Logo

لماذا تعثرت صفقة تبادل الأسرى والمحتجزين الكبرى في اليمن؟

الرأي الثالث 

بينما كانت عائلات 1728 من الأسرى والمحتجزين والمختطفين في حرب اليمن تحصي الوقت المتبقّي على الانفراجة المنتظرة في أكثر ملفات الأزمة الإنسانية وجعاً؛ 

وكانت عقارب الساعة تتقدّم على بُعد ساعات فقط من تنفيذ صفقة التبادل المقرّرة اليوم السبت، جاء مساء الجمعة ليحطم ما بنته الآمال، منذ الإعلان عن الصفقة في مايو/ أيار الماضي، لتُصاب هذه الأسر بخيبة أمل تكاد تفوق مرارة الأسر ذاته. 
 
إذ أعلنت الحكومة المعترف بها دولياً، تعثّر تنفيذ صفقة تبادل الأسرى والمحتجزين التي كان مقرراً انطلاقها اليوم برعاية الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، متهمةً جماعة الحوثي بإرجاء تنفيذ الاتفاق إلى أجلٍ غير مسمّى، رغم استكمال الترتيبات اللازمة من جانبها.
 
وقال رئيس الفريق الحكومي المفاوض في ملف الأسرى والمختطفين، هادي هيج، لوكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ)، إن الفريق الحكومي تلقّى بلاغاً من اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومكتب المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ، يفيد برفض جماعة الحوثيين تنفيذ الصفقة في موعدها المحدد، وتأجيلها إلى وقت غير مسمّى. 

وأضاف هيج أن الفريق الحكومي استكمل الإجراءات الخاصة بتنفيذ عملية التبادل وإطلاق سراح المحتجزين والمختطفين كافة، متهماً الحوثيين بوضع عراقيل حالت دون إتمام الصفقة في موعدها.

وفي كشف لتفاصيل اللحظات الأخيرة التي سبقت التعثر، قال المتحدث باسم الوفد الحكومي المفاوض، ماجد فضائل، إن الفريق الحكومي تلقّى إخطاراً رسمياً من مكتب المبعوث الأممي يفيد برفض جماعة الحوثيين السماح لطائرات اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالوصول،

 وطلبها إرجاء التنفيذ الذي كان مقرراً اليوم السبت، بذريعة "عدم القدرة على التنفيذ في الموعد المحدد".

 وأضاف فضائل أن الجانب الحكومي أبلغ الوسطاء الدوليين بجاهزيته الفنية واللوجستية الكاملة لإتمام العملية، محمّلاً الجماعة التبعات الإنسانية والنفسية كافة جراء هذا التعطيل بحق المحتجزين وعائلاتهم.

 وأكد أن الحكومة أوفت بكامل التزاماتها المستندة إلى الاتفاق المرجعي الموقع بين الطرفين بالعاصمة الأردنية عمّان في 14 مايو/ أيار الماضي.

ملف إنساني عالق في اليمن

وكانت الصفقة، في حال إتمامها، ستمثل شبه إغلاق تامّ للملف الإنساني العالق في الأزمة اليمنية، والذي يعد إغلاقه بمثابة بوابة للعبور نحو حل سياسي شامل وفق خريطة الطريق الأممية، 

ما يعني أن فشلها في اللحظات الأخيرة من شأنه تأجيج الميدان العسكري مجدداً، لا سيما في ظل التهديدات بالتصعيد العسكري التي أطلقتها جماعة الحوثيين أخيراً، عبر قياداتها السياسية والإعلامية والعسكرية.

في المقابل، سارعت جماعة الحوثيين لنفي اتهامات الحكومة اليمنية، محمّلةً إياها المسؤولية الكاملة عن تأخير تنفيذ صفقة تبادل الأسرى. 

وقال رئيس اللجنة الوطنية لشؤون الأسرى التابعة للجماعة، العميد عبد القادر المرتضى، في بيان له نقلته قناة "المسيرة"، إن التعثر جاء بسبب ما وصفه بمماطلة الطرف الآخر في تنفيذ الالتزامات المتفق عليها،

 مؤكداً جاهزية لجنته الكاملة للمضي في تنفيذ الصفقة وفق الجدول الزمني المحدد.
 
وأوضح المرتضى أن لجنته نفذت الالتزامات كافة التي تقع على عاتقها، متخذاً من رفض الحكومة إضافة بقية الأسرى الموجودين لديها سبباً أعاق تنفيذ الاتفاق في موعده، رغم استكمال الإجراءات كلها. 

وأشار المسؤول الحوثي إلى أن جماعته أبلغت الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر بجاهزيتها واستعدادها لتنفيذ الصفقة فور التزام الطرف الآخر بتنفيذ الاتفاق، 

متهماً الفريق الحكومي بمحاولة تضليل الرأي العام من خلال القفز على عدد من النقاط الأساسية التي اتُفق على إنجازها قبل إتمام عملية التبادل.

وفي السياق ذاته، أكد عضو المكتب السياسي لجماعة الحوثي ، حزام الأسد، موقف جماعته المحمّل لمن وصفهم بـ"أدوات النظام السعودي" المسؤولية الكاملة عن عرقلة إتمام صفقة التبادل. 

وحول قضية القيادي محمد قحطان، أوضح الأسد أنه كان موقوفاً لدى الأجهزة الأمنية في صنعاء، قبل أن يتعرض للقصف بطائرات التحالف في بدايات التدخل العسكري، 

معتبراً أن الاستهداف كان "متعمداً ومقصوداً" وطاول عشرات السجون ومراكز الاحتجاز الخاضعة للإشراف الدولي وأقسام الشرطة. 

وأضاف الأسد أن التحالف استهدف المدنيين والأسرى على حد سواء، زاعماً أنه "لولا عدم تمكن الرياض آنذاك من تحديد أماكن احتجاز القيادات الأخرى، كمحمود الصبيحي وناصر منصور هادي وفيصل رجب، لكانت قد استهدفتهم بالطريقة ذاتها".

توظيف حوثي للملف الإنساني كأداة ابتزاز في اليمن

وبحسب مراقبين، فإن خلفيات إفشال الصفقة تتجاوز الخلافات الفنية، لتكشف عن توظيف حوثي مبرمج للملف الإنساني كأداة ابتزاز سياسي وعسكري، 

ففي التوقيت الحالي، تسعى الجماعة لمقايضة حرية الأسرى في اليمن بامتيازات سيادية واقتصادية، كفتح مطار صنعاء لوجهات جديدة، وحسم ملف الرواتب بشروطها. وعسكرياً، تنظر الجماعة للأسرى كخزان استراتيجي وأوراق ضغط تفاوضية،

 إذ يُعد إبقاء قضايا حساسة (مثل مصير محمد قحطان) في منطقة الغموض الرمادي مناورة مقصودة لرفع سقف المطالب، وإظهار الطرف الحكومي بمظهر العاجز أمام حاضنته الشعبية.
 
وبحسب ترتيبات الصفقة الكبرى للتبادل منذ سنوات، كان يُفترض في محور جبهة الحدود مع التحالف بقيادة السعودية الإفراج عن 27 أسيراً من قوات التحالف، بينهم طيارون، مقابل إطلاق سراح 245 محتجزاً من جانب الحكومة اليمنية. وفي جبهتي مأرب وتعز، 

نص الاتفاق على الإفراج عن 363 أسيراً من القوات الحكومية مقابل إطلاق سراح 450 محتجزاً من جانب الحوثيين، 

فيما كان مقرراً في محور عدن الإفراج عن 160 أسيراً من القوات الحكومية المحتجزين لدى الجماعة، مقابل إطلاق سراح 201 محتجز من أبناء عدن. 

كما تضمنت الترتيبات في جبهة الساحل الغربي الإفراج عن 95 أسيراً من القوات الحكومية، مقابل إطلاق سراح 186 محتجزاً من جانب الحوثيين.
 
بوادر فشل الصفقة بدأت الخميس الماضي، وهو اليوم الذي باشرت فيه اللجنة الرباعية، التي تضم ممثلين عن الحكومة اليمنية وجماعة الحوثيين واللجنة الدولية للصليب الأحمر ولجنة الطب الشرعي، أعمالها في صنعاء تنفيذاً لاتفاق أُبرم بين الحكومة والحوثيين في مايو/ أيار الماضي للتحقق من مصير قحطان. 

وعاينت اللجنة رفاتاً لجثمان في مستشفى الكويت الجامعي، ادعت جماعة الحوثيين أنه يعود لمحمد قحطان، وأخذت اللجنة عينات من الحمض النووي بحضور ممثلين عن أطراف اللجنة وأفراد من أسرة قحطان، على أن تُرسل إلى مختبر خارج اليمن لإجراء الفحوص اللازمة.

لكن الصادم أن ما قدمته جماعة الحوثيين، وادعت أن جثمانه اقتصر على النصف السفلي من الجسد، بينما كان الجزء العلوي، بما في ذلك الرأس، مفقوداً. وبرّر الحوثيون ذلك بتعرض الجثمان لقصف جوي، وهو تفسير قالت الأسرة إنه لا يبدد الشكوك المحيطة بالقضية.

إلى ذلك، سارع التجمع اليمني للإصلاح وعبّر المتحدث الرسمي باسمه عدنان العديني للقول إن لجنة المعاينة المكلّفة بالتحقق من مصير محمد قحطان أنهت أعمالها من دون العثور عليه 

مؤكداً أن القضية لا تزال مفتوحة، وأن أي رواية لا تقدم إجابة واضحة وموثقة عن مصيره لن تنهي الملف. 

وأوضح العديني، في منشور على منصة "إكس"، أن السؤال السياسي والحقوقي ما زال قائماً: "أين محمد قحطان؟"، مضيفاً أنه "لا يمكن الانتقال إلى أي نقاش آخر قبل الحصول على إجابة واضحة وموثقة عن مصيره". 

وحمّل جماعة الحوثي المسؤولية الكاملة، باعتبارها الجهة التي احتجزت قحطان منذ العام 2015، مطالباً إياها بالكشف عن مكان وجوده أو الإفراج عنه، ومؤكداً أن أي حديث لا يجيب بصورة مباشرة عن هذا السؤال "لن يكون كافياً لإغلاق القضية".

لغم إضافي أمام عملية تبادل الأسرى في اليمن

بموازاة تعقيدات صنعاء، تفجّرت في عدن أزمة شكلت لغماً إضافياً، إذ رفض حراك قبلي وأمني لأبناء ردفان إدراج المتهمين باغتيال القائد العسكري البارز، اللواء الركن ثابت جواس، ضمن قوائم التبادل. 

وحذر لقاء قبلي موسع من أن الإفراج عنهم يعد غطاءً لخلايا الحوثيين ومساساً بالأحكام القضائية الصادرة بحقهم، ملوحاً بالتصعيد المسلح في حال تجاهل مجلس القيادة الرئاسي لمطالبهم بترك الملف للمسار القضائي.
 
تأتي هذه الهبّة نظراً للمكانة الاستثنائية للواء جواس (اغتيل بسيارة مفخخة عام 2022)، لكونه القائد الميداني الذي أنهى حياة مؤسس الجماعة (حسين بدر الدين الحوثي) عام 2004، 

وكانت المحكمة الجزائية في عدن قد أصدرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 أحكاماً بإعدام أربعة متهمين في القضية (بينهم القيادي العسكري أمجد خالد ومساعده غيابياً).

وتجاوزت تداعيات الأزمة حدود عدن لتشعل تعبئة قبلية وسياسية واسعة جنوباً، إذ انضمت قبائل شبوة للتصعيد والاحتجاج تضامناً مع أسرة المحافظ أحمد لملس، رافضة إدراج المتهمين باستهدافه في كشوفات التبادل، 

بالتزامن مع انتهاء مهلة الـ24 ساعة التي حددتها قبائل ردفان للتحرك المسلح لحماية ملف اللواء جواس. وامتد الحراك إلى وقفات احتجاجية غاضبة أمام مقرات الصليب الأحمر في عدن ولحج وشبوة. 

هذا الغليان تلقفه المجلس الانتقالي الجنوبي موظفاً إياه في سياق تصعيده، إذ وصفت هيئته في حضرموت الترتيبات بـ"الطعنة الغادرة والسمسرة السياسية" 

 داعيةً إلى هبة شعبية لحماية دماء شهداء الجنوب، ما يهدد بتحويل الملف الإنساني إلى فتيل مواجهة مسلحة وسياسية شاملة.
 
فشل الصفقة في لحظاتها الأخيرة من شأنه أن يضع مكتب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن ومعه اللجنة الدولية للصليب الأحمر، في موقف حرج للغاية أمام الشارع اليمني والوسطاء الإقليميين،

 إذ بدا دور الوسيط الدولي مقتصراً على دور "بريد الرسائل" الذي يتلقى بلاغات التأجيل الحوثية من دون امتلاك أي فاعلية أو أدوات ضغط حقيقية.
 
وتعيد هذه الجولة الفاشلة مساءلة البنية التفاوضية ذاتها في اليمن وتحديداً معضلة مبدأ "الكل مقابل الكل". فهذا الشعار، على الرغم من مضمونه الإنساني، يتحول في الممارسة العملية إلى "ورقة سياسية" تُطيل معاناة الضحايا وأسرهم.

ضعف الثقة بالمنظمة الدولية

وبفشل التبادل، يعود الجانب الإنساني ليتصدر مأساة الحرب اليمنية الممتدة منذ أكثر من 11 عاماً.

 وقال الصحافي والمختطف السابق في سجون جماعة الحوثي، هشام اليوسفي، إن من المؤسف أن دور الأمم المتحدة ظل في كثير من الأحيان مقتصراً على إدارة عملية التفاوض ونقل الرسائل بين الأطراف، من دون اتخاذ مواقف أكثر وضوحاً تجاه أسباب تعثر الاتفاقات أو الجهة التي تعرقل تنفيذها، 

معتبراً أن "هذا النهج أضعف الثقة بقدرة المنظمة الدولية على تحييد الملف الإنساني وحمايته من التجاذبات السياسية".
 
وأضاف أن الأمر الأكثر إثارة للقلق يكمن في أن جماعة الحوثيين لم تكتفِ بتعطيل صفقات التبادل، بل واصلت تنفيذ حملات اختطاف جديدة، حتى في الفترات التي كانت تجري فيها مفاوضات للإفراج عن المختطفين 

 وهو ما يقوض أي إجراءات لبناء الثقة، ويؤكد أن الملف الإنساني لا يزال يُستغل كورقة ضغط.

ولفت الصحافي اليمني إلى أن استمرار احتجاز موظفين تابعين للأمم المتحدة ومنظمات دولية لدى جماعة الحوثي يطرح علامات استفهام كبيرة حول فاعلية الأمم المتحدة في حماية موظفيها والدفاع عنهم، مستغرباً بقاء هذه القضية دون نتائج ملموسة، في وقت يُفترض فيه أن اختطاف موظفين أمميين يستوجب موقفاً دولياً أكثر حزماً وضغطاً. 

واختتم اليوسفي حديثه بالتأكيد أن الملف الإنساني لا يحتاج إلى بيانات دبلوماسية متوازنة، بقدر حاجته إلى مواقف واضحة تُحمّل الطرف المعرقل مسؤولية أفعاله عند توفر الوقائع، لأن استمرار الغموض لا يؤدي إلا إلى إطالة معاناة المختطفين والأسرى وعائلاتهم، ويشجع على تكرار الانتهاكات من دون مساءلة.

فخر العزب
صحافي يمني