Logo

عبد ربه منصور هادي... الرئيس الذي أكلته الضباع

 في منفاه القسري، توفي الرئيس اليمني عبده ربه منصور هادي في 28 مايو/ أيار الماضي ووري في ثرى الرياض بعيداً عن وطنه.

 وحين تشكل حياة الرؤساء اليمنيين ونهايتهم التراجيدية، من الرئيس السابق علي عبد الله صالح إلى رؤساء سابقين آخرين، اختزالا مكثفاً لمسارات الصراع على السلطة في اليمن وأدوار الفاعلين،

 فإن المفارقة في حالة هادي أكثر تراجيدية، لا من حيث قصة صعوده إلى السلطة ونهايته فقط، بل وأيضاً المسار الذي أنتجه في اليمن.

من قائد عسكري ينتمي إلى الصف الثاني في المؤسسة العسكرية الجنوبية قبل الوحدة إلى تزعّم هرم السلطة للدولة اليمنية الموحدة، تبدو مسيرة الرئيس عبد ربه منصور هادي قائمة على انتقائية المصادفات، لا موثوقية الكفاءة، 

والأهم معيار اختيار البديل الآمن في إدارة السلطة وفق تفضيلات الفاعلين الدوليين والإقليميين.

 فبعد الحراك الشعبي الذي أطاح الرئيس صالح أصبح هادي الخيار الآمن، وربما المثالي، بالنسبة لأميركا والسعودية، بحيث فُرض وفق المبادرة الخليجية رئيساً توافقيّاً للمرحلة الانتقالية، 

ومن ثم تقاطعت مصالح الخارج أكثر من الداخل، أي مراكز النفوذ المحلية في تصعيد هادي، وإن انخرطت في السلطة واستفادت منها، 

حيث اعتبرته السعودية، وبالطبع أميركا، البديل المثالي لتولي الرئاسة خلفاً لصالح، بما يضمن انتقالاً سلساً للسلطة مع بقاء النظام على حاله، إلى جانب اعتبارات أن الرئيس هادي كان خارج مراكز النفوذ التقليدية في شمال اليمن، 

ومن ثم يستطيع بناء مسار سياسي متوازن في إدارة العلاقة مع القوى السياسية المتنافسة، كما أن انتماءه إلى جنوب اليمن يعني ضمان تمثيل الجنوب في هرم السلطة وتأكيد وحدة البلاد. 

بيد أن قصر النظر هنا لا يتكئ على مراهنة الفاعلين على ميزات هادي فقط، بل وأيضاً تجاهل بنية السلطة في اليمن وإرثها، كونها، في المقام الأول، تمثيلاً لمراكز النفوذ، بحيث يصبح الرئيس، إلى حدّ ما، واجهة لها ومقيداً بشروطها،

 إلى جانب أن الرئيس هادي نفسه جزءٌ من بنية الصراع المحلي، وتحديداً في جنوب اليمن. 

يضاف إلى هذا عدم امتلاكه تجربه سياسية في السلطة، ما تكشف بعد ذلك في إدارته المتناقضة للمرحلة الانتقالية، بتبني سياسة الترضيات وشراء الولاءات وإدارة التحالفات لصالحه، بما يتضمّنه هذا من انتقائية ونهج صراعي ترتب عليه زجّ مؤسّسات الدولة في صراع تحالفات السلطة المتغيرة. 

ففي المرحلة الأولى قام بتقليم حزب المؤتمر الشعبي العام من مؤسّسات الدولة، حزب خصمه (صالح)، في سياسة وقائية تمكّنه من تدعيم سلطته، 

مقابل اصطفاء التجمّع اليمني للإصلاح قوة إسناد سياسية، ترتب عليه تعزيز قبضته في مؤسّسات الدولة والجيش، بموازاة تمكين القوى الجنوبية التي تنتمي لمسقط رأسه، أي مدينة أبين،

 فيما أزاح القوى المنتمية إلى الضالع ويافع في نهجٍ كرّس دورات الصراع التاريخية التي شهدها جنوب اليمن، ومن ثم فقد فرص استمالة القوى الجنوبية تحت مظلته رئيساً لكل أطياف المجتمع اليمني. 

وفي مرحلة لاحقة، تبنى استراتيجية اجتثاث مراكز النفوذ في شمال اليمن، من خلال تحجيم "الإصلاح" و"المؤتمر" معاً، مقابل نسج تحالف غير معلن مع جماعة الحوثي، بتقديمها قوة صاعدة ستمكّنه من تحقيق نوع من التوازن في إدارة المعادلة السياسية،

 والأهم اللعب على التناقضات البينية لصالحه، بحيث أتاح لها التمدّد جغرافياً وإسقاط المدن من صعدة إلى عمران، حتى إسقاط صنعاء أخيراً. 

وتحوّل الرئيس هادي نفسه إلى ضحية للجماعة التي لم تنقلب عليه فقط، بل أيضاً جرّدته من سلطته، أفضى إلى استدعائه السعودية لإعادته إلى السلطة واندلاع الحرب الشاملة.

شكلت الحرب منعطفاً سياسياً حادّاً في تجربة الرئيس هادي في السلطة، وأيضاً في تحديد خياراته، وكذلك في مصيره السياسي،

 إلا أن من الإنصاف هنا لتقييم تجربته استعادة السياق الإقليمي الذي دارت به رحى الحرب في اليمن، بمنعطفاتها ومساراتها، والديناميكيات التي ولدتها، 

فعلى مستوى أولي، أفضى تحوّل اليمن إلى ساحة إقليمية رئيسية للصراع السعودي - الإيراني، وإدارة النفوذ من خلال وكلائهم، تحوّل في طبيعة أدوار اللاعبين المحليين، الذين أصبحوا مجرّد أدوات في معادلة الصراع الإقليمي،

 بحيث بات هادي بالنسبة للسعودية مجرّد مظلة لمشروعية حربها في اليمن وتحقيق أهدافها، ما لبث أن حيّدته نهائياً من أي دور سلطوي، بعد تطبيع علاقتها بإيران.
 
وفي مستوى ثانٍ، فرضت تحولات العلاقة السعودية- الإماراتية وتصاعد التنافس البيني تأثيره المباشر على سلطة هادي بما في ذلك تقويضها، وذلك بدعم الإمارات قوى انفصالية على حساب السلطة الشرعية والدولة اليمنية، ممثلاً بالمجلس الانتقالي الجنوبي.

 وفي مرحلة لاحقة من التوافق السعودي- الاماراتي فُرض استيعاب "الانتقالي" في مفاصل السلطة والدولة، تلاه تحوّل هادي نفسه إلى هدف ليس فقط لخصومه: الإمارات والقوى الجنوبية وورثة علي عبد الله صالح، بل ولحلفائه: السعودية والقوى السياسية في معسكر الشرعية، اقتضى ليس فقط عزله بل وإعادة تشكيل السلطة نفسها، والمؤسسة الرئاسية، وذلك بتشكيل المجلس الرئاسي في إبريل/ نيسان 2022،

 بيد أن هذا التكتيك المؤقت لإدارة السلطة ما لبث أن فشل في حل التناقضات البينية والصراع على النفوذ وإن أسهم في رسم مسار جديد للسلطة، إذ انفجر الصراع بين وكلاء الإمارات والسعودية في يناير/ كانون الثاني 2026، بعد سيطرة المجلس الانتقالي على مدينة حضرموت والمهرة، ثم هزيمته عسكرياً من السعودية وطرد الإمارات من اليمن، وتحول السعودية إلى قوة وحيدة ومهيمنة.

ربما من المهم هنا التأكيد على التحولات الجذرية التي رافقت مسارات السلطة في اليمن، والأهم المؤسّسة الرئاسية أكثر من 17عاماً، والتي كان فيها الرئيس الراحل هادي، وللمفارقة التاريخية، تدشيناً لمرحلة جديدة، ونهاية أيضاً لهذه المرحلة، 

أي مقاربة التحولات التي شهدتها السلطة الرئاسية، سواء بما هي اطار للتمثيل أو وظيفة، بما في ذلك تحييد المواثيق الدستورية والمرجعيات الأممية ومحاولة تكييفها مع أي تحول في شكل السلطة الجديدة.

 وبعيداً عن الجدل القانوني الحالي حول شرعية المجلس الرئاسي ما بعد وفاة هادي، الأكيد هنا أن مساراً جديداً ومختلفاً قد فرض على السلطة، لا يمكن بالطبع التكهن باستمراريته، 

ففي حين تمثّل السمة الرئيسية لطبيعة تولي السلطة في اليمن وصيغتها أيضاً بأنها نتاج سياق صراعي، إلا أن التجارب التاريخية الصراعية لفرض الرؤساء وتصعيدهم إلى السلطة ظلّت تخضع لمعادلة إدارة مراكز النفوذ المحلية وتسوياتها، بما يعنيه هذا من تصعيد المنتصر وازاحة المهزوم أو نفيه وحتى قتله، ومن ثم كان العامل الوطني الحاسم في صنع الرؤساء إلى حد كبير.
 
وإذا كان هادي قد أتى إلى السلطة وفق وضع غير طبيعي محلياً، أي الحراك الشعبي، مستوى من الصراع أيضاً، إلى جانب تدخّلين، إقليمي ودولي، فإنه إلى حد ما كان يستند إلى مشروعية توافقية وإنْ شكلية، وأيضاً إلى مفاعيل وطنية في إسناده وتدعيمه سياسياً، 

إلا أن المسار الذي فرض ما بعد هادي، على السلطة وعلى المؤسّسة الرئاسية، يمثل انقلاباً تاريخياً على صيغتها التقليدية، حتى وإن كانت نوعاً انتقالياً يلبي طبيعة الظروف الحالية،

 فإلى جانب تقويض شكل مؤسّسة السلطة التي سارت عليها اليمن، القائمة على منصب رئيس الجمهورية، فإن هذا التحوّل في التعاطي مع المؤسّسة الرئاسية، لا بوصفها كياناً شرعياً أنتجته الشرعية الدستورية، بل بما هي إطار فضفاض يضم قوى النفوذ المحلية من الوكلاء، 

وقابل للتغيير أي يتم توسيعه بموجب إرادة المتدخلين وفي هذه الحالة السعودية، قد نقل مهمة صناعة الرؤساء من القوى اليمنية إلى السعودية. 

ومن جهة ثانية فإن هذا التحول في صيغة المؤسسة الرئاسية ما بعد هادي رافقه أيضاً متغير يمكن تعقبه وإن بشكل غير مرئي، 

بحيث باتت السعودية عملياً هي من تتولى مهات السلطة الرئاسية، من تصعيد الموالين لها في المجلس الرئاسي إلى هيكلة المؤسسة العسكرية التي تمثل إحدى المهمات السيادية للرئيس. 

وإذا كان الشكل الحالي للمؤسّسة الرئاسية ما بعد "هادي"، قد استقر على تمثيل وكلاء السعودية والقوى المتحالفة معها، فإن التطورات المستقبلية، أي ما بعد انتهاء الحرب الأميركية- الإيرانية ربما قد تدفع السعودية إلى تغيير شكل السلطة الرئاسية مرة أخرى بموجب أهدافها بالطبع.

من انقلاب الخصوم إلى انقلاب الحلفاء ثم الإزاحة والنفي، مات عبد ربه منصور هادي، الرئيس الذي صعدته انتقائية المصادفات والنيات غير الطيبة، 

وفي حين ينفض اليوم حلفاؤه وخصومه أيديهم من إرث تجربة سياسية مدمّرة كانوا جزءاً فاعلاً في تشكيلها وفي مساراتها،

 فإن الأكيد أن وفاة هادي بما له وما عليه، تشكل نهاية حقبة في تاريخ اليمن المعاصر، تولى فيها رئيس منتخب السلطة وكان يحكم ولو اسمياً جغرافية اليمن الواحد، 

فيما لم يعد منصب تصعيد الرؤساء وصناعتهم يخضع لتوافقات وطنية حتى في حدّها الأدنى، بل إرادة المهيمنين.

* كاتبة وناشطة يمنية