Logo

العالم المتناقض يتصدره المجانين، ويُتَّهم فلاسفته بالجنون

 هكذا كانت البشرية، وما تزال، تعيش في عالم شديد التناقض؛ عالمٍ كثيرًا ما يتصدر فيه القرارَ من يملك القوة، بينما يُتَّهم الفلاسفة والمفكرون بالجنون لمجرد أنهم يطرحون الأسئلة التي يخشى الآخرون الاقتراب منها.

ولعل ما حدث لفريدريك نيتشه مثال صارخ على هذا التناقض. فقد انتهى به الأمر إلى مستشفى للأمراض العقلية، 

بينما كانت أفكاره وكتاباته من أكثر ما أثار الأسئلة الفلسفية الكبرى حول الإنسان والدين والأخلاق. وعندما أعلن نيتشه عبارته الشهيرة «مات الله»، لم يكن يقصد بها الله بوصفه حقيقة ميتافيزيقية،

 وإنما كان يقصد انهيار صورة الإله التي صنعها الإنسان، وتحولها إلى فكرة لم تعد قادرة على تفسير العالم الحديث أو توجيه الإنسان فيه.

إن الإله الذي أعلن نيتشه «موته» هو، في قراءتي، الإله الذي صنعته المخيلة البشرية عبر مراحل التاريخ؛ الإله الذي رسم له البشر الصور، وأقاموا له التماثيل، ونسبوا إليه صفات بشرية، وصاغوا حوله تصورات تتغير بتغير الأزمنة والثقافات.

لكن المفارقة أن الإنسان المعاصر لم يتخلص من تلك الصورة، بل أعاد إنتاجها بصورة أكثر رعبًا. فقد صُنع في مخيلة الكثيرين إلهٌ يعاقب على كل صغيرة وكبيرة، ويُقدَّم للأطفال منذ الصغر بوصفه مصدرًا للخوف قبل أن يكون مصدرًا للرحمة: 

إذا فعلت هذا سيعاقبك الله، وإذا أخطأت سيدخلك النار، وإذا خالفت الأوامر سينتقم منك.

وهكذا تُبنى صورة الله في الوعي الإنساني من خلال الخوف قبل الرحمة، ومن خلال العقاب قبل المحبة؛ لأن الإنسان، في كثير من الأحيان، يتأثر بالخوف من العقوبة أكثر مما يتأثر بوعد الثواب.

والأخطر من ذلك أن هذه الصورة تجعل الدين في مواجهة الحياة والفن والموسيقى والجمال، وكأن الحياة خُلقت لكي يعيش الإنسان في البؤس والقلق والرعب، لا لكي يكتشف العالم ويبدع فيه ويحتفي بجماله.

لذلك، ربما لم يعد السؤال اليوم: هل مات الله؟ بل: أيُّ إلهٍ مات؟

لقد آن الأوان، في رأيي، لإعلان وفاة الإله المرعب الذي صنعته المخيلة البشرية؛ الإله الذي قُدِّم للإنسان بوصفه كائنًا انتقاميًا، يراقب خطواته ويحصي أخطاءه ويهدده بالعقاب في كل لحظة.

أما الإيمان الذي يقوم على الرحمة والمحبة والجمال، فليس بحاجة إلى التخويف ولا إلى صناعة الرعب في نفوس الأطفال؛ لأن ما يحتاج إلى الخوف كي يستمر، قد يكون بحاجة إلى مراجعة الإنسان له، لا إلى المزيد من الخوف منه.

* دبلوماسي وسياسي يمني