Logo

مجنونهم" ترك تحفاً معمارية وثروة للأجيال بينما ترك "حاكمنا" خرابةً!

 رجعت من سفري وأنا أتنقل بالقطارات في أوروبا، وأنا أعشق هذا النوع من السفر؛ فالمقعد مريح، ولا يزاحمك أحد، والنافذة الكبيرة تمنحك أفقاً لا ينتهي لتطير مع أفكارك متأملاً قدرة المجتمعات في الغرب على البناء. 

ومن مدينة إلى أخرى، تسيطر عليّ كالعادة فكرة مؤرقة: ماذا فعلت قيادات مجتمعاتنا خلال عقود لنجد كل هذا الخراب حولنا في بلدنا، ولنهرب منها عبر القوارب والغابات والحدود لجوءاً إلى الغرب؟ 

وكيف استطاعت هذه الشعوب—رغم اختلافاتها وماضيها الدموي في الحروب—أن تتعايش وتصنع معجزة حضارية، بمشاريع تستقطب العقول البشرية وبمشاريع تنمية لخدمة أوطانهم وأجيالهم لقرون قادمة، 

بينما نحن إلى اليوم لا نزال في عام 37 هجرية في صراعنا ومنهجنا؟

تجد أمامك محطات القطارات كواحدة من تلك المشاريع التي بُني بعضها قبل أكثر من 150 سنة؛ أي أنهم عرفوا هذه التكنولوجيا وتوسعوا فيها منذ ذلك الحين. 

بينما نحن في منطقتنا العربية، وبعد 150 سنة من ذلك التاريخ، لم نتعلم بعد كيف ندير محطة حافلات أو ننشئ مطاراً محترماً. (ولدليل ذلك انظروا إلى مباني المطارات لدينا في اليمن على سبيل المثال،

 فهي لا ترتقي لشيء يُذكر من حيث الهياكل العمرانية). المباني العملاقة للمحطات والقلاع والقصور والمراكز هنا تبنى للأجيال، وتشهد أن من خطط لها ونفذها وأقرّها، 

أراد أن يترك معجزة معمارية وفنية تعيش لقرون عدة إن لم يكن للأبد. مبانٍ تقف أمامها لساعات بذهول واحترام لعقولهم وإتقانهم، وحتى إن خضعت للترميم، فلا يُغيّر في أصلها شيء لأنها أثر يُصان للأجيال. 

تنظر إلى ذلك وتقول: لقد كان واضحاً من الهندسة الأساسية أنها ثروة أُسست للأجيال لقرون عديدة، ولم يُترك فيها مجال لـ "قليل عقل" أو مرتجل أو عابث ليخططها أو يهدر فرصة زمان ومكان ومال؛ قمة في إتقان العمل. 

بينما لو نظرنا إلى ما تركه القادة والمسؤولون لدينا في اليمن على وجه الخصوص على مدى عقود وحتى عصر الأمام، لضحكنا بحسرة مما نشاهد كأثر.

اليوم أجد كل مدينة من مدن أوروبا مكتظة بالسياح من كل العالم بفضل هذا الإتقان الفني والمعماري المتراكم، وكل سنة أفضل من التي قبلها؛ استقطاب للمال والعقول والسياحة والاستثمار. 

هكذا تتراكم الثروة للأجيال القادمة في الغرب في كل مدينة، وأقلها ما نشاهده في صورة بنية تحتية أينما يممت وجهك، وكل جيل يأتي بعلمه ليوسع ويضيف ويترك أثره. 

أما نحن، فلو أردنا بناء شيء للأجيال كمعالم تنموية حقيقية، فسوف نحتاج أولاً إلى عملية "غسيل دماغ" لمن يتولون الأمر، وإعادة تعليم وبرمجة لعقولهم، وجهود جبارة لعقود فقط لإزالة "ادعائهم الفهم" والتوقف عن التفكير العشوائي والعبث. 

وارجعوا إلى 45 عاماً أو حتى من بعد "صلح دعان" من اليوم، فلن تجدوا حاكماً أو وزيراً يمنياً ترك أثراً، وإنما هدرة وفشخرة، وهو بميزان الأمم صفر لا أكثر.

ولنفهم حجم الفشل الذي نعيشه مقارنة بـ "تراكم الثروة في بناء مشاريع للأجيال مثل البنية التحتية لدى غيرنا"، دعوني أقرب لكم مثالاً كونني أكتب هذا وأنا في القطار. 

ننظر فقط إلى قطاع القطارات والسياحة في دول مثل ألمانيا والتشيك والمجر، كون أوروبا أضحت كقرية واحدة متصلة. 

ففي ألمانيا وحدها يعمل نحو 40 ألف قطار يومياً على شبكة حديدية يزيد طولها عن 33 ألف كيلومتر، تضم أكثر من 5700 محطة ركاب. رقم 40 ألف قطار ليس سهلاً للاستيعاب للشعوب الفقيرة؛ فكل قطار هو ثروة متحركة.

 لو حسبنا قيمة قطار واحد من طراز (ICE)، فتكلفتها بين 18 إلى 33 مليون يورو، وهم يمتلكون 341 قطاراً من هذا الطراز فقط (أي ما قيمته 7 إلى 12 مليار يورو). فكيف لو حسبنا قيمة الـ 40 ألف قطار كاملة؟ 

هذا ما يُسمى "دولة" تُورّث أحفادها أصولاً وثروات، بينما نحن لم نصلح مواقف أو محطات باصات، ولم أقل قطارات.

 فالمحطات لديهم ليست مجرد أماكن للانتظار، بل مراكز تجارية وحيوية ضخمة تشبه المطارات في تصميمها وطوابقها وجسورها. 

ولفهم حجم الإنفاق على محطاتهم، فتجديد وتوسيع محطة قطار واحدة فقط قد يكلف 1.2 مليار يورو! مع نقاش الدولة عن تخصيص 78 مليار يورو لتحديث المحطات لتواكب التطور المأمول للأجيال القادمة. أرقام فلكية تُنفق لأن المشاريع تُبنى لتبقى.

أما على مستوى شبكة القطارات والتكلفة، فإن الكيلومتر الواحد من السكك الحديدية يكلف بين 1 إلى 2 مليون يورو، ما يعني أن قيمة الشبكة الألمانية وحدها تعادل 33 إلى 50 مليار يورو كأصول صلبة ومستدامة. 

واستهلاك الطاقة لهذه القطارات يتجاوز استهلاك مدينة صناعية عملاقة يقطنها مليونا نسمة—وهي طاقة أكبر من احتياج اليمن بكاملها! ولم يتركوا مفصلاً دون شبكة مواصلات؛ ففوق كل هذه القطارات، تمتلك ألمانيا مثلاً 80 ألف حافلة لنقل الركاب. 

بينما نحن في اليمن—يوم أن كانت لدينا بقايا معالم دولة—كنا نملك 15 أو 20 باصاً فرنسياً! 

وكلما تعطل باص استخدمناه كقطع غيار للبقية حتى انقرضت جميعها، ثم أتبعوها بصفقة باصات إيرانية اتضح أنها غير صالحة للطرق الجبلية ولم تصمد لعامين! 

فشلنا في إدارة بضع حافلات بين المدن، ومع ذلك كان الإعلام يطبل بالتطور والمستقبل المشرق.

وحتى لو نظرنا إلى دول كنا كيمنيين نعيش فيها كطلاب أغنياء قبل أربعة عقود (مثل التشيك والمجر وغيرها)، حيث كان الطالب اليمني أو العراقي أو الليبي يعيش كـ "أمير" بفضل فارق العملة والقوة الشرائية،

 لنكتشف كيف انعكست الآية تماماً اليوم وصار الأجنبي هو الأفقر مقارنة بابن البلد. 

مدن مثل بودابست أو براغ تحولت اليوم إلى مغناطيس عالمي للسياحة؛ ترفد ميزانية الدولة بمليارات اليورو (دخل السياحة في التشيك يتجاوز 8 مليارات يورو، وللمجر رقم مقارب، وبرلين تتحدث عن 11 مليار يورو سنوياً). 

وفي براغ وحدها يعمل 66 ألف موظف في قطاع السياحة! بين خدمات ومترو ونظافة وتراث حضاري مخدوم ومصان. عندما تشاهد كل هذا، تدرك معنى أن تجتمع الدولة والمجتمع على كلمة: "نعمل، نخطط، وننفذ".

وهنا في المقارنة بين الغير والصفر اليمني تتجلى إنجازات 46 حكومة متعاقبة وسلطة قائمة في اليمن؛ حيث انحصرت في "تلميع الصفر" فيتجسد أمامنا في: البسط، النهب، المحسوبية، المحاصصة الوظيفية، والشهادات المزورة. 

أما عندما يتحدث ملمّعو السلطة عن الإنجازات عبر العقود، فنرى "المعجزات" فقط في دواوين القات وعلى منصات التواصل الاجتماعي، ومن خلال بيع الوهم للناس، وكل ذلك بمقياس التنمية والشعوب مجرد صفر كبير. 

وأعطيكم هنا مثالاً عن الوهم: فقبل بضعة أشهر أُعلن عن مشاريع استثمارية في أبين أو غيرها، وبثقة أورد الإعلام والصحافة أنها ستوفر "نصف مليون فرصة عمل". نصف مليون وظيفة—على قول الأخوة في مصر—"حتة واحدة"! 

وهي في الحقيقة مشاريع بسيطة لا ترتقي حتى لتوفير 5 آلاف وظيفة (إن نُفذت أصلاً). المهم يبدأ الأول بكذبة، فيبني الباقون لها أرجلاً وأجنحة، وكل ما في الأمر مجرد صفر.

فمن يشاهد العالم يعرف أننا لم نبنِ شيئاً منذ عقود، وما زلنا ندمر بإصرار غريب وندعي الفهم، بل دمرنا حتى ما كان قائماً في الأرض والمدن والتاريخ. ويراودني السؤال دائماً: أين هي آثارنا؟

 أخشى أن نقول إن الأجداد بنوا حضارة سبأ وحمير، ولكن واقعنا يقول إننا في هذا العصر—ورغم أننا تعلمنا ورأينا العالم—لم نترك أي أثر يُذكر. 

انظروا إلى مصر كيف تبني عاصمة إدارية ومشاريع لألف سنة قادمة، وانظروا إلى الطفرة العمرانية في السعودية والإمارات. 

بينما نحن لم نفلح حتى في بناء مطار محترم؛ انظروا إلى مطار المخاء أو مطار مأرب، والأمانة أنها مبانٍ مخجلة لا ترتقي لمستوى "فرزة حافلات" في أي دولة تحترم نفسها.

ولكي نستفيق جميعاً من سكرة الوهم، ننظر فقط لصورتين للمقارنة بين ما تركه حاكمٌ في اليمن (الإمام) كان يُسوّق لنفسه على أنه "حاكم بأمر الله"، وبين ما تركه حاكمٌ عندهم ("لودفيج الثاني") اتهموه بالجنون وعزلوه لمجرد إفراطه في الإنفاق على البناء والعمران. 

الفارق البسيط هنا من الصورتين.. أن "مجنونهم" ترك مباني كمتاحف معمارية وثروة صلبة للأجيال تقصدها ملايين البشر (حيث يُسجّل سنوياً نحو 9.5 ملايين زائر في المنطقة المحيطة بالقصر بأكملها)،

 بينما ترك حاكمنا الإمام آثاراً عبارة عن خرابة يأنف حتى اليمنيّ من مجرد التطلع إليها أو الوقوف امامها. والمأساة أن الوضع لن يتغير قريباً ولن نجد أي اثر ونجاح ولو استمرينا قرن آخر على هذا الحال؛ 

فكل ما يُسمى "مشروعات ومدن" أنشئت في هذا القرن ستصبح بعد خمسين عاماً بلا قيمة ولا معنى، ومجرد فوضى عشوائية وخرابة بلا معالم. وكأن كل من تعاقبوا على حكم اليمن يجهلون تماماً معنى بناء الدولة وإبقاء الأثر.

ورغم كل الكوارث والعبث، أجد أن التغيير ليس معجزة مستحيلة في حياة الأمم؛ بل يمكن أن يبدأ بكسر "سكرة ادعاء الفهم" والاعتراف بالفشل الإداري، والتوقف الفوري عن بيع الوهم والأرقام الزائفة، واستبدال الارتجال بالاستعانة بالعقول والكفاءات التكنوقراطية الحقيقية. 

ويتبع ذلك الانتقال من ثقافة "المشاريع الترقيعية" سريعة التلف إلى وضع استراتيجيات عابرة للحكومات والعشوائية، تُبنى فيها المشاريع والبنية التحتية لتصمد لعقود وقرون. 

فالشعوب التي نهضت هي التي ملكت العقل المدبر، وإرادة التأسيس، ورؤية المستقبل؛ وحين نتوقف عن تدمير حاضرنا ونقرر التخطيط للغد بعقلية مفتوحة وإتقان حقيقي، سنضع أول حجر أساس لحضارة جديدة تُعيد لليمن أثره المستحق بين الأمم.

* أكاديمي وباحث يمني