف شمال الأطلسي (ناتو) عملية "درع المحيط" في أغسطس/آب 2009، ضمن الجهود الدولية لمكافحة القرصنة قبالة السواحل الصومالية. وتولت العملية وفقاً لمهامها المعلنة المراقبة والردع ومكافحة القرصنة،
إلى جانب مرافقة السفن ودعم أمن خطوط الملاحة في خليج عدن والمحيط الهندي. وانتهت العملية في ديسمبر 2016 بعد تحقيق تراجع كبير في القرصنة قبالة السواحل الصومالية.
2019: التحالف الدولي لأمن الملاحة
في عام 2019، أعلنت الولايات المتحدة تشكيل "التحالف الدولي لأمن الملاحة البحرية" المعروف باسم IMSC، بهدف حماية السفن التجارية وضمان حرية الملاحة وتأمين طرق التجارة والطاقة.
وكان نطاق عمل التحالف يشمل مضيق هرمز والخليج العربي وخليج عمان، كما امتد إلى باب المندب.
2020: ميثاق إنشاء مجلس إقليمي
في يناير 2020، وقعت الدول العربية والأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن ميثاق إنشاء مجلس إقليمي يضم السعودية ومصر والأردن واليمن والسودان والصومال وجيبوتي وإريتريا، بهدف تعزيز التنسيق والتعاون في مواجهة المخاطر التي تهدد أمن المنطقة واستقرارها والملاحة فيها.
ورغم أن المجلس لم يكن تحالفاً عسكرياً بالمعنى التقليدي، فإن إنشاءه عكس محاولة إقليمية لبناء إطار أمني وسياسي للدول المشاطئة، إلا أن التجربة لم تتحول إلى منظومة أمنية عملياتية قادرة على منافسة الأطر الدولية الموجودة في المنطقة أو استبدالها.
2023: عملية حارس الازدهار
في 18 ديسمبر 2023، أعلنت الولايات المتحدة تشكيل عملية "حارس الازدهار" في أعقاب تصاعد هجمات الحوثيين على السفن التجارية في البحر الأحمر.
وهدفت العملية إلى تعزيز أمن الملاحة وحماية السفن التجارية وضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، في إطار قوة متعددة الجنسيات تعمل تحت مظلة القوات البحرية المشتركة.
لكن من المهم التمييز بين "حارس الازدهار" والعمليات العسكرية الهجومية ضد الحوثيين؛ إذ أعلنت الولايات المتحدة صراحة أن الضربات التي نفذتها مع بريطانيا ودول أخرى ضد مواقع حوثية في اليمن كانت منفصلة عن عمليات حماية الملاحة التي تنفذها "حارس الازدهار".
2024: عملية أسبيدس
في فبراير/شباط 2024، أطلق الاتحاد الأوروبي عملية أسبيدس لحماية حرية الملاحة والسفن التجارية في باب المندب والبحر الأحمر والمياه المحيطة به، في أعقاب الهجمات الحوثية على السفن.
وتمثلت أبرز مهام العملية في توفير الحماية والمرافقة والتصدي للهجمات التي تستهدف السفن، وقد قدمها الاتحاد الأوروبي باعتبارها مهمة ذات طابع دفاعي، لا تشارك في العمليات الهجومية ضد الحوثيين.
وفي فبراير 2026، قرر الاتحاد الأوروبي تمديد مهمة "أسبيدس" حتى 28 فبراير 2027، بما يعكس استمرار المخاطر التي تواجه الملاحة في البحر الأحمر والممرات المحيطة به.
2026: التحالف البحري الجديد بقيادة السعودية
في 30 يوليو/تموز الماضي، أعلنت السعودية مبادرة لإنشاء تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات بهدف تعزيز أمن الملاحة وحماية طرق التجارة والطاقة في باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن.
وجاء الإعلان عقب اجتماع استضافته الرياض بمشاركة ممثلين عن 43 دولة والاتحاد الأوروبي، فيما أعلنت 14 دولة دعمها للمبادرة.
وتستهدف المبادرة، وفق الإعلان السعودي، تعزيز التعاون الدفاعي البحري وحماية الممرات الدولية والتصدي للتهديدات التي تواجه الملاحة، في خطوة تعكس محاولة لإيجاد إطار أوسع للمشاركة الإقليمية والدولية في أمن البحر الأحمر.
وهكذا على مدى 18 عاماً، ظلت "جغرافيا المندب" مسرحاً للعديد من التهديدات والأخطار التي طاولت الملاحة الدولية، وساحة لصراع نفوذ بين القوى الدولية والإقليمية على واحد من أهم الممرات الجيوسياسية في العالم،
بينما لا تزال دول المنطقة تخوض نقاشاً حول تشكيل قوة إقليمية تتولى حماية مصالحها وأمنها القومي المباشر.
في السياق، يرى الباحث اليمني في الشؤون العسكرية والأمن البحري، علي الذهب، أن إشكالية بناء الدولة الوطنية وضعف التنمية والوجود العسكري الأجنبي على خريطة الدول المشاطئة للبحر الأحمر أسهمت في نشوء أعمال القرصنة والجريمة المنظمة العابرة للحدود، التي شكلت تهديداً حقيقياً للملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
ويوضح أن انهيار الدولة في الصومال وضعفها تدريجياً في اليمن أديا إلى بروز التنظيمات الجهادية والمسلحة على ضفتي باب المندب، وصولاً إلى انقلاب الحوثيين في 21 سبتمبر/أيلول 2014 وسيطرتهم على جغرافيا واسعة في اليمن، وهو ما مثّل، بحسبه، ذروة التهديدات الجيوسياسية للأمن القومي العربي والملاحة الدولية.
كيف فشلت الصيغ التحالفية؟
ويضيف الذهب أن "العرب خلال مراحل التهديدات الممتدة لعقود، فشلوا في التوصل إلى صيغة تحالفية إقليمية قوية ومستقلة قادرة على التصدي للأخطار وحماية الملاحة الدولية في هذا الممر البحري الحيوي"،
مرجعاً ذلك إلى "الحسابات الخاصة بكل دولة، وطبيعة مصالحها، ورؤيتها الأمنية، والجيوسياسية".
وحول التحالف البحري الذي أعلنت السعودية مبادرته أخيراً، والذي أعلنت 14 دولة دعمها له، يؤكد الذهب أنه لا يزال في مرحلة الإشهار، ولم يتبلور أو يدخل حيز العمل العملياتي حتى الآن،
مشيراً إلى أن هذا التحالف، إذا مضى قدماً سيقوم على أنقاض تحالف الدول العربية والأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر الذي أعلن في العام 2020.
من جانبه، يعتبر مدير المركز الأفريقي للأبحاث ودراسة السياسات، محمد صالح عمر، أن سبب عدم نجاح التحالفات الدولية في القضاء على التهديدات في البحر الأحمر وباب المندب يعود، في جانب منه، إلى أن هذه التحالفات كانت ذات طبيعة دولية أكثر منها إقليمية.
ويضرب مثالاً بتحالف "حارس الازدهار" الذي قادته الولايات المتحدة لمواجهة تهديدات الحوثيين، ولم تنخرط فيه دول إقليمية رئيسية بصورة مباشرة، وفق تقديره، بسبب طبيعة الحسابات المعقدة والمركبة في المنطقة.
ويقول الباحث الإريتري إن التحالفات التي أُعلنت سابقاً، وإن نجحت في الحد من بعض مصادر التهديد، لم تنجح في القضاء عليها، ولن تنجح في ذلك طالما بقيت الدول المشاطئة للبحر الأحمر ضعيفة أو عاجزة عن القيام بأدوارها الأمنية.
ويضيف أن معالجة المشكلة تبدأ باستعادة قوة الدولة الوطنية في هذه المنطقة، ثم السعي إلى بناء شراكات أمنية إقليمية ودولية قادرة على التعامل مع مصادر التهديد بصورة مستدامة.
ماهر أبو المجد
صحافي وكاتب يمني