Logo

اليمن مقبرة فرسان الكلمة

 .. حوار مع صديقي الصحفي  (29)..  

في جلسةٍ عاصفة بالأفكار كنت أتحاور مع صديقي الصحفي والإعلامي المتميز برفقة عصفورتنا الذكية التي لا تغيب عنها شاردة ولا واردة حيث كانت القضايا الساخنة تتزاحم في عقولنا ونبض الشارع اليمني يغلي بمئات الملفات التي تحتاج إلى من يطرق أبوابها.

وكشريط سينمائي مرت الأزمات أمامنا ومَعها مرّت غصة خذلانٍ دائمة شعور مرير بأننا نكرر المحاولة ذاتها كمن يحرث في بحر وأن كلماتنا تذهب أدراج الرياح أمام غول المال والمصالح الذي أعمى الأبصار والبصائر 

ورغم ذلك كنا متفقين على أن الاستسلام ليس خياراً وأن واجبنا المهني يُحتم علينا مواصلة المسير.. وفي خضم هذا النقاش هبط علينا نبأ كالصاعقة رحيل الزميل الصحفي الكبير فؤاد عبد القادر  قامة صحفية شاهقة تنضم إلى قافلة الراحلين.

قال صديقي الصحفي والإعلامي المتميز بنبرة متهدجة أتعرفون أنه عانى الأمرين في مرضه ولم يجد يداً واحدة تمتد إليه؟ 

وزارة الإعلام تغرد خارج السرب ومؤسسة الثورة التي أفنى شبابه فيها أدارت ظهرها له أما نقابة الصحفيين فمجلسها يتنقل بين عواصم العالم في رحلات سياحة وسفر ومشاوير خاصة دون التفاتة واحدة لمنتسبيها أما اتحاد الإعلاميين فقد ولد ميتاً .. 

قلت وعيناي تفيضان بالقهر يا أصدقائي مات فؤاد وهو يبحث عن قيمة الدواء وظل يعاني ذلّ السؤال دون أن يتمكن من تأمين سقف كرامة لأسرته إنه ليس الأول ولن يكون الأخير فآلاف الصحفيين يُستهلكون وتُستنزف طاقاتهم وإبداعاتهم وحين تنتهي صلاحيتهم لا يجدون سوى الجحود والنكران ويُتركون لمصيرهم المجهول.. 

قالت صديقتنا العصفورة الذكية متألمة إنه واقع يُدمي القلوب  الإعلامي في اليمن لا قيمة له حياً وحين يموت تتسابق المؤسسات والجهات التي خدمها وقدم لها عصارة عمره لإصدار بيانات النعي الرنانة فأين كانت هذه البيانات وهو في أمسّ الحاجة لثمن الدواء والوقفة الأخوية؟

 فهذه البيانات لن تطعم أولاده، ولن يسمعها هو في قبره. 

تابعتُ والحرقة تزداد في صدري هل تعلمون ما هو الأدهى؟ عند وفاته عجزت أسرته عن تدبير ثمن القبر وحتى قاعة العزاء ظلوا يبحثون عمن يتكفل بقيمة إيجارها واليوم تُركت عائلته دون معيل تبحث عن فتات العيش بكرامة .. 

هنا تساءل الأصدقاء من المسؤول عن هذا الوضع الكارثي للصحفيين والإعلاميين؟ .. أجبتهم بلا تردد الجميع شركاء في الجريمة فالمسؤولية تقع أولاً على قيادة الدولة والحكومات المتعاقبة التي سارت على نهج التهميش والتعاطي مع الإعلام كبوق للتطبيل يُرمى بعد انتهاء الحاجة 

وتمر المسؤولية بوزارة الإعلام التي نسمع جعجعتها ولا نرى طحينها وباتحاد الإعلاميين الذي وُلد مشوهاً وبنقابة الصحفيين التي ماتت وشبعت موتاً وصولاً إلى المؤسسات الإعلامية الرسمية التي استنسخت الفشل من وزارتها فلقد تحول العمل الإعلامي في اليمن إلى محرقة حقيقية للمبدعين. 

عقّب الأصدقاء وعلامات اليأس تبدو عليهم لن يتغير هذا الحال إلا إذا استشعرت الدولة مسؤوليتها الحقيقية ووُضع الرجل المناسب في المكان المناسب..

 أما في ظل المحسوبيات والوساطات وقرابات المسؤولين فلا مكان للتفاؤل وسيبقى الإعلام اليمني مجرد ناقل باهت للأحداث لا صانعاً لها وسيظل الإعلامي في أجندتهم مجرد اسم يُكتب في بيان نعي ..

في ختام حوارنا المثقل بالهموم نرفعها صرخة مدوية علّها تجد آذاناً صاغية إن الإعلاميين في بلدان العالم المتحضر هم قادة الرأي وصناع الأحداث.. 

أما في بلدنا فقد دُفع بهم إلى حافة الرصيف وبدلاً من البحث عن الأخبار أصبح الصحفي يبحث عن لقمة عيشٍ يسد بها رمق أطفاله ويعيش بؤساً يومياً في المستشفيات وأمام المؤجرين..

 فإذا كنتم تريدون إعلاماً قوياً يدافع عن الوطن فعليكم أولاً تغيير نظرتكم وسياساتكم العقيمة تجاهه فقطاع الإعلام هو أول قطاع يحتاج إلى التغيير الجذري وإعادة بناء المنظومة لتواكب التطور العالمي قبل أن يفوتنا القطار تماماً وقبل أن تتحول البلاد إلى مقبرة جماعية لفرسان الكلمة..

قلت أنا والأصدقاء الأعزاء رحم الله فقيد الصحافة اليمنية فؤاد عبد القادر الذي تعلمنا منه الكثير .. 

ولا عزاء للدولة ولا للحكومة ولا لوزارة الإعلام ولا لنقابةٍ واتحادٍ ماتت فيهم الإنسانية قبل المهنية.. 

فهل وصلت الرسالة؟ أم أننا ما زلنا ننفخ في رماد؟..