لقاءات سعودية - حوثية تعيد حديث السلام في اليمن إلى الواجهة
عاد ملف السلام في اليمن إلى واجهة المشهد السياسي، بعد جولة جديدة من اللقاءات التي جمعت ممثلين عسكريين من السعودية وجماعة الحوثي، برعاية أممية، في خطوة وُصفت بأنها "فنية"، لكنها تحمل في طياتها دلالات سياسية تتجاوز طبيعة الاجتماعات نفسها.
هذه اللقاءات تأتي في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، وسط تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت تمهيداً لمسار تهدئة أوسع، أو مجرد محاولة لاحتواء تداعيات التصعيد على الساحة اليمنية.
وفي بلد أنهكته حرب مستمرة منذ أكثر من 11 عاماً، تبدو أي إشارة إلى استئناف الحوار ذات أهمية خاصة، خصوصاً في ظل استمرار حالة اللاحرب واللاسلم منذ هدنة أبريل 2022، التي رغم توقفها رسمياً ما تزال آثارها الميدانية قائمة حتى اليوم.
التحركات الجديدة تأتي في سياق جهود أممية مكثفة لإحياء العملية السياسية، يقودها المبعوث الخاص هانس غروندبرغ، الذي كثف زياراته خلال الأسابيع الماضية بين مسقط والرياض وعدن وواشنطن، في محاولة لمنع انزلاق اليمن مجدداً إلى دائرة التصعيد الإقليمي، وفتح نافذة جديدة للحل السياسي.
تحركات عسكرية
عُقدت الاجتماعات الأخيرة في العاصمة الأردنية عمّان يومي 19 و20 أبريل 2026، ضمن إطار لجنة التنسيق العسكري التي أسست في مايو 2022، كأحد مخرجات الهدنة الأممية، بهدف خفض التصعيد وبناء الثقة بين الأطراف.
وبحسب بيان مكتب المبعوث الأممي، فإن اللقاء جمع ممثلين عن اللجنة من الرياض وصنعاء، وناقش الوضع الراهن في اليمن والمنطقة، وسبل تعزيز الأمن من خلال خفض التصعيد ومواصلة الحوار، مشيراً إلى عقد لقاءات لاحقة تضم الأطراف الثلاثة، من بينها الحكومة اليمنية.
غير أن غياب ممثلي الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً عن هذه الجولة أثار تساؤلات واسعة، خصوصاً أن اللجنة في أصلها تضم ممثلين عن الحكومة والحوثيين والتحالف، ما يعكس تحوّلاً في طبيعة الاتصالات، أو على الأقل في أولوياتها المرحلية.
وتعد هذه الاجتماعات الأولى من نوعها التي تجمع ممثلين عسكريين من السعودية وجماعة الحوثي، كما أنها تعتبر أهم لقاء بين الجانبين منذ العام 2023، الذي شهد تقارباً لافتاً بين الرياض والحوثيين، عقب زيارات متبادلة.
وفي السياق، اختتم غروندبرغ زيارة إلى مسقط (22 أبريل 2026)، التقى خلالها مسؤولين عُمانيين وكبير مفاوضي الحوثيين محمد عبد السلام، مؤكداً أهمية الدعم الإقليمي لعملية الوساطة، ومشيراً إلى تقدم في مفاوضات تبادل الأسرى التي تُعد الأطول منذ سنوات.
ترتيب الجنوب
بالتوازي مع هذه اللقاءات تتحرك الرياض على مسار داخلي يمني لا يقل أهمية، يتمثل في إعادة ترتيب مكونات المعسكر المناهض للحوثيين، خاصة في الجنوب، في خطوة تبدو مرتبطة بالتحضير لتسوية سياسية شاملة.
بهذا السياق، عقد السفير السعودي لدى اليمن، محمد آل جابر، لقاءات في الرياض مع قيادات من محافظات حضرموت وشبوة، وأخرى بمسؤولين جنوبيين، لبحث الترتيبات المتعلقة بعقد مؤتمر حوار جنوبي، يهدف إلى توحيد المواقف الجنوبية.
وتعكس هذه التحركات إدراكاً سعودياً بأن أي تسوية سياسية لن تكون قابلة للاستمرار دون جبهة يمنية موحدة، خاصة في ظل التباينات التي شهدتها السنوات الماضية بين المكونات المناهضة للحوثيين.
كما تأتي هذه الجهود في إطار سعي أوسع لإعادة تشكيل "الشرعية اليمنية" بشكل أكثر تماسكاً، بما يتيح لها الدخول في مفاوضات نهائية من موقع أقوى، خصوصاً بعد المتغيرات التي شهدها الجنوب، بما في ذلك تفكيك بعض التشكيلات المسلحة وإعادة دمجها.
سياق إقليمي
تأتي هذه اللقاءات في ظل مشهد إقليمي مضطرب، انعكس بشكل مباشر على اليمن، الذي ظل لعقود جزءاً من معادلات الأمن الإقليمي، بحكم موقعه الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر وباب المندب.
وفي إحاطته أمام مجلس الأمن (14 أبريل 2026)، حذر المبعوث الأممي من أن اليمن لم يسلم من تبعات الحرب في المنطقة، مشيراً إلى مخاوف من انجراره إلى مواجهة أوسع، خاصة بعد الهجمات التي نفذها الحوثيون نهاية مارس الماضي.
وأكد غروندبرغ أن اليمن لا يستطيع تحمل مزيد من الصدمات، لافتاً إلى أن الوضع الاقتصادي يزداد هشاشة، مع ارتفاع أسعار الغذاء والوقود وتأثر التحويلات المالية.
وأشار إلى وجود فرصة حقيقية، وإن كانت هشة، للمضي نحو عملية سياسية شاملة، داعياً الأطراف إلى عدم رهن مستقبل اليمن بالتقلبات الإقليمية.
وتعكس هذه التحذيرات حجم التداخل بين المسارين اليمني والإقليمي، حيث باتت أي تسوية في اليمن مرتبطة بشكل وثيق بمآلات الصراع الأوسع في المنطقة.
رغم هذه التحركات، لا يزال الجمود يطغى على المشهد اليمني، بعد تعثر خارطة الطريق التي طُرحت في 2023، وعدم تحقيق اختراق حقيقي في المسار السياسي حتى الآن.
ضغوط أمريكية
ويرى الدكتور عادل دشيلة، وهو باحث غير مقيم في المعهد الفنلندي لشؤون الشرق الأوسط، أن الحوار بين السعودية وجماعة الحوثي يعتبر امتداداً لحوارات معلنة وغير معلنة سابقة.
ولفت دشيلة، إلى أنه جرى خلال الفترة الماضية تجميد خارطة الطريق التي اقترحتها السعودية، بالتشاور مع قوى إقليمية مثل سلطنة عمان، وكان بالإمكان التوقيع عليها قبل تجميدها بسبب التصعيد الإقليمي.
وأشار إلى أنه "كان هناك ضغوط أمريكية على ألا تنفذ تلك الخارطة، خصوصاً بعد استهداف الحوثيين للملاحة الدولية في البحر الأحمر"، مشيراً إلى أن تلك الضغوط استمرت حتى وقت قريب.
ولفت دشيلة إلى تصريح وزير الدفاع الأمريكي مؤخراً الذي أشار فيه إلى أن جماعة الحوثي لم تنخرط في الصراع، معتبراً ذلك مؤشراً إيجابياً من قبلهم.
واستطرد قائلاً: "الآن يبدو أن هناك محاولات لإحياء خارطة الطريق، ومن ثم فقبل الحديث عن الجوانب السياسية في خارطة الطريق، لا بد من الحديث عن الجوانب العسكرية والأمنية، بأنه فشلت الأطراف اليمنية وحتى الإقليمية، في وساطتها بين اليمنيين".
الأولوية العسكرية
وتطرق دشيلة إلى أنه من خلال تجارب سابقة، يتضح أهمية البدء بالجوانب العسكرية والأمنية، قبل السياسية، مشيراً إلى أنه خلال اتفاقي الرياض الأول والثاني، كانت الأطراف اليمنية تبدأ بالجانب السياسي، ثم ما تلبث أن تفشل في الجوانب الأمنية والعسكرية.
واستطرد قائلاً:
- يبدو الآن أن الحوار حول الجوانب العسكرية، تمهيداً للتوصل إلى تفاهمات مع جماعة الحوثي، ومن ثم دمج الأطراف اليمنية في حوار سياسي جامع، للدخول في عملية تفاوضية، ومرحلة انتقالية.
- وأشار إلى أن نجاح الحوار حالياً، يعتمد على ما ستقدمه الجماعة من تنازلات، في الوقت الراهن، فهي حالياً ليست كما كانت عليه قبل ثلاث سنوات، لأن حليفتها الإقليمية تعرضت لضربات أمريكية - إسرائيلية (في إشارة إلى إيران)،
- أيضاً الوضع الاقتصادي المزري في مناطق الجماعة، فضلاً عن عدم تمكن الجماعة من تحقيق أي تقدم عسكري في الفترة الماضية في مناطق الحكومة خصوصاً في مأرب وشبوة.
- لا أتوقع أن السعودية سوف تنجح مع جماعة الحوثي في التوصل إلى اتفاق، ما لم يكن هناك أدوات ضغط، وفي تصوري أن توحيد القوى الأمنية والعسكرية في مناطق الحكومة، إذا نجحت المملكة مع الحكومة اليمنية في توحيد هذه القوى، فستكون هذه أوراق ضغط عسكرية.
- في حال أن جماعة الحوثي لم تقبل بالحوار السياسي، ولم تقبل بالعملية التفاوضية، تكون هذه القوى مستعدة للدخول في عملية عسكرية مع الجماعة، ومن ثم ستحقق اختراقاً عسكرياً، ما يجبر الجماعة في نهاية المطاف على القبول بالحوار السياسي، هذا المطروح في الوقت الراهن.
- غياب الحكومة اليمنية عن جولة المفاوضات في عمّان يعود إلى وجود خلافات حول الفريق التفاوضي، المجلس الانتقالي قبل أن يتم حله كان يصر على أن يكون شريكاً في الفريق التفاوضي، ويطرح قضيته.
- الحوار الجاري بين السعودية والحوثيين عبارة عن استكشاف في الجوانب الأمنية والعسكرية، ومن ثم من المؤكد عندما يكون هناك تسوية سياسية، ستكون الحكومة اليمنية والأطراف اليمنية في الداخل موجودة على الطاولة مستقبلاً.