تقرير يكشف تحالفاً متطوراً بين "الشباب" والحوثيين يهدد الأمن الإقليمي والبحري
كشف معهد سالدهيغ في الصومال عن تقرير جديد بعنوان "الترابط الاستراتيجي بين حركة الشباب وجماعة الحوثي وتداعياته على الأمن الإقليمي والعالمي"، يشير إلى ظهور تحالف عملي متطور بين حركة الشباب الصومالية وجماعة الحوثيين، يمثل تهديداً مباشراً للأمن البحري في البحر الأحمر واستقرار المنطقة.
وأوضح التقرير، الذي اعتمد على مقابلات ميدانية ومصادر استخباراتية وبيانات مالية وبحرية، أن العلاقة بين الطرفين تطورت من مجرد تسهيلات لوجستية سرية إلى شراكة متعددة الأوجه تشمل التعاون التجاري والاستخباراتي والعسكري والتقني.
ويعد التقرير من أكثر الدراسات شمولاً حتى الآن في تحليل أبعاد التعاون بين حركة الشباب والحوثيين وتأثيره المحتمل على الأمن الإقليمي والدولي.
جذور التحالف وأسبابه
يؤكد التقرير أن هذا التحالف لا يقوم على التقارب الأيديولوجي، بل على المصالح الاستراتيجية والبقاء. فحركة الشباب، التي انبثقت من اتحاد المحاكم الإسلامية عام 2006،
وارتبطت بشبكات القاعدة سابقاً، تبحث عن استقلال عملياتي وقدرة على تنويع مصادر تمويلها، بينما يرى الحوثيون في هذه الشراكة وسيلة لتوسيع نفوذهم، والالتفاف على العقوبات، واختبار تقنيات عسكرية خارج حدود اليمن.
مراحل تطور العلاقة
حدد التقرير ثلاث مراحل رئيسية لتطور التحالف:
العلاقات التجارية: عبر شبكات رجال أعمال صوماليين ويمنيين في مجالات الوقود والأسماك والأسلحة، ما مكّن من نقل الأموال والبضائع بسرية.
التعاون الاستخباراتي: تبادل المعلومات البحرية والأمنية، بما في ذلك أنماط الدوريات في البحر الأحمر وخليج عدن.
التعاون العسكري والتقني: تشير التقارير إلى أن الشراكة توسّعت لتشمل نقل الأسلحة وتبادل التدريبات وتنسيق عملياتي محدود.
يوثّق التقرير شحنات أسلحة من موانئ يمنية - منها الحديدة والمخا ورأس عيسى - إلى السواحل الشمالية والشرقية والجنوبية للصومال.
وتشمل الأسلحة المزعومة بنادق هجومية، ومدافع رشاشة ثقيلة، وقذائف آر بي جي، وألغام أرضية، ومكونات للعبوات الناسفة.
وقد تم اعتراض بعض الشحنات، بينما يُعتقد أن شحنات أخرى وصلت إلى المناطق الخاضعة لسيطرة حركة الشباب دون أن يتم رصدها.
ومن الجدير بالذكر أن الحوثيين تبادلوا الخبرات في مجال حرب الطائرات المسيّرة والمتفجرات.
تشير الدراسة إلى عمليات حديثة في الصومال، حيث يبدو أن التكتيكات والتقنيات المستخدمة متأثرة بأساليب القتال اليمنية، بما في ذلك استخدام طائرات مسيرة صغيرة.
الهيكل المالي والاقتصادات الخفية
يشكل التعاون المالي ركيزة ثانية لهذه العلاقة. حيث تخضع كلتا المجموعتين لعقوبات دولية، وتواجهان قيودًا على الوصول إلى الأنظمة المصرفية الرسمية.
وتفصّل الدراسة استخدام شبكات الحوالة التي تمتد عبر بوساسو وجيبوتي وصنعاء وعُمان، إلى جانب معاملات الذهب وتجارة الفحم والوقود غير المشروعة.
وتشير التقارير إلى أن الحوثيين استثمروا في شركات صومالية، لا سيما في قطاعات الاستخراج. بالتوازي، أنشأت حركة الشباب مكتبًا للموارد المعدنية عام 2024 لتوسيع أنشطة التنقيب والاستخراج في جنوب ووسط الصومال.
ويشير التقرير إلى أن بعض المشاريع التجارية تعمل كواجهات لغسل الأموال والتدفقات المالية عبر الحدود.
وتمتد المصالح التجارية المشتركة لتشمل أساطيل الصيد وسفنًا بحرية قديمة تُستخدم في التهريب. ولا تقتصر هذه الأنشطة على توليد الإيرادات فحسب، بل تعزز أيضًا الترابط الاقتصادي بين المجموعتين.
التدريب والتبادل التكتيكي
تصف الدراسة تكثيف عمليات التبادل التدريبي.
وتشير التقارير إلى أن عناصر حركة الشباب سافروا إلى شمال اليمن، وتحديدًا صعدة وعمران، لتلقي تدريب على المتفجرات المتقدمة، ونشر الطائرات المسيّرة، وحرب المدن.
في المقابل، يُقال إن عناصر يمنية تلقت تدريبًا على تكتيكات الحرب غير المتكافئة في الصومال، لا سيما في مناطق مثل مرتفعات جلجالة.
ويشمل التبادل مهارات تتعلق بتصنيع الألغام البحرية، وأنظمة الاستخبارات اللامركزية، وصيانة الأسلحة.
على الرغم من عدم وجود أدلة قاطعة تؤكد تنفيذ هجمات مشتركة، تشير المصادر المذكورة في الدراسة إلى وجود تنسيق في الاستطلاع البحري وحماية طرق التهريب.
وتشير التقارير إلى أن المعلومات الاستخباراتية المشتركة تغطي الأنشطة البحرية والجوية الغربية في ممر البحر الأحمر.
المخاطر والدوافع
أوضح التقرير أن دوافع حركة الشباب تشمل الوصول إلى أسلحة متطورة، حماية ممرات التهريب، وتنويع مصادر التمويل، بينما يسعى الحوثيون إلى الالتفاف على العقوبات، توجيه رسائل ردع، واختبار تقنيات عسكرية.
ويشير التقرير إلى أن الموقع الجغرافي للصومال واليمن على أحد أهم الممرات البحرية العالمية يجعل هذه الشراكة ذات تأثير استراتيجي كبير.
التنسيق الثلاثي وحسابات المخاطر
يوضح التقرير العلاقة المعقدة بين حركة الشباب، القاعدة في جزيرة العرب، والحوثيين، حيث تعمل حركة الشباب كوسيط غير رسمي بين خصمين أيديولوجيين، مستفيدة من علاقاتها مع الطرفين لتعزيز نفوذها، رغم مخاطر فقدان الثقة من أي طرف.
السيناريوهات المستقبلية
يشير التقرير إلى أربعة مسارات محتملة لهذه الشراكة:
التوسع المستمر: زيادة تهريب الأسلحة وتعميق التعاون المالي والعملياتي.
النهج العملي المحدود: التعاون مقتصر على الإمداد والاستخبارات البحرية دون انحياز سياسي.
الانهيار تحت الضغط: انهيار التحالف بسبب العقوبات أو الانقسامات الأيديولوجية.
التوسع بالوكالة: استغلال جهات خارجية، خصوصاً إيران، لبناء شبكة أوسع من البحر الأحمر إلى المحيط الهندي.
يحذر التقرير من أن التحالف قد يهدد الأمن الداخلي في الصومال، استقرار القرن الأفريقي، الأمن البحري في البحر الأحمر، وموازين القوى العالمية، خصوصاً مع تصاعد التوترات في المنطقة وتوسع النفوذ العسكري الغربي.
توصيات السياسات
يحث التقرير على:
تعزيز التعاون الاستخباراتي البحري بين الصومال واليمن والشركاء الإقليميين.
تشديد الإجراءات ضد الاقتصادات غير الرسمية وشبكات الحوالة الممولة للجماعات المتطرفة.
وضع استراتيجيات مشتركة من الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية لحماية أمن البحر الأحمر.
إطلاق برامج دولية مشتركة للحد من الدعم المحلي لشبكات التطرف.
تحالف عملي لا أيديولوجي
يخلص معهد سالديغ في نهاية المطاف إلى أن العلاقة بين حركة الشباب والحوثيين لا تُفهم على أنها اتحاد أيديولوجي، بل كاستراتيجية عملية للبقاء.
يواجه كلا الحركتين عقوبات وضغوطًا عسكرية وعزلة. ومن خلال توحيد الشبكات اللوجستية والقنوات المالية والخبرات الفنية، يُخففان من نقاط ضعفهما ويوسعان نفوذهما.
إلا أن المرونة نفسها التي تُتيح هذه الشراكة تجعلها هشة. فعدم الثقة الداخلية والضغوط الخارجية وتغير التحالفات الإقليمية قد تُعيد تشكيل التحالف أو تُنهيه في أي وقت.
لكن من الواضح أن هذه العلاقة قد تجاوزت مرحلة الشائعات، فهي الآن تمثل شبكة منظمة ومتطورة، تمتد تداعياتها من مقديشو إلى صنعاء، ومن باب المندب إلى طرق التجارة العالمية.