Logo

صانع وحدة اليمن الكبير يرحل وحيدا في منافي الشتات

الرأي الثالث

بعيداً من وطنه وحلمه بـ"يمن ديمقراطي موحد" الذي كثيراً ما ناضل من أجل تحقيقه، يغادر علي سالم البيض، الرئيس الجنوبي السابق ونائب الرئيس في دولة الوحدة التي بادر لتحقيقها وصاغ مداميك بنائها قبل أن تكسر رياح "الضم والإلحاق" مجاديف أحلامه القومية في ساحة المعترك، منفرداً في وداع صامت اليوم السبت في العاصمة الإماراتية أبو ظبي عن عمر يناهز الـ86 سنة.

وعلى غير ما عرف عنه في حياته السياسية الصاخبة بالمواقف والأحداث والخطابات اللاهبة، رحل ذلك الصوت الذي كثيراً ما هتف "يا جماهير شعبنا اليمني"، ليشعل فيها مفاعيل شجون "وحدة اليمن الكبير" ومكتسبات الثورة التي كان واحداً من أبرز روادها، تاركاً خلفه أحداثاً مثقلة بالأسئلة وشمها في تربة بلدته حضرموت قبل أن تتخطى عربته حدود سلطنة عمان في صيف عام 1994 إلى المنفى والمنتهى.

وأعادت أحداث حضرموت الأخيرة طرح الأسئلة باحثة عن إجابات لكثير من خفايا ذلك الرجوع السريع من مشروع دولة الوحدة الذي انجرف له بدافع قومي كما قال، وأهداه قلبه ودولته ومنصبه وجيشه وحزبه، ثم منفاه وباقي 30 من عمره.

يسجل هذا الرحيل، مغادرة الثائر العنيد واليساري الصلب بعد رحلة سياسية طويلة بدأها بالكفاح المسلح ضد الاستعمار والإمامة خلال ستينيات القرن الماضي، ورجل دولة آمن بالفكر الاشتراكي الذي ناضل من أجل وحدة اليمن وترسيخ النهج الجمهوري التقدمي كمثال على أحلام اليمنيين الشاهقة قبل أن تهوي في وهدة الارتكاس.

ثلاث محطات جسام

ارتبط اسمه بمحطة مفصلية في تاريخ اليمن الحديث بكل ما حمله من تحولات وصراعات معقدة انتهت بنفيه وبقائه وراء الحدود، متنقلاً في لجوئه بين سلطنة عمان وسويسرا ولبنان. 

ويمكن تلخيص أبرز المحطات في حياة البيض التي تمثلت في نضاله المسلح منذ بواكير شبابه ضد المستعمر البريطاني وأعوانه 

وكان أحد قادة ثورة الـ14 من أكتوبر (تشرين الأول) وأول وزير دفاع لجنوب اليمن المستقل، قبل أن يتولى تالياً رئاسة الدولة، 

وأحداث الـ13 من يناير (كانون الثاني) عام 1986 عندما نجا من الموت بأعجوبة إثر عملية التصفية الجماعية التي طاولت أعضاء "المكتب السياسي" للحزب الاشتراكي الحاكم في إطار الصراع الدامي وظل مرمياً مضرجاً بالدماء داخل قاعة اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني ليوم كامل من دون أن يعلم أن القدر يهيئه لرئاسة الدولة 

حتى عام 1990 الذي شهد قيام الوحدة اليمنية عندما اتُفق على تعيينه نائباً لرئيس دولة الوحدة علي عبد الله صالح قبل أن يعلن "فك الارتباط" في مايو (أيار) عام 1994 التي تسببت باجتياح قوى الشمال للجنوب وتثبيت الوحدة بالقوة، مما سبب جرحاً جنوبياً لا تزال تداعياته ماثلة إلى اليوم.

 يؤخذ عليه أنه آمن بأكبر مشروع قومي عربي في العصر الحديث، ممثلاً بالوحدة اليمنية التي من أجلها تنازل عن كل شيء بعاطفة غلبت منطق الدولة،

 فغُدر به واستمرت معاناة اليمنيين شمالاً وجنوباً، بعد أن اتهم النظام بالانقلاب على اتفاق الوحدة وإزاحة شركائه الجنوبيين ضمن ما يصفه البيض بـ"عملية الضم والإلحاق" التي تعرضوا لها من قبل نظام صنعاء.

سياسي بلون ثابت

يجمع السياسيون والقادة في اليمن أن البيض كان واحداً من أصدق السياسيين في معترك سياسي مضطرب ولم يخفِ مواقفه حين كان إخفاء المواقف لعبة يجيدها جميع الساسة.
 
حتى أولئك الذين حاربهم واختلف معهم، اتفقوا على أنه كان صاحب رصيد مشرف "وقرار شجاع يُحترم"، كما يقول الرئيس الراحل علي عبدالله صالح شريكه في الوحدة ثم خصمه بعدها.

يمكن تلخيص سيرته بأنها ثبات على المواقف والقناعات، بما لها وما عليها، ولكن تبقى تجربته صفحة حاضرة في تاريخ الجنوب واليمن، تاركاً مهمة تقييمها للمنصفين من كتبة التاريخ.

نعي رئاسي

ونعت رئاسة الجمهورية اليمنية، وفاة "ابن اليمن البار المناضل الوطني الجسور علي سالم البيض" نائب رئيس مجلس الرئاسة والأمين العام السابق للجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني.

ومع ما تعيشه اليمن من توترات شبيهة بتلك التي حدثت عقب تحقيق الوحدة، قالت الرئاسة إن رحيله لا يذكر بصفحات مشرقة لشخصية وطنية صادقة وحسب، 

بل يفتح باباً للتأمل المسؤول في مسار الحركة الوطنية ودروس الشراكة العادلة التي تمسك بها الفقيد البيض وأهمية معالجة قضايانا الوطنية بروح المؤسسة والحوار وبما يصون كرامة اليمنيين، ويحفظ تضحياتهم ويؤسس للمستقبل المشرق الذي يستحقونه جميعاً.

وتقديراً لأدواره الطويلة، قالت الرئاسة إن الوطن خسر أحد أبرز القادة والرموز السياسية في تاريخ اليمن المعاصر وشريكاً مخلصاً في صناعة منجز الوحدة اليمنية في الـ22 من مايو عام 1990، مجسداً آنذاك تطلعات اليمنيين إلى دولة واحدة تقوم على الشراكة الوطنية وسيادة القانون.

وأعلنت الرئاسة الحداد الرسمي وتنكيس الأعلام لمدة ثلاثة أيام وفتح سجلات العزاء في الداخل والخارج.

وأوضح مصدر في رئاسة الجمهورية أن التوجيهات شملت إرسال وفد رسمي رفيع المستوى يمثل رئيس مجلس القيادة الرئاسي والمجلس والحكومة، لتقديم واجب العزاء لأسرة الفقيد، إضافة إلى فتح دفاتر العزاء في الداخل، وعبر السفارات والبعثات الدبلوماسية في الخارج.

وبيّن المصدر أن الترتيبات تضمنت أيضاً نقل جثمان الفقيد ودفنه بمراسم رسمية في مسقط رأسه بمحافظة حضرموت، وفقاً لوصيته، وبما ينسجم مع مكانته السياسية والوطنية.

وفي اتصال هاتفي، جدّد رئيس مجلس القيادة الرئاسي، باسمه وأعضاء المجلس والحكومة، خالص التعازي وصادق المواساة لأسرة الفقيد، مشيداً بمسيرته السياسية الحافلة وإسهاماته المفصلية في مراحل حاسمة من تاريخ اليمن الحديث.

وُلد البيض في 10 فبراير 1939 في حضرموت. وشغل منصب الأمين العام للحزب الاشتراكي الحاكم في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية بين عامي 1986-1990.

ووقع البيض على اتفاق الوحدة مع رئيس الجمهورية العربية اليمنية علي عبد الله صالح، لتأسيس الجمهورية اليمنية في 22 مايو 1990، حيث رفعا معاً علم الوحدة في عاصمة الجنوب – عدن.

ويحظى علي سالم البيض باحترام واسع لدى اليمنيين لعدة اعتبارات، أبرزها شخصيته الوطنية، لا سيما في دوره المحوري في قضية الوحدة اليمنية، التي كان المبادر إلى إنجازها جنباً إلى جنب مع إقرار التعددية السياسية، وهي قضية استلزم الدفاع عنها مواجهة الكثير من التحديات والمتاعب.

ونعت سفارة الولايات المتحدة الأميركية لدى اليمين الراحل وقالت على صفحتها بمنصة "إكس" نتقدم بأحر التعازي إلى عائلة نائب الرئيس السابق علي سالم البيض وإلى الشعب اليمني لوفاته".

 كلمة في وداع المناضل علي سالم البيض
 كان كما هو، لا كما أراد له الآخرون أن يكون: علي سالم البيض لم يكن رجل شعارات، كان رجل قناعة، 
وكان يؤمن – وربما أكثر مما ينبغي – أن السياسة يمكن أن تدار بيد نظيفة، وأن الخصومة لا تعني الغدر، وأن الكلمة إذا قيلت تُحترمُ. 
كان نقي السريرة، واضح الموقف، صادقا إلى حد أن الصدق نفسه صار عبئا عليه.
 ولهذا، كان أكبر أخطائه – وأقولها بحزن لا بشماتة – أنه مد يده ناصعة بيضاء من غير سوء ، مصدقا أن الشراكة ممكنة، وأن من أمامه يرى البياض كما يراه هو. 
ذلك لم يكن خطأ خيانة، بل خطأ حسن نية، وخطأ الرجال الأنقياء حين يظنون أن الآخرين يشبهونهم.
 كانت لحظة خسر فيها السياسة، لكنه ربح نفسه. وتلك خسارة لا يفهمها إلا الشرفاء. بعدها وقف وحيدا، ودفع ثمن موقفه كاملا، لم يناور، لم يتراجع، ولم يبع قناعته ليحتمي بظل سلطة زائلة. 
اختار الطريق الأصعب، وخسر المعركة وهو واقف. أختلفُ معه في بعض الخيارات، نعم، لكنني أنحاز إليه في جوهره: في صدقه، في وضوحه، في نقاء ضميره. وأؤمن أن التاريخ – مهما تأخر – لا يخذل من كانوا أوفياء لأنفسهم.
 ووداع  اليوم لعلي سالم البيض ليس وداع غياب، بل وداع رجل أنهكته الخيبات ولم تلوثه، رجل أخطأ مرة، لكنه لم يخن أبدا.
 سلام عليك يا علي البيض، وسلام على يدك التي بقيت بيضاء، حتى حين صافحت من لا يعرف معنى البياض ولم يرَ من الدنيا سوى سواد قلبه وقبح سيرته. ستبقى في الذاكرة يا علي البيض شاهدا على أن النضال قد يُهزمُ سياسيا، لكنه ينتصر أخلاقيا إلى الأبد.

توفيق الشنواح 
صحافي يمني