Logo

الحرب طريق الخسارة والسلام مكسب للجميع

ما تشهده اليمن اليوم من قصف متبادل بين السعودية وجماعة الحوثي، يعيد إلى الأذهان سنوات الحرب الطويلة التي دفعت البلاد أثمانها الباهظة، من أرواح اليمنيين ومستقبلهم، واقتصادهم واستقرارهم

 ففي كل مرة يشتعل فيها التصعيد العسكري، تتراجع فرص السلام، ويزداد المشهد تعقيداً، بينما يبقى المواطن اليمني هو الخاسر الأكبر، الذي يعيش بين الخوف والنزوح والفقر، وانهيار الخدمات..

 ومن المؤسف أن تظل اليمن رهينة لدورات متكررة من العنف، في وقت أصبح الجميع يدرك أن الحل العسكري لم ينجح، طوال السنوات الماضية في إنهاء الصراع، أو فرض واقع مستقر..

لقد بذلت السعودية خلال الأعوام الماضية جهوداً كبيرة، للدخول في حوار مع جماعة الحوثي، سعياً للوصول إلى تفاهمات تخفف من حدة الصراع، وتمهد لتسوية سياسية شاملة.. 

وكان واضحاً أن الرياض اتجهت إلى إعطاء الأولوية للحلول السياسية، على حساب الخيارات العسكرية، إدراكا منها أن أمنها واستقرار اليمن مترابطان، وأن السلام في اليمن سيكون مكسباً مشتركاً لجميع الأطراف..

 غير أن تعثر التفاهمات وعودة التوتر يثيران تساؤلات عديدة، حول الأسباب التي أدت إلى انهيار مسار التهدئة، وما إذا كانت هناك ملفات عالقة أو التزامات لم تكتمل، أو حسابات إقليمية جديدة فرضت نفسها على المشهد..

وفي المقابل، تبرز تساؤلات مشروعة حول طبيعة المرحلة المقبلة، وما إذا كانت الضربات العسكرية الأخيرة تمثل مجرد رسائل ضغط محدودة، أم بداية لتحول أوسع في مسار الصراع ..

كما يثار نقاش حول مدى رغبة السعودية في إشراك القوى اليمنية المختلفة في أي مواجهة جديدة، أو استمرارها في إدارة الأزمة، وفق رؤيتها الأمنية والسياسية ..

مع الحرص في الوقت ذاته على عدم إغلاق قنوات الحوار، التي لا تزال بعض الوساطات الإقليمية تسعى إلى إبقائها مفتوحة، لأن أي مواجهة واسعة داخل اليمن ستعيد البلاد إلى مربع الحرب المفتوحة، بكل ما يحمله ذلك من مخاطر على الجميع..

ومن الملاحظ أيضاً، أن بعض القوى الإقليمية أو المحلية، لا تبدو متحمسة لنجاح أي تسوية سياسية شاملة، لأنها ترى في استمرار الحرب وسيلة للحفاظ على نفوذها، أو تحقيق مكاسب سياسية وعسكرية، ولذلك تعمل بصورة مباشرة أو غير مباشرة على تشجيع التصعيد ،وإبقاء أجواء التوتر قائمة

 لأن السلام الحقيقي سيعيد ترتيب موازين القوى، ويحد من قدرة كثير من الأطراف على استثمار الصراع لتحقيق مصالحها الضيقة، بينما يظل الشعب اليمني، هو الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر من أمنه ومعيشته ومستقبله..

إن اليمن اليوم بحاجة إلى إرادة سياسية صادقة، تتجاوز منطق الحرب والرهانات العسكرية، وتعيد الاعتبار للحوار، باعتباره الطريق الوحيد القادر على إنهاء هذه المأساة..

 فلا السعودية ستكسب من حرب طويلة تستنزف أمنها ومواردها، ولا الحوثيون سيحققون استقراراً دائماً بالقوة، ولا اليمنيون يحتملون سنوات جديدة من الدمار والمعاناة.. 

إن السلام العادل الذي يحفظ سيادة اليمن ويحقق أمن دول الجوار، ويضمن مشاركة جميع اليمنيين في بناء دولتهم، هو المكسب الحقيقي للجميع.. 

أما استمرار الحرب فلن ينتج سوى مزيد من الخسائر، وتعميق الانقسام وإطالة معاناة شعب، يستحق أن يعيش في أمن واستقرار، بعد سنوات طويلة من الألم.. 

* سفير بوزارة الخارجية