كيف سينعكس اتفاق أمريكا وإيران على الحوثيين ومسار التسوية في اليمن؟
الرأي الثالث
في أواخر أيام الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، دخل الحوثيون في اليمن على خط المواجهة بعد أسابيع من الترقب، معلنين إغلاق البحر الأحمر وباب المندب وتنفيذ هجمات ضد أهداف إسرائيلية.
بدا هذا التحرك، في توقيته مطلع يونيو الجاري، كأنه آخر أوراق طهران في معركة إقليمية مفتوحة، لكن مع الإعلان عن اتفاق أمريكي إيراني لوقف العمليات العسكرية وإعادة فتح مضيق هرمز وبدء مفاوضات حول الملفات العالقة، عاد الملف اليمني إلى الواجهة.
فالحوثيون، بوصفهم إحدى أبرز أذرع النفوذ الإيراني في المنطقة، لم يكونوا بعيدين عن الحرب ولا عن حسابات التفاوض، والسؤال الآن: هل يخرج الحوثيون من هذا الاتفاق باعتبارهم أحد المستفيدين منه؟
أم أن التفاهم الجديد سيقيد أدوارهم الإقليمية ويدفعهم نحو مسار التسوية السياسية في اليمن؟
اتفاق تاريخي
ومساء الأحد 14 يونيو، أعلنت الولايات المتحدة وإيران التوصل إلى تفاهم أولي لإنهاء الحرب ووقف العمليات العسكرية، على أن تُستكمل الإجراءات التنفيذية والتوقيع الرسمي يوم الجمعة 19 يونيو الحالي، في سويسرا.
وشمل الاتفاق- وفق وسائل إعلام دولية- وقف العمليات على مختلف الجبهات، وضمن ذلك لبنان والبحر الأحمر، وفتح مضيق هرمز والانتقال إلى مرحلة تفاوضية جديدة حول القضايا النووية والعقوبات.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اعتبر الاتفاق "إنجازاً تاريخياً" من شأنه إعادة الاستقرار إلى المنطقة، في حين أكدت طهران أن النص النهائي لمذكرة التفاهم أصبح جاهزاً تقريباً، مع استمرار التحقق من الالتزامات المتبادلة قبل التوقيع.
أما باكستان، التي لعبت دوراً محورياً في الوساطة، فأعلنت أن الاتفاق يتضمن وقفاً فورياً ودائماً للعمليات العسكرية، مع ترتيبات لبدء مفاوضات أوسع خلال المرحلة المقبلة.
كما رحبت دول أوروبية وعربية بالاتفاق، معتبرةً أنه قد يشكل نقطة تحول مهمة في مسار الاستقرار الإقليمي.
هذا الترحيب الواسع يعكس حجم القلق الذي أثارته الحرب الأخيرة على أسواق الطاقة والملاحة الدولية، كما يعكس الرغبة الدولية في منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة قد تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.
مصير الوكلاء
رغم أن النص الكامل للاتفاق الأمريكي ـ الإيراني لم يُعلن حتى لحظة كتابة هذه السطور بشكل رسمي، فإن المسودات والتسريبات المتداولة تشير إلى تفاهمات أولية تشمل وقف الحرب، وإعادة فتح الممرات البحرية، وبدء مفاوضات تمتد 60 يوماً حول الملف النووي والعقوبات الاقتصادية.
كما تتحدث بعض التسريبات عن إفراج تدريجي عن أموال إيرانية مجمدة، ورفع قيود اقتصادية محددة، مقابل التزامات إيرانية واضحة.
غير أن الملف الأكثر حساسية لا يقتصر على البرنامج النووي، بل يمتد إلى ما تصفه الأدبيات الأمريكية بـ"الوكلاء الإقليميين"،
فقد اشترطت واشنطن، في أكثر من مناسبة، وقف دعم طهران للقوى المتحالفة معها في المنطقة، وفي مقدمتها جماعة الحوثي في اليمن و"حزب الله" في لبنان.
وخلال الحرب، حرص الحوثيون على تقديم أنفسهم باعتبارهم جزءاً مما يُعرف بـ"وحدة الساحات"، ففي 8 يونيو نفذوا هجمات ضد أهداف إسرائيلية، وأعلنوا فرض حظر على الملاحة المرتبطة بـ"إسرائيل" في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
تزامن ذلك مع تصريحات إيرانية متكررة لمحت إلى إمكانية استخدام باب المندب كورقة ضغط استراتيجية، وصولاً إلى تحذيرات من أن تعطيل هذا الممر الحيوي قد ينعكس سريعاً على أسعار النفط العالمية.
هذا التطور أظهر تنامي أهمية اليمن في الحسابات الإيرانية، فبعد عقود ظل فيها مضيق هرمز محور الضغط البحري الأبرز لطهران، باتت إيران تمتلك، عبر الحوثيين، قدرة على التأثير في باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وبناءً على ذلك، من المرجح أن يواصل الحوثيون تقديم أنفسهم قوةً إقليمية لا مجرد فاعل محلي، خصوصاً بعدما نجحوا خلال العامين الماضيين، في فرض حضورهم على أجندة الأمن البحري العالمي.
كما أنه من المستبعد أن تتخلى طهران بسهولة عن ورقة "الحوثيين"، وستبقى جزءاً من منظومة الردع الإيرانية التي يمكن تفعيلها إذا تعرضت هي أو حلفاؤها لهجمات مستقبلية.
محطة استراتيجية
يرى عاتق جار الله، رئيس "مركز المخا للدراسات الاستراتيجية" في اليمن، أن الاتفاق الأمريكي الإيراني يمثل محطة استراتيجية مهمة في مسار الصراع الإقليمي، تماماً كما كانت الحرب تحولاً استراتيجياً بحد ذاتها.
كما يشير جار الله إلى أن "المنطقة بعد هذا الاتفاق لن تكون كما كانت قبله، وأن تداعياته ستطال مختلف الملفات الإقليمية بدرجات متفاوتة".
وأضاف :
- الحديث عن الاتفاق بوصفه نهاية للحرب سابق لأوانه، فهو يأتي في إطار الحرب وليس في نهايتها، ليمثل مرحلة جديدة من النزاع أكثر من كونه تسوية نهائية له.
- تقييم مستقبل الاتفاق يظل بحذر، إذ إن ما أُعلن حتى الآن يبدو مقتضباً، وأقرب إلى تفاهمات عامة منه إلى اتفاق تفصيلي قادر على ضمان التنفيذ المستدام.
- الموقف الإسرائيلي يمثل أحد التحديات الرئيسية أمام نجاح الاتفاق.
- قد ترى تل أبيب أن الاتفاق لا يحقق أهدافها الاستراتيجية كاملةً، الأمر الذي قد يدفعها إلى محاولة التأثير في مسارات تنفيذه أو تأجيج الخلافات لاحقاً.
- النظام الإيراني نفسه قد ينظر إلى الاتفاق بحذر، إذا شعر بأن الولايات المتحدة تسعى إلى انتهاج سياسة الترويض البطيء، أو توسيع الضغوط السياسية والأمنية والاقتصادية عليه تحت غطاء التهدئة.
- الحرب الأخيرة تركت آثاراً عميقة داخل إيران على المستويات الاقتصادية والأمنية والعسكرية والسياسية.
- هذه الآثار قد تدفع القيادة الإيرانية إلى التركيز خلال الفترة المقبلة، على ترميم أوضاعها الداخلية.
- لكن هذا لا يعني بالضرورة تراجع نفوذ إيران الإقليمي أو تخليها عن حلفائها، بل قد يقود إلى إعادة ترتيب أولوياتها وأساليب عملها في المنطقة.
- اليمن سيكون من أكثر الملفات تأثراً بنتائج هذا الاتفاق.
- أي انفراج سياسي أو اقتصادي في العلاقة بين القوى الإقليمية سينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على مسار الأزمة اليمنية.
- مستقبل الملف اليمني سيعتمد بدرجة كبيرة على الطريقة التي ستقرأ بها جماعة الحوثي نتائج الحرب ومآلات الاتفاق.
- إذا خلص "الحوثيون" إلى أن إيران تواجه تحديات داخلية كبيرة بسبب الحرب، وتحتاج إلى تخفيف التوترات الإقليمية، فقد يدفعهم ذلك إلى تبني مقاربة أكثر براغماتية والانخراط بصورة أكبر في المسار السياسي والتفاوضي مع الأطراف اليمنية والسعودية.
- أما إذا اعتبرت الجماعة أن إيران خرجت من المواجهة في موقع قوة ونجحت في فرض معادلات ردع جديدة، فإن ذلك قد يعزز نفوذ التيار المتشدد داخلها.
- سيشجع التيار المتشدد على تمسك "الحوثيين" بالخيار العسكري، بوصفه الوسيلة الأنجع لتحقيق الأهداف السياسية والاستراتيجية.
- المؤشرات الحالية توحي بوجود اتجاهين داخل الجماعة؛ الأول يميل إلى تغليب الحلول السياسية والحوار وتقديم قدر من المرونة للحفاظ على المكاسب القائمة.
- الاتجاه الثاني يرى أن القوة العسكرية هي التي حمت مشروع الجماعة خلال السنوات الماضية، وأن أي تنازل سياسي واسع قد يُنظر إليه على أنه تفريط في المكتسبات التي تحققت بفعل القوة.
- المشهد اليمني يقف أمام احتمالين رئيسيين؛ الأول يتمثل في تنشيط العملية السياسية وفتح الباب أمام تسوية تدريجية للنزاع.
- أما الثاني فيتمثل في العودة إلى جولة جديدة من المواجهات العسكرية، قد تكون مختلفة في طبيعتها وحجمها عن الجولات السابقة.