Logo

ما إمكانات استئناف مفاوضات السلام في اليمن؟

 مع تطورات الصراع الإقليمي في المنطقة بدءًا من العدوان على غزة وما ترتب عليه من تصعيد إقليمي ، ومرورًا بالهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران؛ وبينهما اجتياح محافظتي حضرموت والمهرة شرقي اليمن، وما تلاه من تصعيد عسكري سعودي ضد المجلس الانتقالي في كانون الأول/ديسمبر الماضي، تراجع الاهتمام المحلي والإقليمي والدولي باستئناف مفاوضات السلام في اليمن، بل وصارت بيانات المبعوث الأممي الخاص لليمن، هانس غروندبرغ، باهتة وتخلو مما يُعد تطورًا حقيقيًا يتجاوز بهذا الملف حالة الجمود المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات.

إن استمرار هذا الجمود يعني استمرار معاناة أكثر من عشرين مليون يمني، ممن يحتاجون للمساعدات والحماية، وفتح التوقعات على أسوأ الاحتمالات؛ وبالتالي فاستمرار تعليق ملف السلام يعني إمعانًا في تجاهل معاناة ملايين اليمنيين، الذين طحنتهم سنون الحرب والصراع؛ وبقاء مصير هذا البلد في نفق مظلم.

حسب بيانات الأمم المتحدة عن الوضع الإنساني في اليمن، «ففي عام 2026، سيحتاج أكثر من 22 مليون شخص – من بينهم 10.95 مليون امرأة وفتاة – إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية في جميع أنحاء اليمن. ويشمل ذلك 5.2 مليون نازح داخلياً».

ولفتت إلى «أن أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل (IPC) يشير إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك تحول بعض المناطق من مستوى الأزمة إلى مستوى الطوارئ، وحدوث جيوب من الظروف الكارثية التي تؤثر على بعض المجتمعات الأكثر هشاشة».

وأكّد أن «مستويات سوء التغذية لا تزال مرتفعة بشكل حرج، حيث يعاني أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد، من بينهم 516.157 طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم».

مما يعني أن الوضع مثير للقلق والخوف مما تحمله السنوات المقبلة في حال بقاء حالة الجمود الراهنة.

بالعودة إلى ما يصدر عن طرفي الصراع من تصريحات عن الحرب والسلام منذ توقيع اتفاق الهدنة عام 2022؛ لا يظهر للمتابع أن ثمة استعدادا حقيقيَا للسلام وأيضًا للحرب؛ 

وكأن كل طرف صار راضٍ بوضعه الراهن، وقبل ذلك لم يعد يصدر ما يُفضي إلى تفاؤل بشأن مصير هذا الملف من قبل الحلفاء، الذين يقفون وراء القوى المتصارعة على امتداد اليمن، بما في ذلك اللجنة الرباعية الدولية المسؤولة عن هذا الملف، التي صارت تتعامل مع الملف بسياسة ترحيل وصولًا إلى تحويل الملف إلى درج الهامش، لاسيما مع انشغال العالم بقضايا دولية ذات أولوية، والتي لم تُعد معها قضية اليمن في المتن السياسي الدولي، والخوف من أنها صارت قضية منسية.

على الرغم من استمرار جولات المبعوث الأممي، ولقاءاته المستمرة بالأطراف المحلية والإقليمية والدولية الفاعلة، وذات العلاقة والتأثير بمسار الملف اليمني إلا أن تلك اللقاءات لم تعد تخرج بأكثر من بيانات دبلوماسية في لغتها المطاطية، والتي صارت لا تحمل نبأ بانفراج ما ولو بسيط.

 ولمعرفة حجم التعقيد الذي تفرضه الأطراف المتصارعة على مسار التفاوض، في حال افترضنا أن بيد هذه الاطراف قراري الحرب والسلم، يمكن التوقف قليلًا أمام ما حققته اللجنة الاشرافية الخاصة بمتابعة ملف الأسرى، التي تداول الإعلام خبر بدء انعقاد جولتها الحادية عشرة في العاصمة الأردنية عمان في 5 شباط/فبراير،

ولم يصدر منذئذ أي بيان أو خبر عن انفضاض اللقاء أو تحقيق تقدم ما، باستثناء تسريب، الجمعة الماضية، عن تمديد أسبوع لعمل اللجنة، لإتاحة الفرصة لها لاستكمال مهامها؛ ما يؤشر لما يفرضه المتفاوضون من تعقيدات لمسار التفاوض، لاسيما ونحن نقف على مفاوضات يفترض ألا تخضع للاستغلال السياسي والمناورة؛ لأنها تتعلق بملف إنساني، معني بأسرى هم في الأصل يمنيون والمتفاوضون هم أيضًا يمنيون.

وسبقت الجولة المنعقدة في عمّان عدة جولات، آخرها جولة في مسقط نجحت في التوصل إلى اتفاق، لكن تعثر الطرفان في تنفيذه، وقبلها تعثرت جولتان في الوصول إلى اتفاق، وقبلها جولات أخرى.

وبالتالي فإن حالة اللاحرب واللاسلم التي باتت وكأنها تجمدت في اليمن، تمثل تحديًا خطيرًا أمام إعادة تفكيك الملف اليمني، أو بمعنى أوضح إعادته لواجهة الاهتمام الإقليمي والدولي، في ظل ما يلقاه من تجاهل وتعنت محلي إن جاز القول.

تمثل حالة الجمود الراهنة في الملف اليمني تهديدًا بنسف ما تم تحقيقه جولات التفاوض السابقة، وبالتالي قد يتحول الجهد من استئناف إلى البدء من جديد؛ والبدء من جديد قد يكون تفخيخًا لكل شيء، وفتح البلاد على فصل جديد من الصراع.

في قراءته للإشكالية، التي تمثلها حالة الجمود في الملف اليمني وإمكانات استئناف مفاوضات السلام، يرى أمين عام حزب التجمع الوحدوي اليمني، عبدالله عوبل، أن حالة اللاحرب واللاسلم التي يعيشها اليمن منذ نيسان/أبريل 2022 هي الحالة الأخطر في تاريخ اليمن الحديث.

وقال »أدت هذه الحالة إلى تردي مستوى الخدمات إلى درجة غير مقبولة، وغابت المؤسسات، وسادت الفوضى والمجاعات، وساءت الحالة الإنسانية إلى أدنى مستوى في مناطق الحوثيين والشرعية على حد سواء. 

وقد توقفت تمامًا جهود حل الأزمة والحرب من قبل الاقليم والمجتمع الدولي، بعد السابع من تشرين الأول/اكتوبر 2023، خصوصًا بعد مشاركة الحوثيين في مساندة غزة وإغلاق باب المندب، مما أدى إلى تجميد خارطة الطريق التي كانت جاهزة للتوقيع في كانون الثاني/يناير 2024».

ويعتقد عوبل أنه «منذ ذلك التاريخ توقف الاهتمام بالملف اليمني، لكن هذا الجمود في ظل سلطات الأمر الواقع تحول إلى كارثة على الشعب اليمني، إذ غابت المؤسسات وغابت الدولة، وتراجع القضاء، وأصبح مسؤولو هذه البلاد في حل من المحاسبة والرقابة. 

فتحولت إيرادات الدولة إلى جيوب هؤلاء القادة مدنيين وميليشيات، وتوقفت رواتب موظفي الدولة، وارتفعت أسعار السلع، وسادت المجاعة وحمل المواطن وزر الجبايات الجائرة وغير القانونية. والنتيجة إن المواطن أصبح مثخنًا بجراح سلطات أذاقته الويلات والمرارة».

ويضيف: «في 28 من شباط/فبراير قامت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بالعدوان على إيران، وإيران لاعب رئيسي في الملف اليمني، وقامت إيران بضرب الدول الخليجية، بما فيها المملكة العربية السعودية اللاعب الرئيسي أيضًا في الملف اليمني.

 ورغم أن المملكة السعودية ترفض اندلاع حرب ضد إيران نظرًا لخطورتها على دول المنطقة، ورغم أن السعودية لديها اتفاقية صلح مع إيران بوساطة الصين.

 وبالتالي فإن الطرفان المهمان في الملف اليمني حاليًا منشغلان بالحرب الدائرة في المنطقة، والتي أشعلتها أمريكا وإسرائيل بغرض الهيمنة على المنطقة العربية ومصادرة ثرواتها ومحاولة تفتيتها».

وفيما يتعلق بتصوره لموعد زمني لعودة الاهتمام بالملف اليمني، قال عوبل :»لا أستطيع تصور موعد زمني لعودة الاهتمام بالملف اليمني، لكني أزعم إن طالت هذه الحرب فإن اليمن سيتحول إلى فوضى وانقسامات وحروب، وسيأتي أمراء حرب جدد، والعالم والإقليم مشغول من حولنا».

لكنه يرى «أن يبادر اليمنيون إلى حوار وطني جنوبي جنوبي، وشمالي شمالي، ثم حوار وطني شامل يرسم فيه اليمنيون خارطة طريق للخروج من الحرب نحو بناء الدولة وبالتشاور والتنسيق مع الاقليم. ونتمنى أن تنتهي هذه الحرب بسرعة؛ لأنها إذا طالت قد تؤدي إلى تغيرات دراماتيكية في المنطقة لا نعرف حدودها ومداها».

نخلص مما سبق إلى أن إمكانات استئناف مفاوضات السلام في اليمن في الوقت المنظور غير متاحة بالنظر للقضية اليمنية من خارجها؛ إلا أن تجاوز حالة الجمود تتطلب النظر إليها من داخلها، 

مما يعني أنها تتطلب إرادة وطنية خالصة من أطراف الصراع لامتلاك شجاعة اتخاذ القرار الوطني، والتحرر من التبعية، والانطلاق إلى إغلاق ملف الحرب، والذهاب إلى تفاوض عنوانه تقديم تنازلات حقيقية لصالح اليمن الكبير؛

 تنازلات تضع حدًا لما تم إهداره من كرامة اليمنيين وأرواحهم وأموالهم وثرواتهم، وتحترم المستقبل والبناء من جديد لتحقيق التطلعات في دولة مدنية كاملة السيادة تحترم كل أبنائها.

أحمد الأغبري
القدس العربي